عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 30 نيسان 2017

صوتي لِمن؟

إيمان زيّاد

في المسافة الفاصلة بين شجرة التين المِظلّة وبيتي خطوات ترابية وحواف من النباتات الشوكية التي تلتهم خطوتي كلما خرجت وعدت. وأنا التي آمنت بقريتي منذ خلقت كما البلاد جميعها، منذ نزف أجدادي أرواحهم ذودا عنها حتى حلّقوا في سماها بتلات النور. خرجت صباحاً والغيم المُكثّف بأجوائه الخماسينية يُغلّف قبة الوطن، وقفت تحت مِظلّة التين العجوز رغم انبعاث الأخضر فيها في بدائية مُحرجة من هذه القرية التي لا ترد المحبة كما يجب لأبنائها وبناتها. لكنّ التينة لم تكن وحدها، فساقها المتورّمة ضمّدها أولئك المرشحون بشعاراتهم وصورهم، وقفت أنتظر تفسيراً من تلك الشعارات لماذا تلتصق عنوة بتينة أكثر ما يسعدها في هذه اللحظات أن تمتص أشعة الشمس الخجولة التي تخرج بين الحين والحين من بين الغيم المُكثّف. لا أحد في المكان يجيب والصور كما الحقيقة لا تملك أجوبة شافية أو حلول سحرية كالعادة لكنها تُصرّ كلّما هبّت البلاد تريد مجالس محلية جديدة بٌغية التباهي بديمقراطية نستحقها وللإنتهاء من مجلس مُصاب بالتصنّم أو أملا في خلق منافسة تستهدي حقاً نحو تقديم خدمات يحتاجها أهل القرية وممر بيتي الترابي المُناط بحواف شوكية.

انتظرت هناك مركبة تُقلّني إلى المدينة لأكثر من ساعة؛ وخلال هذه الساعة انضمّ إليّ آخرون وأخريات الذين انسكبوا في شاشات هواتفهم النقّالة منهم من يتصل بإحدى السائقين ليفحص مدة الانتظار ومنهم من تابع أخباراً هناك في كوكب المريخ وامكانية الحياة عليه. تناولت قلم رصاص من حقيبتي وكتبت على إحدى الصور الكاتمة على ساق التينة "لا تدع صورتك تبهت هنا كما فعل الآخرون"، ضحك أحد المنتظرين وقال: هذا فلان يُرشح نفسه للمرة الثالثة وأظنه مستقلاً.

أومأت برأسي بالايجاب فأنا أحفظ القرية عن بكرة أبيها، أشجارها الصامدة والمتخاذلة أشجارها اليافعة والهرمة، حجارتها الجوفاء والصلبة فبعد انتهاء موسم الانتخابات عادة ما يضرب القرية اعصار قوي، وتتجمع السيول لتجرّ معها الأخضر واليابس فلا يبقى في الوادي إلا حجارته الصلبة وأشجاره الصامدة.

دار الحوار في تلك اللحظة كما أشعل النار تحت اقدام أولئك المنتظرين، ليسعف إيماءتي رد آخر: لماذا لم ترشحي نفسك يا صبية، ألا تهللين دوماً بمسألة حقوق المرأة وتصدعينا بهذا الحديث؟

وهل يا سيدي تراني أحب أن أسبب لك الصداع كلّما وقفت تحت هذه التينة تراقب صورتي؟ أنا أساند أي امرأة لها علم بما هي مُقبلة عليه في قوائم كهذه. فمثلاً المهندسة اسراء أجزم أنها أقدر من علي الذي لا يعلم شيئاً حول البنية التحتية، مثلاً الأستاذة زكية تدرك الخدمات التي تحتاجها مدارس القرية أكثر من سليمان الذي أنهى ابتدائيته بصعوبة، أضف إلى ذلك لائحة لا تنتهي في قريتنا الصغير من النساء اللواتي حققن انجازات فريدة ومنفردة بحكم المامهن بحاجات القرية أكثر من أي فرد آخر. وقبل أن أقفل حديثي؛ تدخلت امرأة تراوح في عقدها الخامس وهي تعدّل هيأتها وتدس هاتفها النقّال في حقيبتها، شبكت أصابعها العشرة على خصرها وقالت:

يا ابنتي هذا العمل للرجال؛ لماذا تتدخل النساء بهذه الأعمال يكفيها أن تهتم بمنزلها والأولاد..

ضحكت من وقع ما سمعت؛ يا خالة؛ هل قمتي بسقاية مزروعاتك هذا الصباح أو غسلت الملابس أو شطفت ساحة الدار؟

ردت باستغراب؛ لا.. وما دخل ما أقوله بكلامك؟

لأننا يا خالة منذ أعوام نعاني نقصان الماء صيفاً وشتاءً ولم نتلق أي حل يأتي به المجلس القروي بحجة حصة الماء القلية التي تخصص للقرية، فتلاحظين أن حاجتك الماسة للماء التي هي أساس الحياة لا يعاني منها آخرون في قريتك لأنهم يسارعون قبلك لملأ آبارهم فتنتهي حصة الماء عند أبوابهم بسبب عدم توفير مضخات أو أي حلول من شأنها أن تجعلك تخرجين هذا الصباح كمواطنة هنا وأنت مُطمئنة على الأقل على مزروعاتك التي يتسرب إلى عروقها الجفاف.

قصفتني بإشارة في وجهها تشي بعدم ادراكها لما أسلفت.

وأردفت قائلة؛ لو كانت المُرشحة امرأة هل كانت ستلتفت أكثر لهذه النقطة، بالطبع نعم لأن سيدة البيت هي من يقع عليها توفير حتى الماء في بيتها لأولادها..

أضيفي إلى ذلك الكثير من النقاط كالنفايات الصلبة والمواصلات العامة وووو التي تغربل سعادتك في هذه القرية ليصل لك القليل منها، فمثلاً لو كنت أنت المُرشحة هل كنت ستفكرين بحلول لتعبيد الشوارع جميعها، أو توفير مواصلات آمنة لبناتك ليصلن إلى مدارسهن وجامعاتهن في أي وقت، هل كنت ستسكتين على تلة النفايات في زقاق القرية بحجة أن مركبة جمع النفايات لا تستطيع أن تصلها، هل كنت سترضين الآن بمسح حذائك فقط من مياه المجارير التي لا حل لها كما يزعم المجلس الحالي، لا أظنك ستفعلين لأنك ستلتفتين لهذه المآسي التي يسكت عنها الجميع.

تحت التينة المِظلّة يقرفص رجل تسعيني فلم تعد قدماه قادرتان على حمله فقد طال وقوفه بانتظار المركبة قائلاً؛ أنت تفصلين مشاكلنا يا ابنتي..

نعم يا جدّي؛ اذا لم نفصّل مشاكلنا وندرسها ونراعي حاجة المواطنين بل ونشركهم بايجاد حلول كيف لنا أن ننتهي من هذه المشاكل، فقد يكون أسوأ ما أتمناه أن أرى رجلاً مثلك يتخذ من عقبيه حاملاً اذا لم تحمله الحلول بسرعة انتقاله إلى أي مكان يريده، فماذا يعني أن تتعرض لهذا التعب مثلاً للوصول إلى المدينة لتحصل على علاج أو رعاية صحية.. هل مجلسنا عاجز أيضاً أن يتابع مع وزارة الصحة على تفعيل دور المركز الصحي لدينا أو يطالب بحقوق من هذا الشكل؟

بالمناسبة؛ أنا لا أقصد بتفصيل مشاكلنا مواءمتها فقط لقدرة النساء في القرية، بالطبع هناك رجال أكفاء أيضاً لكنّ التوازن يعني تواجد نساء ورجال أكفاء في هذه القرية يحيّدون مصالحهم الشخصية للنهوض بنا وبالقرية.

قطع انتظارنا الطويل والمتعب بوق مركبة قادمة يطلقه السائق عند مفارق الطرق تنبيهاً للمشاة لعدم وضوح الرؤيا في الشارع ولعدم وجود اشارات مرور، حتى انجلى أمامنا وتوقف تماماً.

صعدنا إلى المركبة وعددنا اثنا عشر فرداً والمركبة تتسع فقط لسبعة أشخاص، ومن الطبيعي أن تقبل كما يراه سكان القرية بهذا الأمر وحصل أن اعترضت على هذه القاعدة المتفق عليه بتواطؤ وكان رد السائق إذا لم يعجبك لا تصعدي إلى مركبتي انتظري حتى انتهاء النهار مكانك. لا ضير أن تتعرض للابتزاز في راحتك طالما تفاصيل المشكلة لا تهم العامة هنا. فإذا كنت تصفق بيد واحدة فلن ينتبه لك أحد.

أخلينا موقعنا ونزفت عيني نظرات لتلك المِظلّة التينة التي سرعان ما سالت على زجاج المركبة الملطخ بالغبار الخماسيني، لكني سمعت التينة تطلق صوت بوقها في رأسي قائلة؛ مهلاً هذه الصور والشعارات تخنق ما تبقّى من ساقي..