"التكييش".. مستفيدون مؤقتون وخاسرون دائمون!

حياة وسوق- مازن بغدادي- اصبح ما يعرف بـ "التكييش" شبه ظاهرة تؤرق وتقض مضاجع الكثيرين ممن تورطوا بنار هذه المشكلة محتارين في ايجاد الطرق والوسائل للخروج من المأزق، بات لزاما على السلطة الوطنية سن قوانين رادعة للقضاء على هذه الظاهرة ووقف تداعياتها السلبية المتعددة والتي طالت أو تكاد تطال كثيرا من مفاصل حياتنا.
و"التكييش" فعل ليس بالجديد على مجتمعنا بشكل عام لكن ان يتحول الى ظاهرة لها تبعاتها السلبية الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء هنا تكمن المشكلة.
وحسب كثيرين، فان ظاهرة التكييش (بيع السلع بأقل من ثمنها بنسب تتراوح من الثلث حتى النصف، من أجل الحصول على سيولة نقدية فورية، واجراء عمليات الشراء والتي تكون عادة مبالغ جدا في سعر التكلفة فيها للسلع) وبالتالي فجوة بين سعر السلع الحقيقي وبين قيمتها الوهمية الجديدة.
يقول الباحث عبد الحافظ زيد، ان هذه الطريقة (التكييش) وحسب علم الاقتصاد البسيط، تعمل على خلق فجوة (فقاعة) للاقتصاد بمعنى الوهم، باختصار بيع الأصول والسلع والمنتجات بسعر أكبر من قيمتها الأصلية وظهور الاقتصاد بحجم أكبر بكثير من قدراته وقيمته الجوهرية.
وعليه هناك مستفيدون مؤقتون وخاسرون دائمون، فمن يعمل على بيع سلعة بأقل من سعرها السوقي المعروف، للحصول على مال سريع للاستثمار، في حين انه اشتراها بأعلى من قيمتها الحقيقية، لا يدرك انه في كل عملية تكييش يعمل على توسيع الهوة الاقتصادية للسلع، وتعزيز للخسارة لا للربح.
ويضيف زيد: غالبية (من يقومون بالتكييش) لا يقومون بحساب عامل الوقت في الاستثمار، فيضيع وقتهم في التكييش والشراء بقيم عالية، والبيع بقيم منخفضة حتى يحين موعد سداد شيكاتهم الآجلة - والتي عادة ما يقومون بعملياتهم الاستثمارية بها للحصول على المال السريع - ولا يستطيعون سدادها فينتهي بهم المطاف إما في السجون أو الهروب خارج البلاد.
ويقول مؤيد عفانة استاذ الاقتصاد في جامعة القدس المفتوحة انه وحسب تقرير سلطة النقد، فإن إجمالي ودائع عملاء البنوك العاملة في فلسطين بلغ حتى نهاية العام الماضي (2016)، 10.595 مليار دولار أميركي موزعة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وبلغ إجمالي قيمة ودائع عملاء البنوك في الضفة الغربية 9.493 مليار دولار أميركي، بينما بلغت قيمة الودائع في قطاع غزة 1.102 مليار دولار، وبلغت ودائع محافظة قلقيلية 174.5 مليون دولار في حين بلغ إجمالي القروض البنكية التي حصل عليها عملاء البنوك العاملة في فلسطين، حتى نهاية العام 2016 (6.405) مليار دولار أميركي موزعة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وبلغ إجمالي قيمة القروض البنكية التي حصل عليها عملاء البنوك في الضفة الغربية 5.551 مليار دولار أميركي، بينما بلغت قيمة القروض في قطاع غزة 854 مليون دولار، وبلغت قروض محافظة قلقيلية 78.4 مليون دولار.
وعن الآثار الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي تهدد المجتمع بسبب "التكييش" يقول عفانة: من الناحية الاقتصادية، يعمل التكييش على ضرب أسعار السلع التي يتم تداولها، من خلال اعادة بيعها بأسعار مخفضة جدا بهدف الحصول على المال النقدي، وغالبا ما تكون أقل من سعر التكلفة، ما يتسبب بأزمة اقتصادية، وخسارة كبيرة للتجار الذين يبيعون ذات السلع، اضافة الى ذلك فان "التكييش" يعمل على خلق ازمات اقتصادية وعسر مالي حقيقي للتجار الحاصلين على شيكات أو كمبيالات، بحكم انه لن يكون لها رصيد، ما سيخلق ازمات اقتصادية متدحرجة، خاصة ان سعر السلع مقابل الشيكات أو الضمانات الأخرى أعلى من قيمتها الحقيقية، وبالتالي فان مصير تلك الشيكات المحاكم والقضاء، واجراءات ستعمل على تجميد حركة تداول النقد، ما سيلقي بظلال ثقيلة على الحركة التجارية والاقتصادية.
ويضيف عفانة: كذلك فان ظاهرة "التكييش" ستعمل على فقدان الشيكات قيمتها في التداول، بسبب التحوط من قبل التجار، اضافة الى دفع سلطة النقد لإصدار تعليماتها للبنوك للتشدد في التعامل مع عملية اصدار الشيكات، والتحفظ في التعامل مع المواطنين والتجار، ما سيعقد من سلاسة العمليات التجارية، ويؤثر سلبا على الاقتصاد المحلي، والذي يعاني بالأصل من اشكالات متعددة.
اما من الناحية الاجتماعية فان ظاهرة التكييش، تضرب في نسيج المجتمع، وتنزع الثقة بين المواطنين أو بين التاجر والمواطن، اضافة الى ان تحويل القضايا للمحاكم ستخلق تبعات اجتماعية سلبية، تخلق اشكالات اجتماعية متعددة، خاصة في النسيج الاجتماعي بين المواطنين، والتي ستتأثر حتما بتلك الاشكالات.
التاجر يوسف العيلة يقول: اقتصادنا يعاني من ظواهر خطرة ليس أخطرها ما بات يعرف بالتكييش أي شراء سلعة بسعر عال بشيكات مؤجلة ثم بيعها بسعر أقل بكثير نقدا، وتحول هذا السلوك الفردي الى ظاهرة اقتصادية شكلت طبقة من "المكيشيين" الذين لا هم لهم سوى الثروة أو سداد ديون سابقة ويجمع نشاطهم المحموم بين التحايل والمقامرة والربا ثم يؤدي الى خراب البيوت والاضرار بالاقتصاد ضررا حيث بلغ مجموع التكييش مئة مليون شيقل وجدت طريقها الى جيوب حفنة من المقامرين، ولم يسهم هؤلاء في بناء مدرسة أو مستوصف يوفر على المحتاجين نفقات تعليمهم أو علاجهم.
ويضيف العيلة: "بات لدينا أثرياء فاعلون سلبا شكلوا طبقة من "القطط السمان" الذين لم يكن لديهم ثروة في الماضي ويعملون على ذبح الروح الجمعية بسكين بسبب سطوة ثروتهم، ولا احد يسألهم من أين لك هذا؟!
هل نسي هؤلاء ان تخريب اقتصادنا تبعا لغول التكييش والثروة المجانية غامضة المصدر من شأنه التعجيل بتلاشي احلامنا الوطنية؟ ألسنا أهل دين سماوي يحرم الربا ويرفض التحايل ويحارب الاستغلال؟ وهل تجاهلوا اننا اصحاب ارض مقدسة تلعن سارقيها ومقامريها والمتاجرين بها؟
مدير البحوث في دار الفتوى الدكتور ياسر حماد يقول: اليوم بتنا نشهد اشخاصا يقومون بتداول بضائع ومنها السيارات بين بعضهم بأسعار مؤجلة عن طريق الشيكات ومن ثم شراؤها عن طريق الكاش بسعر أقل الى ان تتركز الشيكات في ايدي أناس لن يكون بمقدور من اصدر هذه الشيكات سدادها حين استحقاقها لتدني دخلهم أولا أو لأن تجارتهم لا تؤهلهم لسداد قيمة هذه الشيكات فيعلنون افلاسهم فيما يقوم البعض بمحاولة الخلاص من هذه الورطة ببيع اراض يمتلكونها أو الهروب خارج الوطن ظنا منهم ان احدا لا يستطيع ملاحقتهم.
ويضيف حماد: ان البيع والشراء عرفت قديما منها ما كان يعرف ببيع التورق وبيع العينه حيث اباح جمهور العلماء بيع التورق الذي هو ان يقوم شخص ما بشراء سلعة لفترة زمنية ثم يبيعها لغير البائع الأول بأقل مما اشتراها ليحصل على النقد لحاجته للمال أو لحل مشكلة ما تواجهه.
ويضيف حماد: لكن ثمة ضوابط يفترض توفرها لبيع التورق وهي ألا يبيع الشخص المشتري البضاعة لنفس البائع الأول وان تكون البضاعة متعينة أي موجودة ويملكها البائع وألا يبيع السلعة قبل حيازتها، اما بيع العينة فيختلف عن بيع التورق لأن الفساد يظهر في بيع العينة بظهور الفساد بين البائع والمشتري لأنه يشتري سلعة بثمن مؤجل ويبيعها للتاجر نفسه بثمن معجل بأقل مما اشترى به.
ويقول المواطن رائد وهو شقيق أحد الذين امتهنوا تجارة السيارات واصبح يتعامل بالتكييش: لم أكن اعلم ان شقيقي يتاجر بالسيارات ويتعامل بالتكييش الا حينما ذهب لإنجاز معاملة أحد زبائنه عند الشرطة كونه يعمل في مهنة المحاماة، لكن تم حجزه هو ايضا لوجود كمبيالة بمبلغ 10 آلاف شيقل لم يسددها في موعدها، فاتصل بي واخبرني بالموضوع طالبا مني ان اذهب لصاحب الكمبيالة والذي هو ايضا تاجر سيارات، فذهبت لأجد ان لديه مجموعة من الكمبيالات تفوق في مجموعها المبالغ المطلوبة بشكل حقيقي وبعد نقاش طويل طلبت منه ان نذهب لنسوي الأمر عند الشرطة فرفض وقال: لا اريد الا سجنه. ودفعت الكمبيالة واخرجت شقيقي على امل ان نتمكن انا واشقائي من حل الموضوع وتعهدت بدفع المبالغ وتقسيطها في المحكمة وكنت اتوقع انني قادر على سدادها لكن سوء الوضع الاقتصادي لم يسعفني من الالتزام بالسداد ليقوم بعض اصحاب الديون برفع قضية ضدي ووصل الأمر بسجني.
ويضيف رائد: بدأت أنا واشقائي بالتفكر في كيفية حل مشكلة شقيقنا، فقمنا ببيع قطعتي ارض وثلاث سيارات خاصة بنا وبدأنا التسديد، لكن المفارقة والصدمة كانت حينما ذهبنا لأحد الأشخاص أصحاب الديون للتفاهم حول سداد ديونه فوجدنا انه يمتلك كمبيالات بمبلغ 2,5 مليون شيقل رغم ان حقيقة الديون هي 1,5 مليون شيقل فوجدنا انفسنا في حالة عجز كامل ولم نعرف كيف نتصرف بعد اصراره على المليونين ونصف المليون شيقل فما كان من شقيقي المحامي المديون الا ان هرب الى الأردن على أمل ان تتمكن من عمل شيء وحل المشكلة.
ودعا رائد وزارة الاقتصاد الوطني وسلطة النقد والجهات الضريبية لأخذ دورها وتكثيف مراقبتها على هذه الفئة من التجار الذين أصبحوا يعرفون بـ "المكيشين". وأضاف رائد: لماذا لا تقوم الجهات الرسمية ولجان الاصلاح والشخصيات الاعتبارية بدعوة هؤلاء المكيشين الذين هم في غالبيتهم معرفون للقاء او اجتماع لمعرفة حقيقة تجارتهم ومعاملاتهم لإيجاد الحلول السريعة والناجعة حتى لا تتفاقم المشكلة وتتعمق ويصبح حلها مستحيلا بعد ان تطال الحياة الاجتماعية التي ستصل الى بيوت عائلات عدة.
مواضيع ذات صلة
الإحصاء: ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة والضفة خلال 2025
الإحصاء: الرقم القياسي لأسعار المنتج يسجل ارتفاعا حادا
ارتفاع أسعار النفط مع تعثر إنهاء الحرب وإغلاق مضيق هرمز
الذهب ينخفض مع ارتفاع الدولار وزيادة مخاوف التضخم
الذهب يتجه لتسجيل خسارة أسبوعية
أسعار صرف العملات