من أجل مكان على الأرض لا من أجل متر في الجنّة
محمد علي طه

ما جئت إليكم، إلى أقصى الكرة الأرضيّة لأفخر أمامكم ببطولات أبي زيد لأنّ قصيدة الفخر الأخيرة ذبُلَت على باب المغاربة في سور القدس القديمة مثلما تذبل نبتة الحبق في حاكورة البيت بعدما سرقوا ماءها وتعامى ذوو القربى من العرب العاربة والعرب المتأمركة عمّا جرى لها، فانا لست شابًّا تغرّب ولا شيخًا مات مجايلوه. أنا الفلسطينيّ الواقف أمامكم قرويّ وابن فلّاح ما زال يفطر الخبز والزّيت والزّعتر، واللّبنة والمُقرة، ويأكل البصل الأخضر مع صحن المجدّرة، ويحرس فلسطينيّته ويغذّيها.
وما جئت إليكم لأنكأ جراحًا في الرّوح وأرشّ عليها ملحًا وفلفلًا أسمر، وأهيج الحنين إلى ملاعب الطّفولة ودرب العين ورائحة الخبز البلديّ وأنين شبّابة الرّاعي على الهضاب الخضراء، وصباح الخير يا جارتنا أمّ محمود أو يا جارتنا أمّ حنّا تفضّلي نشرب القهوة المهيّلة معًا في ساحة الدّار لأنّني أؤمن بأنّ رسالتكم هنا في هذا البلد وأمثاله لخدمة قضيّتنا لا تقلّ أهميّة عن رسالتنا وما عليكم إلّا الإندماج والتّأثير في المجتمع الذي تعيشون فيه.
وما جئت إليكم لأبيعكم أحزانًا متراكمة وخيباتٍ متتالية أورثنا إيّاها سلاطين سايس بيكو وموالي ترامب – بوتين فأنا عدوّ للحزن ووائد للخيبات ونافر من السّلاطين. لا خيل عندي ولا مال لأقدّمه لكم ولم أحمل معي حفنة تراب فلسطينيّ هدية لكم لأنّ التّراب الفلسطينيّ يصرّ أن يبقى مكانه. وأنا ومعذرة من كلمة انا لعينة الوالدين وما يفوح منها من أنانية أملك حاكورة صغيرة من عشرات الأمتار، هذا ما بقي لي، فيها ليمونة يتضوّع عطرها صباح مساء في هذا الشّهر وفيها شجرة لوز تبتسم أزهارها البيضاء حينما تودّع الشّتاء بدموع الخير، وفيها زعتر أخضر ونعنع وفلفل حرّاقي ومردقوش للكبّة النّيّة وتحرسها زيتونة روميّة. وأملك أيضًا قلمًا ولد من رحم النّكبة وقفته على خدمة شعبي ووطني وإنسانيّتي أحارب فيه التّخلف العربيّ والاحتلال والاضطهاد والتّمييز والطّائفيّة.
ما زلنا نخوض معركة البقاء
بقينا منغرسين في الوطن على الرّغم من عاصفة النّكبة وهول الهزيمة، ويكون بقاؤنا في الوطن خطأ تاريخيًّا كما وصفه أحد زعماء إسرائيل، وأظنّه دافيد بن غوريون فحاول هو ومن جاء بعد أن يصحّح هذا الخطأ إلّا أنّنا خضنا معركة البقاء والصّمود بعزيمة قويّة وبحبّنا للوطن وللأرض، وبعشقنا للتّوتة والتّينة والكرمة والزّيتونة، وقلنا: إمّا عليها وإمّا فيها.
مازالت عقليّة التّرانسفير في عقول قادة إسرائيل راسخة وعبّر عنها بوضوح عيزر فايتسمان الذي اقترح طرد المسلمين إلى الأردنّ والنّصارى إلى لبنان والدّروز إلى سوريا، فهتفنا: يا عيزر ويا شارون هذا وطنّا واحنا هون، وعبّر عنها رفائيل إيتان الذي وصفنا بصراصير مسمّمة في زجاجة، كما عبّر عنها الحاخام الأكبر عوفاديا يوسيف الذي وصفنا بالأفاعي والعقارب التّي يجب إبادتها، وعبّر عنها ليبرمان الذي يرغب بأن يتخلّص من أمّ الفحم ووادي عارة ويهدّد بضرب السّدّ العالي.
ومازلنا منذ 69 عامًا نخوض معركة البقاء بشجاعة وبتصميم على النّصر ومازالوا يحلمون بجليل خالٍ من العرب وبمثلّث خالٍ من حرف الضّادّ وبنقبٍ خالٍ من الكوفيّة والعقال، ومازلنا وسنبقى في وطننا الصّغير الجميل صامدين.
فرضوا علينا الحكم العسكريّ وما انحنت قاماتنا ثمّ فرضوا علينا حكم المخابرات ورجالات الماباي وحوّلوا مدننا وقرانا إلى غيتوات وصمدنا وما طأطأنا رؤوسنا. وصادروا جوامعنا وكنائسنا وأوقافنا في عشرة مدن وخمسمائة قرية مهجّرة وبقينا منغرسين في الوطن مثل سنديان الجرمق. حاولوا خنق الحرف العربيّ وطلبوا منّا أن نكتب العربيّة بأحرف عبريّة فأنتجنا أدبًا راقيًا، شعرا ونثرًا ومسرحًا وأغاني.
أكلنا المرّار وشوك الصّبّار والزّجاج وصمدنا.
كنّا 150 ألف نسمة فصرنا مليون وخمسمائة ألف مستحيل في اللد والرّملة والنّاصرة وأمّ الفحم وسخنين وشفاعرو وطمرة وراهط وحيفا وعكّا والنّقب والجليل.
واجترحنا بدم الشّهداء يوم الأرض
حينما زار دافيد بن غوريون مدينة صفد في الخمسينات من القرن الماضي وشاهد القرى العربيّة في الجليل تساءل: هل أنا في إسرائيل أم أنا في سوريا؟ وعندئذ وضعت حكومة إسرائيل خطّة لتهويد الجليل فصادروا الأراضي وبنوا المناطر والمستوطنات وحاصروا المدن والقرى العربيّة وجاءوا بالقادمين الجدد من روسيا وأثيوبيا والغرب ولكنّ الجليل بقي عربيًّا في أهله وأشجاره ونباتاته، بقي عربيًّا بتينه وبزيتونه وبلوزه وبصبّاره وبزعتره وبعكّوبه. مازلنا الأكثريّة في الجليل. نحن 52 بالمائة من السّكان وبصلة بلديّة في عين الحسود.
صادروا أراضي الملّ فاجترحنا بدم شهدائنا يوم الأرض الذي صارت الأمّة العربيّة كلّها تحتفل به، واستطعنا أن نستعيد أراضي الملّ، ونحن نخوض اليوم معركة نضاليّة لإستعادة أراضينا المصادرة.
أقفلوا أبواب الجامعات والكليّات في وجوه طلّابنا كي نبقى حطّابين وسقاة ماء وفشلوا في ذلك.
كان في قضاء عكّا بعد العام 1948 ثلاثة أطّباء عرب، وأبشّركم أنّه قبل أيّام نجح في امتحان الدّولة في الطّب 200 طبيب عربيّ دفعة واحدة، درسوا في جامعات خارج البلاد.
بنينا المدارس الثانويّة والكليّات على الرّغم من الاضطهاد والتّمييز والميزانيّات الشّحيحة. وعندنا اليوم أفضل الأطّبّاء في البلاد ولا يوجد مستشفى من إيلات حتّى صفد بدون أطبّاء عرب مشهورين وبدون خبراء عرب مختصّين، وقال صحفيّ إسرائيليّ: إذا أضرب الصّيادلة العرب في يوم ما ستحدث هزّة بين سكّان تل أبيب ولن يجدوا من يقدّم لهم الدّواء.
في وصف حالة بلادنا
نواجه اليوم حكومة يمينيّة متطرّفة تسنّ القوانين العنصريّة قانون في قفا قانون مثل قانون النّكبة وقانون الإقصاء وقانون المؤذّن وقانون هدم البيوت وغيرها، والحالة في إسرائيل تذكّرنا بالأوضاع في دول عديدة في أوروبا والعالم في القرن الماضي. تذكّرنا بحالة ألمانيا قبل صعود النازيّة وتذكّرنا بحالة إيطاليا قبل صعود الفاشيّة كما تذكّرنا بحالة جنوب أفريقيا في زمن الإبرتهايد.
حكومة إسرائيل لا تريد سلامًا ولا تفكّر بالانسحاب من الأراضي الفلسطينيّة بل تفكّر بضمّ الأراضي إليها واختفت كلمة "سلام" من القاموس السّياسيّ والاجتماعيّ في إسرائيل وغابت كلمة "احتلال" وصارت كلمة "يسار" مسبّة. ويتفاخر قادة إسرائيل الانسانيّون جدّا بمن قتل عربًا أكثر ويتنكّرون لوجود الشّعب الفلسطينيّ.
نتنياهو رجل يمينيّ متطرّف يكره العرب علانيّة ويحرّض عليهم ويكون تقدّميًّا وانسانيًّا بالنّسبة لوزراء حكومته أمثال بنيت وليبرمان وريجف وألكين وبقيّة الشّلة.
نحن شعب يحبّ الحياة
نحن نعيش في هذه الأيّام مفارقة كبيرة فنحن الضّحيّة في وطننا، نبحث عن حلّ لمشكلتنا وعن حلّ لمشكلة الجلّاد الذي تحوّل إلى ضحيّة بسبب حقده وغبائه. إنّها مفارقة كبيرة أن تقدّم الضّحيّة المعونة الأخلاقيّة للضّمير المعذّب في الشّعب الذي يجلدنا حكّامه، مثلًا، ان نتضامن مع رافضي الخدمة العسكريّة في المناطق المحتلّة وأن نتضامن مع مؤيّدي المقاطعة ومع منظّمات إنسانيّة.
نحن نناضل من أجل حقّنا بالوجود ومن أجل أن يعتذر الآخر عمّا لحق بنا من ظلم منذ العام 1948. نناضل من أجل المحافظة على ذاكرتنا التي يحاول حكّام إسرائيل أن يمحوها أو أن يشوّشوها. نناضل لنرفع الحصار الآثم عن أهلنا في غزّة ومن أجل إنهاء الاحتلال ومن أجل المحافظة على عروبة القدّس، عروس عروبة الحكّام العرب. إنّ إنهاء الاحتلال مصلحة قوميّة ووطنيّة لشعبنا الفلسطينيّ ومصلحة لنا نحن الأقليّة المنغرسة في الوطن كي نحصل على المساواة ومصلحة لأبناء الشّعب الإسرائيليّ.
نحن نملك شهوة عارمة إلى الحريّة وإلى السّلام ونسعى كي نعيش حياة طبيعيّة، نحن نريد أن نعيش مثل البشر لا أكثر ولا أقلّ، مثل الشّعب الكنديّ والإيطاليّ والفرنسيّ وبقيّة الشّعوب. نحن شعب يحبّ الحياة والورد والنّبع والقهوة. نحن لا نريد أن نكون أبطالًا أو شهداء. نحن نناضل من أجل مكان على الأرض لا من أجل من متر في الجنّة.
وأطمئنكم بأنّ المكان في بلادنا ما زال في مكانه مع أنّهم عبرنوا اسمه. مازال الكرمل يحرس حيفا ومازال الجرمق جارًا لصفد، ومازالت البحيرة تغسل قدميّ مدينة طبريّا ومازال البحر يدغدغ كهوف رأس النّاقورة، ومازال البرقوق الأحمر في البّطّوف، ومازال العكّوب في المرج ومازال الزّعتر على جبل الكرمل وهضاب الرّوحة، ومزال حكّام إسرائيل عنصريّين أغبياء لا يريدون ان يفهموا بأنّه ليس هناك نصر نهائيّ وليست هناك هزيمة نهائيّة فالنّصر والهزيمة يتناوبان.
حالتنا الفلسطينيّة مقلقة فهذا الانقسام الذّي وصفه شمعون بيرس بأنّه أكبر انتصار لإسرائيل منذ العام 1948 ما زال يمزّق شعبنا ويضعف قوّته ويجعل استقلال شعبنا سرابًا. انّ ما يجري في غزّة يقول بانّ امارة غزّة تبحر بعيدا عن الوحدة ولن يحقّق شعبنا الاستقلال بدون انهاء الانقسام فلا دولة فلسطينيّة بدون قطاع غزّة ولا دولة في غزّة بدون القدس والضفة.
سنونوة تبشّر بقدوم الرّبيع
أنا كاتب متفائل أزرع الأمل في النفوس. لن نيأس أبدا ولن نحقّق رغبة حكّام إسرائيل بأن نيأس فعلى الرّغم من الظلام ومن الاحتلال ومن الاضطهاد ومن الابرتهايد فأن هناك أكثر من سنونوة تبشر بقدوم الرّبيع فقد شاهدت الاف المتظاهرين من أبناء الشّعب الإسرائيليّ اليهوديّ يتظاهرونفي القدس وتل أبيب ضدّ هدم البيوت العربيّة، كما شاهدت الاف النساء الاسرائيليات يتظاهرن أمام بيت نتنياهو من أجل السّلام مع الفلسطينييّن وذهب وفد منهنّ وقابل الرئيس أبا مازن في رام الله كما هناك جمعيات مثل "كاسري الصّمت" و"بتسيلم" و"تعايش" و"حقوق الانسان" وغيرها تطالب بالسّلام وتفضح ممارسات الاحتلال وهناك ادباء ومفكرّون وأكّاديميّون يطالبون دائما بإنهاء الاحتلال، وشاركت قبل أشهر في مهرجان ثقافيّ في تل أبيب لمناسبة عيد ميلاد الشاعر محمود درويش حضره مئات الإسرائيلييّن تحدّث فيه شعراء بارزون وقرأوا قصائد درويش. وأقول بصراحة أنّه لا نجاح لنضالنا بدون أن نكسب قوى لبراليّة من المجتمع الإسرائيليّ وهذه مهمّة صعبة وعلينا أن نعمل بجدّ لتحقيقها.
يحقّ لنا الاعتزاز
أشعر بعزّة وأنا اشاهد أبناءنا من الحراك الشّبابيّ يتصدّون لمصادرة الأراضي ويفشلون قانون برافر، وأشعر بعزّة وأنا أرى نوّابنا في البرلمان يتصدّون للقوانين العنصريّة، وأشعر بالعزّة أيضا وأنا أرى شعبنا يتصدّى لهدم البيوت في قلنسوة والعراقيب وأم الحيران وبخاصّة عندما أشاهد النّائب أيمن عودة يقف بشجاعة في المعركة ويجرح في رأسه وعينه كما أرى النائب أسامة السعدي ينقل مصابًا الى المستشفى، وأشعر بكبرياء وأنا أرى أبناء شعبنا مصمّمين على رفع الآذان فوق المساجد وفوق الكنائس أيضا، وازداد عزّة وأنا أرى صمود أهلنا في نابلس والخليل وجنين ومخيم الدّهيشة ومخيم جنين ومخيم جباليا.
بقينا في وطننا مثل صخرة حطّين وصخرة القفزة ورأس الكرمل.
بقينا في وطننا مثل السّنديان والزّيتون الرّوميّ.
بقينا في وطننا لنحرس حرف الضّادّ وكنّا وما زلنا خير حارس لهذا الحرف الجميل.
بقينا في وطننا لنرفع الاذان فوق مسجد حسن بيك في يافا والجامع الأبيض في النّاصرة وجامع الجزّار في عكّا.
بقينا في وطننا لندقّ أجراس كنيسة البشارة في النّاصرة وكنيسة الارثوذكس في يافا وكنيسة اللاتين في حيفا.
بقينا في الوطن كي يبقى فلّاح فلسطينيّ في مرج ابن عامر يحرث ويزرع ويحصد ويغنّي:
شمالي يا هوا الدّيره شمالي
علّي تركونا وراحوا شمالي
ثمّ يقسم أن يفرش درب عودة الذّين راحوا شمالي برموش عينيه.
بقينا في الوطن لتبقى امرأة فلسطينيّة تجمع الخضار والبقول من سهل البطوف وتغنّي "جفرا ويا هالرّبع بين البساتين" و"يا ظريف الطّول" و"حيّد عن الجيش".
بقينا في الوطن شوكة صبّار في حلق بنيت لا شوكة قندول في قفاه.
بقينا في الوطن لنحاور الاخر ونقنع الاخر بعدالة قضيّة شعبنا بعيدين عن التّقوقع وعن الشّعارات الكاذبة فنحن نعرف لغة الاخر وثقافته ونقدّر على محاورته.
والأهمّ من كل هذا: بقينا في الوطن كي نقول لأهلنا العائدين: يا هلا، يا هلا، يا هلا، الوطن بدونكو ما بسوى شي.
والسّلام عليكم.
----------
*نصّ الكلمة التّي ألقاها الكاتب في الاحتفال الرّائع الذّي حضره سبعمائة شخص في مدينة مسسيساغا في كندا بدعوة من البيت الفلسطينيّ ورئيسه فضلو ميخائيل. في 15 نيسان 2017. وتحدّث فيه أيضًا النّائب د. أحمد الطّيبيّ.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين