عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 25 نيسان 2017

عندما يختفون ستختفي الكارثة معهم

هآرتس - بقلم: يونتان انغلندر

عندما كنت ولدا صغيرا كان من المعتاد القول إنه بعد قليل لن يبق أي شهود يتحدثون عما حدث في الكارثة. وقد مر عقدين. الكثير من الناجين ما زالوا معنا، لكن القول ما زال على حاله: عما قريب سيختفون. من المعروف أنه لا يمكن هزم الوقت، لكني أفهم بأثر رجعي أن التعاطي على مدى سنوات مع موضوع التخليد، والتعاطي مع الناجين كمن سيموتون في المستقبل وليس كمن يعيشون اليوم، هو المرحلة الاولى في نقل الكارثة من المستوى الفعلي الى المستوى المجرد، ومن التاريخي الى السياسي.

الشهادة من "مصدر أول" تشكل جسرا مباشرا حول الحدث نفسه. وهي تشمل قوة الفظاعة التي لا يمكن استيعابها، مثلما عاشها الاشخاص أنفسهم. الشهادة لا تحتاج الى "يد واسم" أو خطاب الرئيس في يوم الكراهية كي نعرف كيفية التعاطي معها. أما بعد ذهاب الناجي الاخير وصمت الشهادة الاخيرة، فان عملية التخليد ستكون بالواسطة من قبل المدرسة والمتحف ومواقع الذكرى ورؤساء الحكومة والكتب التعليمية. أي أن كل ما سيبقى لنا هو التحليل.

"كيف سنتذكر الكارثة بعد موت الشاهد الاخير"، اسألوا الصف في المدرسة. السؤال مطلوب من اجل الكشف عن صعوبة تقنية. "بأي أدوات يمكن تخليد الكارثة بشكل مثالي مع غياب الشهادة الحية؟ كيف نضمن عدم نسيان الفظاعة؟".

الامر الذي يجب أن يقلق المسؤولون عن التعليم في اسرائيل ليس شطب ذكرى الكارثة، بل استغلال هذه الذكرى لاسباب سياسية، وتشويه الدروس التي يجب أن نتعلمها منها. والسؤال هو ليس بأي وسائل يجب علينا التذكر، بل بأي طريقة نريد أن نتذكر. وسيكون أول من يعانون من تسييس الكارثة هم الناجون منها. موضوع مخصصاتهم وحجمها لم تعد منذ زمن مرتبطة بهذا الموقف القيمي أو ذاك، الذي قررت الدولة اتخاذه مع هؤلاء الاشخاص، بل خضعت لاعتبارات الفائدة في الميزانية والعلاقات العامة والبيروقراطية. الناجون من الكارثة مرتبطون بالموظفين للحصول على مبلغ صغير، وبالمسافة النسبية للانتخابات القادمة – مكانتهم تشبه خطة الاستثمار في المحيط، أو خط جديد للقطار في موديعين.

نفتالي بينيت كتب في صفحته في تويتر في الاسبوع الماضي أنه سيذهب في يوم الكارثة الى بولندا للمشاركة في مسيرة الحياة. "هذه مسيرة ضرورية لتخليد ذكرى كارثة شعبنا". وتوجد ايضا صورة. وفي تغريدة اخرى مليئة بالأهمية الذاتية نجح بينيت في التعبير عن الاخطار التي تنتظرنا في عالم ما بعد الشهادات. يوم الكارثة سيحل في هذه السنة في يوم الاثنين، أما التغريدة فقد ظهرت يوم الاربعاء الماضي، تغريدة كبيرة في الفيس بوك جاءت يوم الاثنين. هل يعتقد وزير التعليم أن صورته في اوشفيتس قبل يوم الكارثة والبطولة باسبوع ستساهم في التخليد؟ هل يعتقد بينيت أن بضعة اسطر عن موت الاولاد في افران الغاز، مثلما كتب في الفيس بوك، هو الذي سيحافظ على ذكرى الكارثة لدينا؟ أم أنه اعتقد أنه سيحصل على عدة نقاط قبل باقي السياسيين؟

لا حاجة الى الحديث فقط عن بينيت. الجهاز السياسي في اسرائيل يستخدم الكارثة بشكل يومي تقريبا. الكارثة من اجل التشجيع على التجند، الكارثة من اجل الدفاع أمام ايران، الكارثة من اجل استيعاب اللاجئين من اريتيريا، الكارثة من اجل شراء الطائرات والغواصات، الكارثة من اجل الاحتلال ومن اجل انهاء الاحتلال.

في ظل هذا الوضع شكل الناجون شبكة أمان. هم الشهادة على أن الكارثة ما زالت تعيش بيننا، وأنها حدثت الآن، بمعايير تاريخية. وقد اهتموا بأن لا ننسى حقيقة الكارثة فعليا، وعندما سيختفون ستختفي معهم – من شيء حدث ستتحول الى شيء حدث ذات مرة، مثل الحرب الاهلية الامريكية أو الثورة الفرنسية. يجب أن يجري المجتمع الاسرائيلي نقاشا حول الطريقة التي يريد التحدث بها عن الكارثة. هذا النقاش يجب أن يتم الآن كي يستطيع من كانوا هناك من إسماع رأيهم.