عاجل

الرئيسية » اقتصاد » مقالات و آراء » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 16 نيسان 2017

كوريا الجنوبية الدولة الأولى في العالم في الابتكار وفق مؤشر بلومبرج - كيف حصلت هذه المعجزة؟

د. أمجد غانم *

يشكّل الابتكار أحد الضرورات الأساسية لإدارة المؤسسات كافة سواءً الحكومية أو الأهلية أو الشركات وهو سرّ استمرار ونمو المؤسسات في ظل التغيرات المتسارعة الناتجة عن طموح الانسان وحاجته للتطوّر والارتقاء وهو سمة مميزة وثابتة لدى البشر على اختلاف اجناسهم والوانهم. ويعتمد التطور لدى شعب أو دولة على قدرة الدولة بمؤسساتها العامة والخاصة على التجديد والابتكار، ومن هنا تبرز أهمية الابتكار لتتمكّن الدول من المواكبة والنمو والنجاح في ظل البيئات الديناميكية والمتغيرات المعقدة، فالدولة وان كانت ذات موارد محدودة فإن الابتكار يفتح لها ابواب التفوق والمنافسة بتقديم القيمة المضافة العالية من خلال تحويل الفكْر والأفكار الجديدة الى خدمات ومنتجات وسلع وبالتالي تحقيق النمو والازدهار للمؤسسات والمجتمع والدولة – هذا هو اقتصاد المعرفة. 
فبالإضافة الى ما يحدثه الابتكار من ثورات في انتاج وتقديم منتجات وخدمات جديدة تغير أنماط الحياة، فإنه يؤدي بالحد الأدنى الى رفع الإنتاجية وتقليل التكاليف وتحسين الجودة وتحقيق الرضا لكل المعنيين والى الفخر والاعتزاز بالدولة وأدائها العالي. إذن فالابتكار لم يعد رفاهية بل ضرورة للحياة وجسراً لعبور المستقبل، وبدونه تدخل المجتمعات تدريجياً في حالة من الترهّل والتقهقر والشيخوخة وربما الاندثار، بمعنى فقدان القدرة على التطور والتأثير في الحاضر والمستقبل مما يؤدي الى التبعية والاعتماد على الاخرين. وهذا ما أكد عليه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في أحد مقالاته في فبراير 2015 بقوله "الابتكار هو أن تكون أو لا تكون: أنا حكومة مبتكرة، إذن أنا حكومة موجودة".
إن ما سبق ذكره حول الابتكار كضرورة ملحة نستطيع أن نراه في تجربة كوريا الجنوبية التي استطاعت خلال 3 عقود أن تصبح قوة اقتصادية عالمية تحتل الترتيب 15 عالمياً في حجم الناتج المحلي عام 2015 وفق تقرير البنك الدولي، وأن تتربع حالياً على قمة الابتكار العالمي، وتتحول من بلدٍ كان يعيش على المساعدات إلى بلد أصبح يمنح المساعدات.
جاء في تقرير مؤسسة بلومبرج الاميركية Bloomberg (bloomberg.com) الصادر في شهر يناير 2017 والخاص بدراسة وتحليل مستويات الابتكار للدول ان كوريا الجنوبية سجّلت الرقم الأول عالمياً في مجال الابتكار - كما يوضح جدول ترتيب الدول أدناه (للأعوام 2016 و2017)، حيث يعتمد مؤشر بلومبرج للابتكار على مجموعة مدخلات لتحديد مستوى الابتكار وهي: غزارة البحث العلمي، القيمة المضافة للتصنيع، الإنتاجية، غزارة انتاج التكنولوجيا، مؤشر التعليم الجامعي للقوى العاملة، وكثافة الباحثين، وبراءات الاختراعات.
بدايةً، كمقدمة تاريخية موجزة، فقد خضعت كوريا الجنوبية في عام 1910 للاستعمار الياباني الذي استمر36 سنة، ونالت استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية 1945 وبعد ذلك أصبحت شبه الجزيرة الكورية مسرحاً للصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي، حيث تم تقسيم كوريا إلى دولتين: واحدة في الشمال خاضعة للقوات السوفييتية، وأخرى في الجنوب تابعة للاستعمار الأميركي، وبحلول منتصف عام 1949 انسحبت القوات الأميركية والسوفييتية. خلال هذه الفترة كانت كوريا الجنوبية تعاني من دمار اقتصادي وفوضى سياسية حيث لم يكن دخل الفرد فيها يتعدى 80 دولاراً في السنة، وكانت تعيش في مرحلة ضعف، وكان يعتبر اقتصاد كوريا الجنوبية أضعف من اقتصاديات الدول الأفريقية.
إذن ما الذي حصل وكيف تمكنت كوريا الجنوبية من الجلوس على قمة الابتكار في العالم وفق بلومبرج؟؟
كان من أهم العوامل التي مكّنت كوريا الجنوبية من النهوض هو الاستفادة من التجارب التي مرت بها بداية من الاحتلال الياباني لها، حيث إن الوجود الياباني على أراضي كوريا الجنوبية على مدى 35 عاما هيأ فرصة التواصل مع إدارة متطورة وفق معايير العصر آنذاك والاحتكاك بمظاهر التقدم الصناعي، ووجودها بالقرب من اليابان والصين وتوفرها على واجهتين بحريتين جعلها تنفتح على العالم الخارجي وتفتح الباب أمام الأفكار والاستثمارات وتبادلها بينهم، واستيراد وتكييف التكنولوجيا الأجنبية بينما عملت في الوقت نفسه على تعزيز قدرتها التكنولوجية الأصلية من خلال استفادتها من مشاريع المساعدات الأميركية التي جاءت بعد الحرب.
العامل البشري في كوريا الجنوبية كان أهم وصفة للنجاح وتحقيق التنمية، حيث لعبت اليد العاملة الماهرة الكورية دوراً حاسماً في إنجاح التجربة الكورية، ففي ظل افتقارها للموارد الطبيعية وضيق المساحة الجغرافية وشُح رأس المال، راهنت القيادة الكورية على رأس المال البشري كمورد للتنمية. فاستثمرت بسخاء كبير في التعليم ومدارس التأهيل المهني لتطوير إنتاجية عمالها وتحسين مهاراتهم لمواكبة التطورات التكنولوجية التي رافقت عمليات التصنيع السريع. حيث ارتفعت نسبة الإنفاق على التعليم من 2.5% سنة 1951 لتصل إلى أكثر من 23% من الميزانية بحلول الثمانينيات وكان ذلك ضرورياً لإنشاء البنية التحتية التعليمية في البلاد، فهي أولت التدريب والتأهيل المهني اهتمامًا كبيراً مع التركيز على العلوم والتكنولوجيا، وبلغ عدد الطلبة الذين يتابعون دراساتهم في الشعب التقنية والعلمية حوالي 70% من مجموع الطلبة سنة 1980. إن تركيز الدولة الكورية على التعليم في كافة مراحله وسعيها الدائم إلى تحسين مستوى التعليم وتطويره كان من أسباب النهضة الاقتصادية وتحقيق التنمية المستدامة فيها، حيث ان كوريا حققت الترتيب العالمي رقم 3 في الانفاق على التعليم وفق تقرير منظمة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الـ OECD (Education at Glance 2014: OCED Indicators) بواقع 16% من الموازنة الحكومية.
ولم يتوقف الأمر على التعليم فقط بل تم التركيز على والاهتمام بالبحث العلمي باعتباره المدخل الأول لإنتاج المعرفة القابلة للتحويل الى منتجات وخدمات تزيد الدخل القومي وتحقق رفاهية المجتمع وتضمن تفوقه وتقدمه على الاخرين. فقد احتلت كوريا وفق مؤشرات بلومبرج الرقم الأول عالمياً في مؤشرات غزارة البحث العلمي، وبراءات الاختراع والقيمة المضافة للتصنيع وهذه كلها تعتمد على الأبحاث العلمية. فالبحث العلمي هو الوسيلة الحيوية التي تنتج المعرفة العملية التطبيقية وتحرك عجلة النمو الاقتصادي، وهو ما جعل كوريا الجنوبية تولي البحث العلمي كل هذا الاهتمام وتسخر له إمكانات كبيرة وكل ما يحتاجه من متطلبات وتشجع القطاع الخاص للاستثمار في البحث العلمي. فأنشأت العديد من المكاتب والهيئات لتنسيق البحوث، وأنفق كل من القطاع الخاص والعام موارد مالية ضخمة لردم الهوة التي كانت تفصل كوريا عن الدول المتقدمة، ثم أصبحت تنفق الآن لتطوير تكنولوجيا جديدة وتحقيق المزيد من التقدم خصوصًا في مجالات تقنية المعلومات والتقنيات الدقيقة (النانو)، للحفاظ على مكانتها كقوة تكنولوجية حيث حققت المرتبة الرابعة عالمياً في مجال كثافة التكنولوجيا.
هذه الجهود المتواصلة أدت الى تراكم وتنوع الإنتاج من الكترونيات، واتصالات، وسيارات ومعدات ثقيلة واحتلت كوريا مراتب متقدمة عالمياً ويدل على ذلك التطور والتقدم والتنوع وتعدد المراكز البحثية والأقطاب الصناعية وتشغيل عدد كبير من العلماء والأيدي العاملة. فهناك العديد من الشركات الصناعية الكبرى في مسار الشركات الأغلى والأغنى مثل هونداي، وسامسونج، وكيا، وLG، وتسعى هذه الشركات إلى تخصيص جزء من ميزانياتها للبحث العلمي والتطوير، فمثلا شركة هونداي تخصص 6% من ميزانيتها للبحث والتطوير والتعاون مع الجامعات، وبلغ إنفاق شركة سامسونج على البحث العلمي 14 مليار دولار أمريكي في العام 2014. وبلغت براءات الاختراع العالمية لدى شركتي سامسونج وLG عدد 41 و48 للعام 2015.
لقد استطاعت كوريا الجنوبية الاستفادة من حالة الضعف التي عاشتها في عهد الحرب الباردة وتحويل الإخفاقات إلى دعائم تستند إليها لتنهض من جديد، والتركيز على العنصر البشري من خلال التعليم والبحث العلمي، والانفتاح على العالم الخارجي أن تحقق زيادة في الإنتاجية وتحسين الأداء وإيجاد المنتجات الجديدة وتطويرها وإيجاد أسواق جديدة بالإضافة إلى إيجاد فرص العمل الجديدة لأبنائها وأن تكون في الطليعة.
وختاما، فإن تجربة كوريا الجنوبية يمكن أن تتلخص بكلمة واحدة: الابتكار - بالتركيز على: البحث العلمي، وانتاج التكنولوجيا، وجودة وغزارة التعليم، والانفتاح على العالم. 
----------
* خبير جودة وتخطيط استراتيجي وتطوير مؤسسي، ومدير تنفيذي CEO في النخبة للاستشارات الإدارية – أبو ظبي