هل تنقذ شتوة نيسان الموسم من الجفاف؟

حياة وسوق- نائل موسى- "شتوة نيسان تحيي الإنسان".. مقولة توارثتها الجدات كحقيقة بديهية مسلم بها، يجترها الخبراء قبل المزارعين اليوم ليس لبرهنة صوابها، بل من باب الأمل بان تخرج هذه "الشتوة" المنتظرة الموسم الحالي من جفاف محتم يتهدد ويتوعد بشح في المحاصيل الزراعية النباتية والحيوانية.
ويرى خبراء أخطار جدية تحيق بموسم تكالبت عليه سائر العناصر المناخية المؤثرة سلبا، وتتوعد بعطش وبإشعال أسعار المنتجات الزراعية خصوصا الحيوانية والخضراوات الصيفية البعلية المحلية، هذا ان نجت من تداعياتها المحاصيل الشتوية التي يدنو بسرعة موعد قطافها.
وترافق تدني المعدل السنوي العام للهطول هذا العام مع تأخر الموسم مقرونا بسوء توزيع سقوط الأمطار، مرورا بصقيع وتدني درجات الحرارة ورياح وسطوع شمس بخلاف المرجو، فيما يبقى الأمل معلقا على ما يمكن ان يجود به شهر نيسان من خير السماء لإنقاذ الموسم.
وحملت بداية الموسم رغم تأخره بشائر وآمال كبيرة مع كثرة الأحاديث عن منخفضات عميقة وتحذيرات من السيول والفيضانات التي بقيت محض توقعات.
وبلغ معدل الهطول المطري في شهر كانون الأول من 100 الى 140% من المعدل السنوي باستثناء مناطق جنوب الضفة وقطاع غزة وساهم هذا الأمر في دعم الموسم المطري ككل.
ويتحدث خبراء بحذر حتى الآن بشأن توصيف الموسم وتداعياته على الإنتاج الزراعي الذي يمد الإنسان بالمواد الغذائية، في بلد لا يزال جزء من مزارعيه يعرف الزراعة ويمارسها تقليدا بنثر البذور والأشتال في التربة وتركها لتنمو في الطبيعة حتى يحين حصادها، فيما الرزق والعناصر المناخية في علم الغيب.
واعلنت إسرائيل من حيث المبدأ سنة جفاف، فيما يقول خبراء فلسطينيون ان الوقت ما زال مبكرا لحسم الأمر ويقللون في حال وقع من امكانية إلحاقه كارثة بالمساحات الزراعية.
ويتفق الخبراء على تأثر محاصيل الحبوب خاصة القمح والشعير والمراعي الطبيعية ذات الأهمية الكبرى في الإنتاج الزراعي الحيواني والتي لا يزال يتهدد ما نجا منها خطر إتمام نضج القمح الربيعي بها في فصل الصيف بسبب الأمطار وتدني الحرارة مجددا الشهر الجاري.
وفي المقابل لا يتوقعون حلولا لكارثة بالخضراوات الصيفية رغم كونها من المحاصيل الزراعية الحساسة لتقلبات العوامل الجوية وان كانت ستؤثر على معدل نمو النبات وسرعة نضج المحصول ونوعية الإنتاج وعلى كميته.
الجابي: الجفاف وشيك
الخبير الزراعي والمهندس الزراعي فارس الجابي قال: نحن على وشك الاعلان عن سنة جفاف بكل ما تعنيه من شح في مياه الشرب وأضرار بالغة بمحاصيل الحبوب الشتوية والخضراوات البعلية الصيفية وبالمراعي، والأمر متوقف على ما قد يحمله شهر نيسان من امطار قد تنقذ الموسم.
وتابع: الموسم المطري وان تأخر عن المعتاد الا انه شهد بداية جيدة في شهر كانون الأول، لكن البشائر التي حملها الهطول الذي فاق معدلاته في تلك الفترة سرعان ما تلاشت مع انحباس الغيث في شهر كانون الثاني وتجدده في شهر شباط ثم عودة الى الانقطاع في آذار لنحصل على معدل وسطي تراوح حول 70% من المعدل السنوي.
واضاف: المشكلة لا تكمن في تدني معدل الهطول، بل في معدل توزيعه على شهور فصول الشتاء، ومع حلول الربيع فان أمل نجاة المحاصيل البعلية والمراعي التي يتهددها الجفاف المبكر معلق على خير نيسان.
وخير نيسان ان عم فانه لن يلغي حقيقة ارتفاع كلفة انتاج المحاصيل الزراعية النباتية والحيوانية ما سيدفع حتما الى الى ارتفاع أسعارها أو تكبيد المزارعين خسائر لا يقوون على حملها.
وقال الجابي: شهر نيسان من أشهر الربيع ومعدل الهطول فيه يتراوح عادة بين 10 الى 15 ملم وهي كمية في حال سقطت لن تقدم الكثير لانقاذ الموسم الذي يحتاج الى أكثر من هذا الرقم.
وتابع: لكن المطر والبرد الذي تنشده المحاصيل البعلية يحمل في طياته الضرر لموسم الزيتون حيث تبدأ عملية الازهار وعقد الثمار عادة بين منتصف نيسان ومنتصف أيار، ونحن نعلم مدى الأضرار التي لحقت بموسم الزيتون العام الماضي بسبب برد ومطر نيسان المتأخر. كما يلحق أضرارا بمحاصيل القمح والشعير التي هي في طور تكوين البذور والنضوج في هذا الوقت، وعانى نموها من البرد الذي رافق الموسم والذي أثر ايجابيا على اللوزيات والتفاحيات.
وبدا الجابي مستسلما عندما قال: "ليس باليد حيلة وليس هناك الكثير لنفعله، هذه ظواهر طبيعية ليس لدينا الكثير لمجابهة آثارها الا انتظار الفرج، لكن على المدى المقبل ينبغي التفكير استراتيجيا في تطوير محاصيل قادرة على التكيف وتحمل العطش وتغير المناخ.
ابو الهيجا: محاصيل تستجيب لعوامل الطبيعة
وبدأت المهندسة ابتسام ابو الهيجا مدير دائرة الترية بوزارة الزراعة، من حيث انتهى الجابي وقالت: نحن فعلا نعمل على تطوير محاصيل قادرة على تحمل العطش والجفاف وأكثر تماهيا واستجابة لعوامل الطبيعة وتغيراتها بتقصير فترة النضوج.
وتابعت: رغم عوائق الاحتلال الذي يحرمنا من ادخال البذور والتقاوي المحسنة والملائمة أكثر لتغير المناخ وشح الأمطار، ويحاول الزامنا باستيراد ما يطوره هو وبمواصفات تعتمد على المياه المعالجة أو الري وليس تقليل الحاجة للمياه، الا اننا نعكف في وزارة الزراعة على تطوير بذور في مختبراتنا تلبي الحاجة وبدأنا بمحصولي القمح والشعير، ونحن في طور التجريب والاكثار عبر تقديمها لمزارعين مجانا مقابل اعادتها بعد الحصاد مضاعفة دون ان نتدخل أو نقاسم المستفيدين منها في محصولهم.
وقالت أبو الهيجا: عبر هذه الآلية نسعى الى مراكمة هذه الأنواع واكثار البذور لتصبح في وقت قريب متاحة للمزارعين على نطاق زراعي واسع يكفل انتاج محاصيل أيا كانت المتغيرات.
وأضافت: مشكلة تدني معدل الهطول ليست آنية ولا ينحصر أثرها السلبي على المحاصيل، وتنطوي على مخاطر استراتيجية على مخزوننا من المياه الجوفية، ولتعويض هذا الموسم نحتاج الى ثلاث سنوات مطرية جيدة لاعادة منسوب المياه الجوفية الى طبيعتها.
وتابعت: نحن نعمل على استحداث أنطمة الري بالتنقيط عبر نظام الري المتوازن الذي يضمن تدفق مستوى المياه على ضغط منخفض ما يقلل الكمية المستخدمة ونشجج المزارعين على اقامة آبار جمع في حقولهم واعتماد وسائل تحفظ الرطوبة داخل التربة، ونعمل مع الوزارات والهيئات المعنية من مياه وبيئة على أنظمة حصاد مائي واسعة وفعالة.
وقالت: في الواقع هذه سنة مطرية غريبة ترافق فيها تدني نسبة الهطول مع سوء توزيع الأمطار وتدني درجات الحرارة ورياح أسهمت في جاف سطح التربة وأوجبت بدء عملية الري مبكرا.
وحول اثر ذلك على المحاصيل الزراعية قالت أبو الهيجا: في البداية تأخرت زراعة الحبوب البعلية لتأخر سقوط المطر، وحال سقوط الأمطار في كانون الأول دون تمكن المزارعين من حراثة الأرض وبذارها، ومتى تمكنوا توقف الهطول في كانون الثاني وترافق مع حرارة متدنية أضرت بالإزهار وعقد الثمار ونموها وكادت تنهي الموسم، لكن أمطار شباط وحرارته المعقولة انقذته، لتعاود الأخطار تطل برأسها في آذار الذي شهد تساقطا جديا للمطر مرة واحدة لم تصل الجنوب، وبدأت من رام الله في الوسط وصولا الى الشمال.
وتابعت: ننتظر مطر نيسان، وأي هطول سيعزز على الأقل المراعي الطبيعية ويطيل أمدها ويمكن الزراعة البعلية الصيفية.
وقدرت أبو الهيجا ألا يؤثر انحباس الأمطار على كميات وأسعار الخضار في الصيف المقبل نظرا لاعتماد أغلبها على الزراعة المروية، لكنها قالت ان الوقت ما زال مبكرا لتقديم توقعات أو حسابات حاسمة.
صوافطة: مخاطر محتملة
مدير دائرة المياة في وزارة الزراعة المهندس فرح صوافطة قال: الأمطار تأخرت هذا الموسم نحو 40 يوما عن المعتاد، وترافق ذلك مع معدل تساقط منخفض وسوء توزيع زماني، يأتي كله عقب اربع سنوات متلاحقة لم تكن نسبة الأمطار فيها جيدة ما فاقم المشكلة ويهدد بمخاطر قال انه من المبكر الحديث عنها.
وأضاف: رغم اننا ما زلنا نأمل ان يعدل مطر نيسان الكفة بانتظار اصدار حكم قطعي ازاء الموسم الا ان مؤشرات ودلائل بدأت تظهر على الينابيع وسدود برك التجميع على جوانب الأودية التي لم نشهد فيضاناتها حتى جريانها المعتاد.
وقال: ان انحباس المطر في شهور الشتاء خاصة في كانون الثاني وآذار دفع المزارعين الى بدء الري مبكرا، وبدلا من ان ترتفع مناسيب المياه في آبارهم جابهت ضخا اضافيا جائرا غير متوقع في مثل هذه الأوقات.
وتابع: سد العوجا وبرك التجميع على جوانب الأودية لم تجمع الكثير لاستخدامه جراء عدم فيضان الأودية، وهذا أثر على الحصاد المائي برمته وعلى الينابيع التي شحت مياهها وتأخر تفجرها.
وقال صوافطة: الآبار الجوفية العاملة لدينا بقيت منذ سنوات طويلة عند 390 بئرا تروي نحو 50 ألف دونم من الاراضي الزراعية.
وأضاف: الاحتلال يمنع حفر آبار جديدة ويستولي على 85% من مياهنا ويسرق حقوقنا في المياه ولا يعطينا أي متر مكعب للري، وهذه الآبار القليلة عليها ان تعوض الـ 30% من معدل الأمطار المنحبسة هذا العام والسحب الزائد ومواجهة الاحتياجات التي تفوق قدرتها أصلا ما يعني وجود مشكلة وعطشا مبكرا.
وتابع: عادة يتوقف الري من الآبار من شهر تشرين الأول الى آذار من كل عام، لكن انحباس الأمطار قلص فترة التوقف عن الري الى نحو شهرين ونصف الشهر وهذا ادى الى سحب اضافي لمياه نحن بحاجة ماسة لها في فصل الصيف.
وقال:هناك آبار جوفية جفت بالفعل في منطقة الفارعة وأريحا والأغوار حيث ازدهرت زراعة النخيل وهي محاصيل جيدة، لكن هذه الزراعة مهددة بسبب شح المياه لدرجة لا أنصح معها بالتوسع في زراعة النخيل خشية عواقب.
وأضاف: نحن نتطلع للاستفادة من المياه المعالجة في الاستفادة منها في زراعات علفية وشجرية تنسجم وتتفق مع المواصفات الفلسطينية التي تمنع استخدامها في ري أغلب المحاصيل عبر استغلال ما تنتجه المحطات حاليا مثل محطة البيرة التي لا تستفيد من انتاجها حتى الآن بشكل مباشر بسبب العراقيل الاحتلالية التي تمنع مد خط ناقل ونحن نسعى لتحقيقه وان كانت تفيد في الحصاد المائي وفي تخضير المنطقة حيث تتدفق، ومحطة جنين التي التي تمد الآن 450 دونما بالمياه ونسعى الى زيادة هذه المساحات الى 11000 دونم، ونابلس الغربية التي تروي 300 دونم ونتطلع الى 1000 دونم قريبا، ومحطة اريحا نحو 1,2 مليون كوب التي نتطلع الى زيادة قدرتها على المعالجة بنحو 250% على ما هي عليه الآن، وكذلك محطة طوباس المتوقع تشغيلها هذا العام، والتوسع في إقامة محطات جديدة بما فيها الخليل.
وأوضح صوافطة، ان معدل الهطول السنوي على الأراضي الفلسطينية يبلغ 3 مليارات متر مكعب يذهب نحو 800 مليون منها للمياه الجوفية والجارية كمصدر متجدد، فيما يسمح لنا باستخدام بين 70 الى 80 مليون متر مكعب للزراعة وبين 100 الى 120 مليون للشرب، فيما تسرق إسرائيل الباقي (78%) وتشاركنا في الـ 13% الباقية وباعتنا منه العام الماضي 62 مليون متر مكعب.
ويجمع الخبراء ان المياه في أرضنا وتحت أقدامنا ونحرم منها وتفرض لنا حصة موازية لتلك التي كانت قائمة قبل الاحتلال عام 1967.
ويضيفون: المياه والوصول اليها هما أساس التنمية ولتحاشي العطش وإحداث التنمية بعيدا عن رحمة الطبيعة، ولا بد من خطوات شعبية ورسمية تلبي احتياجاتنا المائية.
وما دام الاحتلال هو المسيطر على شريان الحياة، ستبقى الحياة معلقة بما قد يجود به أو يعزه نيسان الذي قالت عنه الجدات من صميم الخبرة "ان خصب الأرض وراءه نيسان وان أمحلت وراءها نيسان؟!.
مواضيع ذات صلة
الإحصاء: ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة والضفة خلال 2025
الإحصاء: الرقم القياسي لأسعار المنتج يسجل ارتفاعا حادا
ارتفاع أسعار النفط مع تعثر إنهاء الحرب وإغلاق مضيق هرمز
الذهب ينخفض مع ارتفاع الدولار وزيادة مخاوف التضخم
الذهب يتجه لتسجيل خسارة أسبوعية
أسعار صرف العملات