اطلاق النار على محمد وعدم اطلاق النار على رحاميم
هآرتس - بقلم: دمتري شومسكي

في 8 تموز 1959، في وادي الصليب في حيفا، وهو حي فقير ومكتظ يعيش فيه 15 ألف مهاجر جديد، أغلبيتهم من شمال افريقيا والمغرب، اندلع الاحتجاج الاجتماعي الاول المنظم في اسرائيل. وما أشعل هذا الاحتجاج كان اطلاق النار غير المبرر من قبل الشرطة على أحد سكان الحي الثمل وغير المسلح، وهو يعقوب الكريف الذي خرج عن طوره في المقهى المحلي.
في الوقت الذي اهتمت فيه الصحف الاشكنازية في اسرائيل بالتنافس حول من الذي سيحرض أكثر ضد الاحتجاج، وتصوير المشاركين فيه بأنهم مجرمون، قامت اسبوعية "هعولام هزيه" في 15 تموز باصدار نشرة خاصة تم تخصيصها لتغطية احداث الاحتجاج، وعلى الصفحة الاولى جاء المقال الذي لا ينسى لـ اوري افنيري بعنوان "تمرد المغاربة". وقد كتب افنيري في هذا المقال: "ليس هناك تعال عنصري جزئي مثلما لا يوجد عدل جزئي. من يبدأ باطلاق النار على محمد فهو سيقوم في نهاية المطاف باطلاق النار على رحاميم. ومن يعتقل وينفي سليمان دون محاكمة سيقوم باعتقال ونفي نسيم في نهاية المطاف. ومن يبصق الآن على فاطمة سيبصق غدا على مزال. إن ما حدث بالأمس في وادي النسناس سيحدث اليوم في وادي الصليب".
قبل عشرات السنين من ظهور الابحاث المهمة في مجال العلوم الاجتماعية والانسانية التي لاحظت الصلة الوثيقة بين العنصرية ضد الشرقيين في اسرائيل وبين أصلهم، تمكن افنيري من أن يشير بلغة واضحة وبسيطة الى القاسم المشترك الذي يقف من وراء قمع الفلسطينيين من جهة وقمع الشرقيين من جهة اخرى على أيدي القوى الاشكنازية الاسرائيلية التي سيطرت في العقود الاولى من قيام الدولة، الخلفية العربية المشتركة للجماعتين دفعت قادة الدولة الاشكناز الى التحفظ والتخوف منهما.
بعد مرور ستين سنة تقريبا، وفي اعقاب محاكمة الجندي الاسرائيلي الشرقي اليئور ازاريا مطلق النار على الجريح الفلسطيني عبد الفتاح الشريف، نشر افنيري في موقع "هآرتس" مقالا بعنوان "كيف نشأ الشرخ بين الاشكناز والشرقيين" بتاريخ 26/2 الماضي. هذا المقال الذي اثار الانتقاد من جميع الاتجاهات – "تسونامي كبير"، قال افنيري في رده على الانتقاد. وقد اتهم المنتقدون افنيري بالتعالي العنصري الاشكنازي على النمط الذي ميز المؤسسة الاسرائيلية في السنوات الاولى للدولة.
لقد تحدث افنيري، بلغة بسيطة وواضحة، عن الظاهرة التي يصعب نفي وجودها: موجة التضامن مع عمل ازاريا، بما في ذلك اعتباره "بطلا"، لا تخلو من البعد الاثني القبلي، بل على العكس، هي تحمل هوية واضحة لليهود الشرقيين. بكلمات اخرى، وليس بعيدا عما قاله عام 1959، يمكن القول: إن مقاله الحالي لاحظ التغيير الكبير الذي حدث لدى اللاعبين العرقيين في اسرائيل منذ "تمرد المغاربة": ليس فقط أنه يمكن اطلاق النار على محمد وعدم اطلاق النار على رحاميم، بل ايضا تحول اطلاق النار على محمد قياسا برحاميم، الى بطولة قومية.
نتيجة غير مباشرة لاهانة العربية من قبل المؤسسة الصهيونية الاشكنازية في السابق، حولت ظاهرة كراهية العرب مع مرور الوقت الى أحد الاصوات الفاعلة في اوساط الشرقيين في اسرائيل الحالية الى درجة يمكنها فيها منافسة نفس الظاهرة في اوساط الجاليات التي تتحدث الروسية. كان يفضل أن يعترف المثقفون الشرقيون في اسرائيل، اصحاب المواقف الديمقراطية، بهذه المشكلة والتنديد بها ورفض عدم أنسنة الآخر العربي في النقاش الشرقي القومي اليهودي في اسرائيل.
عدا عن أنه لا يسمع أي انتقاد داخلي لكراهية العرب في اوساط النخبة الشرقية المثقفة فقط، فإن جزءًا من ممثليها يمرون على ذلك بصمت. وقد كتبت ميراف الوشل فرون في "هآرتس" في 17 آذار الحالي أن الميول اليمينية لكثير من الشرقيين في اسرائيل تتعلق بالموقف العلماني الليبرالي الاشتراكي لليسار الاشكنازي الذي ينفي بشكل متعجرف الهوية القومية الدينية المحافظة والمواقف الحريدية القومية للجمهور اليهودي الشرقي.
لقد نسيت الوش أن تقول إنه اذا كان يوجد مكان للتحدث عن العجرفة والسيطرة العليا الاشكنازية تجاه الجمهور الشرقي، يمكن ايجاده في اوساط اليمين، لا سيما في الحزب الحاكم، حيث لم يترأسه شخص شرقي – اذا لم نشمل في هذا التصنيف الشرقي الزعيم الحالي "الذي اعترف" مؤخرا بأنه يحمل في داخله "جينا شرقيا" يدفعه الى التصرف بانفعال مثلما يتصرف الشرقي في خياله العنصري.
أما الرومانسية التي تتعاطى بها الوش لفرون مع الحريدية القومية الشرقية فهي غير مخجلة لأن المتنورين الليبراليين حسب رأيها يُعجبون دائما بالاصول الدينية الشرقية. وما تبقى هو التساؤل عن التجاهل المخجل من قبلها عن مظاهر ما بعد العلمانية مثل العنصرية الدينية لايلي يشاي، التي هي جزء لا يتجزأ من الحريدية الشرقية في الوقت الحالي.
ليس هناك خلاف أن المؤسسة الاشكنازية هي التي تتحمل المسؤولية عن التخوف من العامل العربي الموجود لدى اليهود الشرقيين في اسرائيل. ولكن المسؤولية عن ازالة هذا التخوف يلقى على عاتق الجمهور الشرقي ونخبته. لا يمكن التسليم بوضع يصمت فيه من يحارب ضد العنصرية والاستبعاد على العنصرية ضد الفلسطينيين. ومثلما كتب افنيري "مثلما لا يوجد تعال عنصري جزئي، فانه لا يوجد عدل جزئي".
مواضيع ذات صلة
مقتل رجل بجريمة إطلاق نار في عرابة البطوف داخل أراضي الـ48
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال