عاجل

الرئيسية » ثقافة » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 27 شباط 2017

من أي شيْء خُلقتِ؟

ايمان زياد

السماء ستمطر بعد قليل؛ هكذا أنذر الراصد الجويّ.. ومنذ أيام وأهل الحيّ يصلّون الاستسقاء رجاءً لبلل يرطب أرضاً قاحلة؛ بثت ضجرها من الجفاف العصيّ .. فلا البحر يزيدها إلا ملوحة ولا عرقنا؛ نحن أبناؤها الطيبون. 
السماء ستمطر وستغرق شوارع غزة، وسنُخرج فلوكاتنا من الأقبية لتنقلنا بين الأزقة؛ فمنذ الحرب فقدنا أسس المدينة وعصرنتها وتحوّل الدعم القادم من هنا وهناك للصامدين فيها إلى شاليهات ومشاريع على البحر لا يقدر الإنسان الصامد حتى أن يأخذ صورة تذكارية بجانبها. 
بابتسامة خفيفة تقول عفاف: "أوصيت زوجي أن يضع أكياس الرمل ويرفع عتبة البيت ويحطم خزانة ملابس قديمة لإشعالها إذا أدركنا البرد.." في محاولة منها لنبش حوار ما مع امرأة أخرى تنتظر دورها على حاجز "إيرز" الإسرائيلي.
تُجيبها المرأة: "لعله خير" في إشارة لعدم رغبتها في الحديث.
ترفع على كتفها ثقل طفلتها شام التي استسلمت للنوم، وتبادر ثانية بسؤال مستعجل: "هل هذه المرة الأولى تخرجين فيها من القطاع؟"
"لا، ليست المرة الأولى.. لكنها في كل مرة تبدو أول مرة.." تخرج المرأة من شرنقتها وتجيب باسترسال..
"خرجت من سجننا الكبير أكثر من مرة، وما أن أخرج منه حتى أعود إليه بسرعة، فأنا أعمل مع إحدى مؤسسات الأمم المتحدة.. لكن في كل مرة تزداد إجراءات المرور تعقيداً"
"وأنت.. مع هذه الصغيرة ، إلى أين تذهبين؟" ترمي عفاف بالسؤال..
وكأنها سلّطت ضوء كشّاف على عيني عفاف فنخزت دهشتها، ليس بسبب السؤال ولكن من إجابة تصارع ضلوعها وتنتهك مجاراتها لطقوس الانتظار في تلك النقطة الباردة، تبتسم ابتسامة عارضة "أحمل هذه الوردة لجلسات العلاج الكيماوي في مستشفى المقاصد في القدس، فمنذ أشهر ونحن نسعى لتحويلة العلاج هذه.." 
"قد يكون المرض ابتلاء لكن مأساة التوّسل كي أنقذ طفلتي ابتلاء أكبر.."
"منذ أشهر لم أترك باباً إلا طرقته ولم أترك يداً إلا قبّلتها ولا دائناً إلا استدنت منه.. نحن نصارع الحياة وحدنا، لا أحد ينصرنا حتى في مرض هذه الوردة .. شام"
تحاول أن تؤازرها الغريبة "لا أدري ماذا أقول لأخفف عنك، هل جرّبت..؟" وقبل أن تكمل سؤالها تقاطعها عفاف "لم يبق غير أن أطلب معونة الشجر والحجر لرعاية شام، كلّهم أداروا لي وجوههم؛ وأنا يقتلني وجع ابنتي والسرطان يتغذّى على دمها، وتبهج قلبي ضحكتها البريئة كمزارع الفراولة وتمزقني في ذات اللحظة؛ فهي لا تعلم ما هي مُقبلة عليه، ها أنا أجرّب أقسى ما يمكن أن أجرّب؛ أفقد طفلتي وأنا عاجزة عن انتشالها من الألم".
"من المفترض أن أكون الآن في المشفى، فمنذ الفجر زحفت كزهرة دفلى إلى الحاجز، وحين وصلت تفاجأت بأنه يلزمني تنسيق من سلطة غزة  قبل الخروج، لا أريد أن أبكي الآن. بكيت كثيراً هذا الصباح وهم يحاولون تأجيل خروجي للغد وهذا يعني أن أفقد تحويلة المشفى لفقداني الموعد المحدد للمرور من الحاجز؟ كنت أريد أن أسأل ضابط التنسيق هناك؛ أين كنت منذ شهور وأنا أتوّسل إنقاذ طفلتي؟ "
تلمع عينا الغريبة وتلوك الكلام في فمها وتبتلعه، ودون أن تنطق بحرف واحد فهمت عفاف كل ما تمنت الغريبة قوله فقد سمعت نفس الحديث ونفس التعاطف من آخرين في مرات سابقة، ولا حديث ينزلها عن مشجب يتوّسط عمودها الفقري، تظلّ تلوّح بقدميها خارج إطار الوقت الذي لا يرحم طفلتها.
ينادي جنود الاحتلال في حاجز "إيرز" على الأسماء؛ تدخل الغريبة من بوابات حديدية تشبه ساقية دون ماء؛ تدور على أعصابنا واحتمالات المرور.. تشهر لهم الغريبة بطاقة الأمم المتحدة فتمرّ.. تلوّح بيدها من بعيد إلى عفاف وتمضي إلى الضفة الغربية..
هاجم السرطان شام دون رحمة حين أطفات الشمعة الثانية من عمرها، وباشرت مع أمها مهمة العَدْو من طبيب إلى آخر، من مسؤول إلى آخر، ومن شيخ إلى آخر طلباً للمعجزات أن تحدث..
هل تريدين شرب الماء؟ سألت عفاف الطفلة
تلقّفت شام زجاجة الماء وبللت فستانها الوردي؛ كان هدية جدتها في عيدها الثاني..
"هل سنحتفل بعيدك الثالث يا شام بين المرضى هذه المرة؟" من أي شيء خُلقت كي أحتمل هذا؟ سؤالان من مائدة أسئلة قاسية لا زالت تعصف برأس عفافلتتناولها منذ واجهت مرض طفلتها.. ضمّتها إلى صدرها فالرياح تزداد برودة في مكان موحش كهذا..
نادى الجندي على اسمها أخيراً؛ فخمس ساعات من الوقوف أتلفت جسدها وأعصابها..
تُوّسع عفاف خطواتها وتدخل في الساقية الحديدية؛ التي بلا ماء، يدُقّق الجندي في أوراقها وأوراق المشفى، يُدقق في وجه شام الأصفر، ويأمرها التوّجه إلى غرفة 6..
"أنا؟ لماذا؟" تردّ عفاف
"قلت توجّهي إلى غرفة 6 .."
تمشي بخطوات ثقيلة، "ما هذه الغرفة 6؟"
قبل أن تصل باب الغرفة تخرج منها مُجنّدة أثيوبية على ما يبدو؛ تأخد أوراقها وتطلب منها الإنتظار..
تجلس عفاف، وشام تعود لنومها خفيفة في حضن أمها الذي تأكله النار الآن، يمرّ الوقت ولم يبقى غيرها وطفلتها على الحاجز الذي سيغلق بعد قليل..ساعتان كاملتان من الرقص على الأفكار ذات الرؤوس الحادّة..
"عفاف، هيّا" تناديها المُجنّدة
تدخل إلى الغرفة؛ ضابطان يتناولان غداءهما ويشاهدان فيلماً مصرياً كوميدياً.. دخلت وهما يتقهقهان. 
"اجلسي..ارتاحي..إذا أردت ضعي الصغيرة في السرير، مشيراً إلى سرير حديدي في الغرفة" لطيفاً وجّه الكلام إليها أحد الضابطين..
"لا، شكراً نحن بخير" ردّت عاقدة حاجبيها 
"لا تقلقي؛ أريد فقط أن أطرح سؤالاً واحداً عليك وإذا أقنعتني إجابتك ستذهبين فوراً "مُعدلاً جلسته على الكرسيّ في وضعية مائلة؛ حدّثها الضابط ذاته. والضابط الآخر مستمر بمشاهدة الفيلم الكوميدي والضحك..
" ما الذي سيجعلني أسمح لك بالمرور؟"
بدأت عفاف بانتشال أوراق المشفى والتقارير الطبية وتصريح المرور للعلاج ووووو وقبل أن تجيبه..
أكمل؛ "هذه الأوراق جميعها لا تهمني؛ يهمني مصير طفلتك الجميلة فهي تحتاج فعلاً إلى علاج سريع وإلّا تمكّن منها المرض وقضى عليها"، يُعقّب الآخر"لا سمح الله طبعاً..
"لكن أنت فقط من تملكين إنقاذ طفلتك"
"كيف أفعل ذلك دون أن أسافر إلى الضفة لعلاجها؟" تستنكر عفاف مُقدمته الإنسانية بسؤال باهت مضحك.. كالفيلم الكوميديّ الدائر هناك..
"الموضوع بسيط؛ تحملين معك هذا وتوافقين على طلباتنا" وأخرج الضابط من جارور مكتبه هاتفاً نقالاً وقدّمه لعفاف.. 
"أتصل بك بين الحين والآخر وتعطيني معلومات عن المُخرّبين في غزة؛ ولك أن تحصلي على تصريح مفتوح للسفر إلى الضفة.. طفلتك تستحق فرصة لتحيا"
تذكرت عفاف أن المطر سيغمر شوارع غزة خلال ساعات، وتمنت من قاع قلبها أن تضع رأسها الذي يغلي الآن في تلك السيول..