بالمئات .. سيدخل "اليحمور" إلى جيوبكم

نابلس- الحياة الجديدة- جميل ضبابات
مضى على هذه الحادثة بالضبط 39 عاما، لكن انتهاء حكم محمد رضا بهلوي منذ عقود لم يضع حدا لامتداد أحداث قصة رحلة الطيران الأخيرة، التي سيرت من تل ابيب إلى طهران، في الأيام الأخيرة لحكم ملك إيران.
في 28 تشرين الثاني 1978 وبينما كانت العاصمة الايرانية طهران تغلي وتموج بالمنظمين للثورة الخمينية، حطت آخر طائرة تصل من تل أبيب قبل قطع العلاقات بين البلدين على مدرج مطار مهر آباد الدولي قرب وسط العاصمة.
لم تكن مهمة تلك الطائرة جمع المزيد من اليهود، الذين ينوون مغادرة البلد الذي يتأهب لدخول حقبة جديدة مختلفة تماما، فهناك عملية خاصة موازية لعملية نقل اليهود نفذت قبل اغلاق سماء ايران في وجه الطيران الإسرائيلي وخروج نظام يكن الود لإسرائيل، ودخول آخر يريد قطع العلاقات معها.
كانت تلك الطائرة تحمل على متنها المختص بالحيوانات البرية مايك فان جريفنبروك، الذي وصل في مهمة خاصة من إسرائيل للحصول على ما يمكن مشاهدته اليوم على ورقة العملة الاسرائيلية الجديدة من فئة مئة شيقل، فيما تحمل الجهة المقابلة صورة الشاعرة الإسرائيلية ليئا غولدبرغ.
مضت ايام قليلة قبل ان تنقل الطائرة التي عادت زوجين من اليحامير. لكن لم تنته القصة هنا. ستنتهي في جيب كل واحد منا، او في محفظته وفي خزنات البنوك والصرافين وايدي المتسولين!.
في كل مرة يصل خالد حمودة، باحث في الحياة البرية ويسكن في مدينة قلنسوة ويعمل اليوم على مرافقة مجموعات من الشبان في رحلات سياحة بيئية الى حديقة الأحياء البرية في جبال الكرمل بحيفا، يسمع تلك القصة التي يعاد التذكير بها في كل مرة يطلق فيها هذا الحيوان خارج اماكن تربيته.
اليوم يعيد حمودة، بعد انتشار صورة المائة شيقل الجديدة، روايتها. يقول: "هذه انثى. أنثى اليحمور. انظر ليس هناك قرون لها"، في إشارة الى صورة الحيوان، التي ستحملها فئة المائة شيقل الجديدة.
ينوي بنك اسرائيل استبدال ورقتي نقد من فئتي عشرين شيقلا ومائة شيقل بأوراق جديدة ذات ألوان مختلفة حتى نهاية هذا العام.
الا أن صورة وزعت على وسائل الاعلام للأوراق النقدية الجديدة، أعادت التذكير بالأيام الأخيرة لحكم الشاه في ايران.
القصة لا تردد شفويا فقط مثلما يرددها حمودة. فهي موثقة بشكل رسمي عالميا واسرائيليا.
ورغم تلك العملية الكبيرة إلا أنه حتى اليوم، لم تتغن إسرائيل بمعالم شكل عملتها الجديدة بعيدا عن الشعراء الذين ستكون صورهم على وجه من وجهي العملة.
محللون وكتاب إسرائيليون لم يروا إلا وجها واحدا للعملة. إنه وجه الأدب العبري.!
عاش اليحمور في فلسطين حتى بداية القرن الماضي، "كانت قرون الذكور تباع في المدن الكبرى قبل أن يختفي تماما". يقول حمودة.
لم يكن وصل الطائرة الاسرائيلية الى طهران امرا رتب على عجل. في هذا العام وافق شقيق شاه إيران الامير عبد رضا بهلوي، الذي دعي الى رحلة صيد في صحراء النقب على ترتيب من وزير الزراعة حينها ارئيل شارون، تحت اصرار الجنرال الاسرائيلي ابرهام يوفي وهو احد مؤسسي منظمة الهاغاناة، على إهداء اسرائيل زوجين من اليحمور.
في الأشهر التي سبقت وصول الطائرة الاسرائيلية، كان الجنرال يوفي يرى ان نافذة الفرص لجلب زوجي اليحمور بدأت تضيق، لكنه ظل يسعى للحصول على اليحمور بأي ثمن.
وصل يوفي الى طهران واصبح يقف في اقرب مكان من اليحمور، لكن اصابته بأزمة قلبية مميتة في العاصمة الايرانية قطع عليه حلم طالما راوده، أن يكمل المهمة فيما بعد غولدبرغ.
فقط عام 1970 قبل قيام الثورة الخمينية بسنوات، علم يوفي بوجود اليحمور في ايران، بعد ان سرت معلومات في العالم انها ما زالت موجودة، لكن قبل ذلك ساد اعتقاد أن هذا الحيوان اختفى تماما عن وجه الكرة الأرضية.
ظلت اليحامير جزءا من بيئة البحر المتوسط حتى انقرضت نهائيا. "انقرضت بفعل قطع الأشجار والصيد" يقول المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية الفلسطينية عماد الاطرش.
ومصطلح يحمور ليس من المصطلحات الدارجة شعبيا في فلسطين. فالأجيال التي عرفت هذا الحيوان انتهت تقريبا. إلا انه علميا ما زال يذكر.
يروي بأسى خبراء بيئة آخرون قصة تناقص أعداد الحيوانات واختفاء اليحمور من فلسطين التاريخية.
يعتبر الإسرائيليون في منشوراتهم العلمية أن قصة اطلاق اليحمور مرة أخرى للطبيعة قصة نجاح كبيرة. لكنها تذكر ايضا بالتحولات السياسية التي تجري باستمرار في الشرق الاوسط.
في ديسمبر من عام 2009 اعتبر حدث إطلاق زوجين من اليحامير في تلال القدس يوما كبيرا. وفي السنة التالية أعلن أن الاجيال اللاحقة من نسل الزوجين المنقولين على متن آخر طائرة تقلع من مطار مهراباد الى تل ابيب، وصل إلى 500 يحمور.
يقول الباحث في متحف التاريخ الطبيعي الفلسطيني- جامعة بيت لحم انطون خليلة إن "الاسرائيليين واجهوا صعوبات كبيرة في تربية هذا الحيوان (...) لم يكن الأمر سهلا بتاتا".
يظهر من استعراض كل ما كتب عن اليحمور في الأرشيف العلمي الاسرائيلي أن العملية لإعادة توطين هذا الحيوان بدءا من حلم يوفي حتى عملية مطار مهرآباد حتى اليوم لم تكن فعلا عملية سهلة.
صحيح أن عملية النقل نجحت بشكل جيد كما يشير عددها الذي يزداد في محطات التربية الإسرائيلية، إلا ان ذلك تطلب سنوات من التجارب.
" نسبة نجاح هذه العملية فيما يتعلق بالتربية والإكثار كانت صعبة على مدار السنوات الماضية. (...) كانت التكلفة عالية. كل حيمور يكلف قبل اطلاقه الى الطبيعة نحو 30 ألف دولار".
كان اليحمور مثله مثل حيوانات كثيرة انقرضت او شارفت على الاختفاء يعيش في البيئة الفلسطينية، الا ان اختفاءه له اسبابه العالمية.
فقطع الاشجار تحت اشراف الأتراك في الحرب العالمية الاولى لاستخدامها كوقود للقطارات التي كانت تنقل الاسلحة ومؤن الجيوش المتحاربة. وهو نسبيا ما حصل مع غزال الجبل الفلسطيني الذي تحولت اماكن تواجده الى مراح رحب للصيادين.
والى حد كبير يمكن الخلط بين اليحمور وهو واحد من أصناف الايائل وبين الغزال الجبلي الفلسطيني الذي ما زال يعيش في بعض مناطق الضفة الغربية وتتناقص اعداده عاما بعد عام بسبب الصيد الجائر.
الا ان اليحمور يحمل على جلده بقعا دائرية بيضاء ظاهرة على نقيض لون جلد غزال الجبل الفلسطيني المتجانس نسبيا.
في الأراضي الفلسطينية لا يمكن نفي الخوف على مصير الغزلان الجبلية. فشعبيون ورسميون وخبراء يحذرون من فقدان واحد من اكثر حيوانات فلسطين جمالا وخفة.
احصاءات حديثة نشرت خلال السنتين الماضيتين تشير إلى ارتفاع نسبة الخوف من تناقص اعداده، ما دفع الباحثين في البيئية إلى إعادة وضعه ضمن فئة المعرض لخطر الانقراض.
كانت موجات الثلوج المتلاحقة في السنوات القليلة الماضية وضعت الغزلان الجبلية في موقع مكشوف أمام الصيادين، الذين استغلوا لون الجبال الابيض لتحديد أماكن تواجدها.
"شاهدتها طليقة في الطبيعة ثلاث مرات في محيط القدس وفي والجليل. بعضها توقف ونظر إلي وبعضها هرب"، قال حمودة، الذي يزور محمية حيفا، حيث يجري استيعاب عدد من اليحامير لغرض الإكثار منها.
المصدر: وفا
مواضيع ذات صلة
مؤسسات الأسرى: الاحتلال يرتكب جرائم منظمة بحقّ العمال الفلسطينيين في سياق جريمة إبادة شاملة
الصحة العالمية تدعو لدخول الأدوية والمستلزمات إلى غزة لبناء خدمات صحية
شؤون اللاجئين بالمنظمة واللجان الشعبية في مخيمات قطاع غزة يبحثون ترتيبات إحياء ذكرى النكبة
تصعيد خطير في المسجد الأقصى: عشرات الآلاف يؤدون الجمعة ومحاولات متكررة لإدخال "القرابين الحيوانية"
مستعمرون يحاولون اقتحام الأقصى عبر باب حطة بقربان حي
"فتح" في اليوم العالميّ للعمال: العمال الفلسطينيّون رافعة للمشروع الوطني وركيزة لبناء الدولة
مصطفى يهنئ نظيره العراقي لمناسبة تكليفه بتشكيل حكومة جديدة