عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 01 شباط 2017

كنت عدوة الدولة

هآرتس - آنا كموسو

لقد كنت فتاة في سن البلوغ عندما عرفت أن دولتي اعتبرتني أنا وعائلتي أعداء لها. وعلى الرغم من أنه لم يشر إلينا أحد ويقول ذلك، إلا أن ألامر كان واضحا، وعلى مدى سنة تجولت بين المنازل باحثة عن ملجأ.

النظام العسكري في الارجنتين يؤيده جزء كبير من الجمهور، والكثيرون كانوا يدقون أبوابه متطوعين من اجل المساعدة في القضاء على الديمقراطية التي هي أصلا كانت متهاوية. المؤيدون الأوائل جاءوا من اوساط الاوليغاركية ومن وسائل الاعلام، وانجروا وراء اكاذيب النظام. واشخاص مثل والدي، كانوا حسب رأيهم ممثلون لقوى الشر، وتم وصفهم على أنهم وكلاء لدول اجنبية يخططون لتحويل الارجنتين الى دولة شيوعية وعلمانية.

هذا العمل العبثي هو الذي أوجد الفئة التي سيطرت على الدولة. والغريب أن عدد كبير من الناس آمنوا بها. هذه الفئة مثلت الكنيسة وأرباب المال ورجال الاعمال. فقد كانت لهم حقوق زائدة ولم يكن في نيتهم التنازل عنها. وقد كان والدي أصحاب فكر ليبراليين أو أكثر من ذلك – اشخاص كانوا يطمحون الى تغيير العالم ومملوئين بالحماسة للتغيير، لكنهم لم يكونوا اعضاء رسميين في حزب سياسي ما. ورغم ذلك اضطروا الى دفع ثمن باهظ بسبب قناعتهم الانسانية.

وبشكل تدريجي بدأت السلطات في السيطرة على الجامعات. وعندما وصلت أمي في يوم ما الى عملها كمحاضرة في الجامعة وجدت أن الأبواب أغلقت في وجهها. وأنا أذكر كيف عادت الى البيت والدموع في عيونها وتجد صعوبة في التكلم عما حدث. وضعنا الاقتصادي ازداد سوءً في حينه الى أن أصبحنا نفقد كل شيء. وقد حاول والدي الصمود بواسطة اعطاء الدروس الخصوصية، لكن ذلك كان صعبا جدا.

في أحد الايام وصل الى بيتنا صديق لأختي وقال إن علينا المغادرة فورا. لأنه يحتمل أن يكون هناك شخص ما قام بالابلاغ عن أبي. وخلال لحظات كنا جميعنا في السيارة. ويبدو لي أن والدي لم يتخيلا أنه ستمر سنوات حتى نتمكن من العودة الى البيت. منذ تلك اللحظة توقفت عن الذهاب الى المدرسة وانتقلنا بين مخبأ وآخر. وأمي أرادت العودة الى البيت لأخذ بعض الاغراض، لكن أحد الاصدقاء حذرها من الاقتراب من البيت لأنها مليء بالجنود. وقد قام الجنود باحراق المكتبة الفاخرة وحولوا البيت الى مقر للتحقيق والتعذيب. وأصدقائي توقفوا عن الاتصال معي، والناس خافوا من الاقتراب منا. لقد كانت هذه فترة كان الجميع فيها يخافون من الجميع.

خلال بضعة ايام غادرنا الارجنتين، بلادنا الليبرالية المحبوبة. وأنا حاولت طوال حياتي النسيان، لكن دون نجاح. فهذه الرحلة الفظيعة من بوينس آيريس في الحافلة، رغم أن هذا كان في ساعات الصباح، إلا أنني أتذكر كل شيء مظلم. في البداية اعتقدت بأن الذاكرة تأثرت من الحالة النفسية الصعبة، لكنني تذكرت أن هذا كان بسبب النوافذ المظلمة للحافلة، التي بسببها كان كل شيء غامض، مثل التصوير في فيلم رعب أو مثل الكابوس. وكأن الشخص قد مات وانتقل الى العالم الآخر، وكأنه يقوم بترك مدينة للأشباح.

أنا أفكر بيعقوب أبو القيعان الذي سافر في سيارته كي لا يرى بيته وهو يُهدم من جديد، مثلما هُدم بضع مرات قبل ذلك. ضباب في الصباح، جنود ورجال شرطة. وأنا أفكر بعائلته التي أصبحت من جديد بلا مأوى. وأفكر بأولاده الذين فقدوا كل شيء. وأفكر بالعرب مواطني الدولة الذين قررت السلطات اعتبارهم أعداء.