تشريع التغذية القسرية
عدلي صادق
لم تكترث حكومة الاحتلال العنصرية المتطرفة، بما استقرت عليه القوانين الدولية حيال معاملة السجناء، وهو أن تغذيتهم قسراً، أو إطعامهم بالقوة، هو نوع من التعذيب وانتهاك خصوصية الجسم وممارسة فعل الإهانة الشائن، للإنسان. فها هو جلعاد ايردان، وزير أمن الاحتلال يطلب من الحكومة الإشارة الخضراء للتقدم بمشروع قرار في الكنيست، يُجيز مواجهة احتجاجات الأسرى الفلسطينيين من خلال الإضراب عن الطعام، بتغذيتهم قسراً. ويعتمد ايردان على تأييد وزيرة العدل المتطرفة إييليت شاكيد، التي لا علاقة لها، البتة، بالقانون، لا بالدراسة ولا بالثقافة ولا حتى بأن تكون طرفاً في تقاضٍ يضطرها الى التعرف على القضاء، فهي مهندسة كهربائية تحولت الى الكومبيوتر ثم اصبحت مهندسة برمجة!
عندما تشكلت الحكومة الأكثر يمينية؛ وتسلم ايردان حقيبة الأمن، عادت القوى العنصرية الى طرح القانون الذي حاولت تمريره في العام الماضي، وأخفقت لأن المناخ السياسي الدولي لم يكن يساعدها. هذه المرة يتقدم ايردان المحاولة الثانية، وهو من أشد المعجبين بأفيغدور ليبرمان، وكان من مسانديه الليكوديين، ضد مؤتمر أنابوليس، ومن منتقدي الإدارة الأميركية. أما إييليت شاكيد، ووالدها يهودي عراقي ولد في إيران، فهي شقية حسناء الخلقة بشعة العاطفة والمضامين، ومتطرفة ضد العدالة على أي صعيد، ويكفي أنها اختارت سلاح المدفعية للعمل فيه على هضبة الجولان، وهذا سلاح يقصف ولا يميز.
جلعاد إيردان، المتحمس للتغذية بالتعذيب، كان كلما سنحت الفرصة، يناهض السياسة الأميركية ببذاءة. يقول للإدارة، نحن لسنا الولاية الحادية والخمسين، ولا نتلقى أوامرنا من أوباما. لكنه في حماسته لقانون انتهاك خصوصية الأسير الفلسطيني، لم يستهد سوى بالسابقة الوحيدة في العالم، في تطبيق مثل هذا الفعل الانتهاكي، وهي سابقة أميركية، مارس فيها السجانون في غواتيمالا التغذية القسرية على السجناء العرب الذين أعلنوا إضرابات عن الطعام، احتجاجاً على ظروف اعتقال لا إنسانية، أو على تلفيق قضايا لهم.
في تاريخ السجون الإسرائيلية، مرّت حالات موت لمناضلين تعرضوا للتغذية القسرية. وفي العام 1980 صدر قانون في الكنيست نفسه، يمنع هذه الممارسة اللا انسانية، على اثر استشهاد ثلاثة أسرى. كان الشهيد الأول عبد القادر أبو الفحم في العام 1970 الذي اردته محاولة فك إضرابه بتغذيته بانبوب يخترق الأنف ــ لا الفم ــ وينفذ الى المعدة. واستشهد بعده، بتعذيب التغذية القسرية، راسم حلاوة وعلي الجعفري. وقبل وقف الممارسة بفعل الضغوط الدولية، جرى ترقيق الأنبوب و"تحسين" رائحة المحلول، وقد جرّب محسوبكم كاتب هذه السطور، الوجبة القسرية المحسنّة، بأنبوب اخترق الأنف المسدود غالباً بفعل زكام مديد!
هذه المرة، يتبني مغتصب أحد بيوتنا في عسقلان، جلعاد ايردان، ومعه العراقية اليهودية المولودة في ايران، التي اتيح لها التطفل على القانون وهي مرشدة لإحداثات المدفعية، قانوناً يقضي بتنويم الأسير، أو تخديره، لتحييد صفاته البشرية وإرادته المتعلقة بجسده الخاص؛ لحقنه عبر أنبوب يخترق الفم ويضخ الى المعدة محلولاً يساعد على كسر الإضراب!
إن مثل هذه الممارسات الفاشية، تنبثق عن عنصرية لا تقر للإنسان بحقه في عرض قضيته والضغط بالاحتجاج والإضراب، لكي يسمعه السجانون ومن ثم العالم كله!