عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 04 كانون الثاني 2017

تأثيرات خطاب وزير الخارجية كيري

نظرة عليا - بقلم: عوديد عيران وأودي ديكل

إن التحدي الذي وضعه وزير الخارجية الاميركي، جون كيري، في خطابه الذي ألقاه حول الصراع الاسرائيلي الفلسطيني في 28 كانون الاول 2016، كان موجها لاسرائيل، وفي نفس الوقت للفلسطينيين ايضا. لقد تجاهل وزير الخارجية التغيرات التي حدثت في المنطقة في السنوات الاخيرة، التي في أعقابها نشأت الحاجة الى اعادة النظر في طريقة المفاوضات.

لقد طلب كيري الاعتماد على ستة مبادئ للمفاوضات من اجل الحل النهائي الاسرائيلي الفلسطيني، التي تبنتها ادارة اوباما. واذا تم تبني هذه المبادئ في مؤتمر السلام الدولي الذي من المفروض أن يعقد في باريس في منتصف كانون الثاني 2017، واذا وافق عليها الفلسطينيون فستكون الاساس السياسي والاخلاقي للخطوات المستقبلية لحل الصراع.

لا توجد لاسرائيل أدوات لمواجهة تبني مبادئ كيري في مؤتمر السلام في باريس، أو لعرضها من اجل التصويت في مجلس الأمن. كلما شددت الجهات الرسمية في اسرائيل على أن هذه المباديء لا أهمية لها، كلما زاد الدافع لدى الدول الاوروبية والادارة الاميركية التاركة من اجل فرض حقائق ومبادئ تضع الادارة الجديدة أمام تحدٍ وتقلص قدرتها على تنفيذ الوعود، أو تمكين اسرائيل من البناء بدون قيود في المستوطنات.

اليكم المبادئ التي وضعها كيري:

أ- حدود آمنة معترف بها بين الدولتين مع تبادل متفق عليه للاراضي: الحديث هنا عن أمر تم الاتفاق عليه في السابق. إلا أن الفلسطينيين يخشون من التفسير الواسع الذي قد يعطى لحجم المناطق في اسرائيل وفي الولايات المتحدة. أي الكتل الاستيطانية التي ترغب اسرائيل في ضمها وايضا العامل الامني في هذه الصيغة. وقد أشار كيري الى أن الكتل الاستيطانية ستبقى في أيدي اسرائيل في الحل النهائي. لكنه اعترف بحق الفلسطينيين في المشاركة في تحديد هذه الكتل، وأكد بشكل علني للمرة الاولى على أن تبادل الاراضي سيكون متساويا، متجاهلا بذلك الرسالة التي ارسلها الرئيس بوش لرئيس الحكومة شارون في العام 2004. وعلى ضوء الخلاف بين الادارة الاميركية والحكومة الاسرائيلية ورفض الادارة للبناء في المستوطنات، وعلى خلفية امتناع الولايات المتحدة عن التصويت على القرار 2334، فان الفجوة بين المواقف الاسرائيلية والمواقف الاميركية لادارة اوباما تتعلق بحجم الكتل الاستيطانية وما تحتويه.

ب- دولتان لشعبين: حسب موقف كيري، تتم بلورة هذا الاتفاق على اساس قرار الامم المتحدة 181 (قرار التقسيم). اضافة الى الطلب من الفلسطينيين الاعتراف باسرائيل على أنها دولة يهودية. رغم وجود أقلية عربية في دولة اسرائيل، التي تحصل على حقوق المواطنة المساوية لحقوق الاغلبية اليهودية، فان الحديث يدور عن عقبة صعبة أمام القيادة الفلسطينية. لأن هذا حسب رأيها على حساب حق العودة للاجئين الفلسطينيين الى اراضيهم. وسوف تجد الفصائل المختلفة وعلى  رأسها حماس، صعوبة في الموافقة على هذا المبدأ. المسؤول عن ملف الخارجية في السلطة الفلسطينية، رفض الخطاب بسبب هذه النقطة، رغم أن شخصيات رفيعة المستوى في السلطة تعاملت مع هذا الخطاب بشكل ايجابي. ومع ذلك، يمكن التغلب على هذه العقبة اذا لم يطلب الاعتراف الرسمي والعلني من قبل الفلسطينيين بالدولة اليهودية. أو اذا اتخذت الدول العربية قرارا بهذا الاعتراف. واذا حدث ذلك فسيكون خطوة نوعية في طريق الحل بين اسرائيل والفلسطينيين والعالم العربي.

ج- موضوع اللاجئين: حسب كيري، يجب أن يكون حل هذا الموضوع عادلا ومتفقا عليه وواقعيا. هذه الصيغة تشبه ما جاء في المبادرة العربية. رغم أن اضافة كلمة واقعي تشير الى أن تحقيق طلب عودة اللاجئين الى بيوتهم ليس أمرا واقعيا، على ضوء التطورات التي حدثت في الساحة العالمية وفي المنطقة. وقد أكد كيري على أن عودة اللاجئين الفلسطينيين ستكون الى الدولة الفلسطينية. وطلب من اسرائيل الاعتراف بمعاناة الفلسطينيين ودورها في نشوء هذه المشكلة، كاستجابة لطلب الفلسطينيين بأن تعترف اسرائيل بمسؤوليتها – الامر الذي ترفضه اسرائيل بشدة. ويشار الى أن كيري لم يذكر أبدا مشكلة اللاجئين اليهود من الدول العربية.

د – القدس الموحدة – عاصمة الدولتين: هذه هي المرة الاولى التي تتبنى فيها الادارة الاميركية علنا مبدأ أن القدس هي عاصمة الدولتين، ومحظور تقسيمها. هذا الموقف عارضته اسرائيل وأيده الفلسطينيون. وفي نفس الخطاب لم يتم التمييز الواضح حول حدود القدس والسيادة. واضافة الى ذلك، التطرق في الخطاب للاماكن المقدسة التي توجد كلها في شرقي المدينة كان غامضا، وتجاهل بشكل كامل عن الحقائق الديمغرافية التي نشأت في القدس في الخمسين سنة الاخيرة.

هـ - احتياجات اسرائيل الامنية: لقد أكد كيري على مبدأ نزع سلاح الدولة الفلسطينية. ويتوقع أن يتحفظ الفلسطينيون من موضوع نزع السلاح، انطلاقا من حاجتهم الى مواجهة المنظمات الجهادية المتطرفة في الداخل وفي الخارج، الامر الذي يتطلب الى أكثر من قوات شرطية. وقد تجاهل كيري تماما الاحداث التي حدثت في السنوات الاخيرة في الشرق الاوسط، وصعود قوى تضعضع استقرار الدول والانظمة القريبة من اسرائيل. وخطر أن تكون الدولة الفلسطينية دولة اخرى فاشلة، على مسافة قصيرة من عاصمة اسرائيل ومراكز السكان.

و – انهاء الصراع ونهاية المطالب: كيري ذكر هذا المبدأ، الذي سيكون مقدمة للتطبيع والتعاون الاقليمي. ليس من المفروض أن يكون هذا المبدأ عقبة أمام الفلسطينيين إلا اذا شمل انهاء مشكلة عودة اللاجئين دون أن يعود أحد، ولو بشكل رمزي، الى داخل اسرائيل.

الجزء المهم الذي لم يظهر في خطاب كيري، هو موضوع الاجراءات التي يستطيع الطرفان القيام بها كمقدمة للمفاوضات من اجل الحل النهائي. ويتبين من اقواله أنه يفهم بأن الاجراءات الميدانية – البنى التحتية والاقتصاد الفلسطيني – هي حيوية من اجل تطوير خيار الاتفاق مستقبلا. ولو تطرق كيري الى الوضع الاقليمي والعلاقات داخل المجتمع الفلسطيني وبينه وبين اسرائيل بشكل أكثر عمقا كما تطرق الى سياسة الاستيطان الاسرائيلية، لكان يمكن أن يحظى هذا الجزء بحيز أكبر في اقواله. أهمية هذه الخطوات هي التقدم الذي يمكن عمله حتى لو غاب الاتفاق الشامل. ورفض المبدأ الفلسطيني القائل "كل شيء أو لا شيء". السلطة الفلسطينية واسرائيل غير جاهزتين لاستئناف المفاوضات على جميع المواضيع التي تطرق اليها كيري، وحل الصراع المعقد بضربة واحدة. لقد رفض الفلسطينيون الاتفاقات الجزئية والانتقالية والحل المرحلي، بما في ذلك المسائل التي اشار اليها كيري في خطابه مثل المياه والاقتصاد. إن اعتراف كيري بأهمية هذه النظرة، جاء في الايام الاخيرة من ادارة اوباما، لكن تأييد الرباعية الدولية لها ينشيء فرصة للتقدم. الامكانية الفعلية التي اعترف بها كيري رغم التأخير، التي من خلالها يمكن الحفاظ على بقاء حل الدولتين للشعبين هي التوصل الى اتفاقيات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية في المواضيع التي تؤثر على حياة السكان الفلسطينيين، والتي تشمل التغيير الميداني وبناء الأساس المطلوب لبناء الدولة الفلسطينية في المستقبل.

ما هي التأثيرات الفورية لخطاب كيري؟ من تمت دعوتهم لمؤتمر باريس سيواجهون سؤالا حول تبني هذه الصيغة. وبشكل سريع اتخاذ قرار في مجلس الامن (لافشال استخدام الفيتو من ادارة ترامب). لقد عبرت اسرائيل عن معارضتها لذلك، ولدى الفلسطينيين ايضا تردد. إن الدمج بين القرار الذي اتخذ في مجلس الامن حول عدم قانونية المستوطنات مع قرار محتمل حول المركبات الاساسية لحل الصراع، سيكون انجازا فلسطينيا، سواء على المستوى الاخلاقي أو على مستوى سياستهم الموجهة لترسيخ حقهم في الدولة السيادية، على الاقل في الضفة الغربية كلها وفي قطاع غزة. ولكن هذه القرارات ستصعب على استئناف المفاوضات في المستقبل. لأن الفلسطينيين لن يوافقوا على أقل من الوقف الكامل للبناء في جميع المستوطنات والموافقة على مبادئ كيري كشرط لبدء المفاوضات.

لا توجد لاسرائيل أدوات كثيرة لمواجهة امكانية تبني مبادئ كيري في مؤتمر السلام الذي سيعقد في باريس، أو التصويت عليها في مجلس الامن. كلما أكدت جهات رسمية في اسرائيل على أن هذه المباديء غير هامة، وأن ادارة ترامب ستدخل الى البيت الابيض قريبا، كلما زاد دافع الدول الاوروبية وادارة اوباما من اجل فرض حقائق ومباديء تضع الادارة الجديدة أمام التحدي، وصعوبة تحقيق الوعود، ومنها نقل السفارة الاميركية الى القدس والسماح لاسرائيل بالبناء بدون قيود.

إن افشال قرارا دوليا، في المقابل - في مؤتمر باريس أو في مجلس الامن - حسب الصيغة التي طرحها كيري، سيتم فقط اذا صمم الفلسطينيون على تغيير المباديء التي طرحها في خطابه والتي لا تلائم طموحاتهم. واذا تم طرح صيغة معدلة للتصويت في مجلس الامن، ستضطر ادارة اوباما الى استخدام الفيتو. وفي نفس الوقت تستطيع اسرائيل التوجه الى روسيا أو مصر وبمظلة من ترامب وأن تطلب المساعدة على منع هذه الخطوة الدولية، التي يتوقع أن تعمق الجمود السياسي. ودعم الخطوات التدريجية التي ذكرت في خطاب كيري، التي من شأنها فتح خيارات مستقبلية، منها نشاط اقتصادي وبنى تحتية في مناطق ج واتفاقيات حول المياه والمراكز الصناعية الفلسطينية وتحسين وضع سكان قطاع غزة. وعلى اسرائيل أن تتبنى خيار التقدم التدريجي لتحقيق الهدف النهائي وهو دولتان لشعبين. إن رفض المباديء التي طرحت بشكل كامل، سيعزز صورة حكومة اسرائيل كرافضة للسلام وعقبة أمام الحل. لذلك هناك ضرورة هامة لتبني استراتيجية من شأنها أن تقلل الاضرار، سواء الناتجة عن قرار مجلس الامن في مومضوع المستوطنات، أو قرار آخر حول مبادئ كيري.

من المشكوك فيه أن تقتنع حكومة اسرائيل بأن هذه هي الخطوة الحيوية والصحيحة. ايضا على خلفية التهديد بقرار يصدر عن مجلس الامن ولا يكون مقبولا عليها وعلى الاغلبية في الكنيست. الردود الاولية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على خطاب كيري لا تشير الى أنه يفكر في الرد العقلاني والبناء، لأن الصورة القتالية تتغلب على تحمل مسؤولية النتائج السلبية الآنية، بعيدة المدى، للرفض المطلق.