عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 31 كانون الأول 2016

أنت تُغرق في الخيال

هآرتس– شاؤول أرئيلي

إذا كان ثمة مؤشر واضح على أن "روح الزمن" التي تحوم فوق إسرائيل اليوم هي روح المسيحانية، انغلاق الحس والانقطاع فهو انتصار الخيال على الواقع على الارض. لا شك أن حسم الوعي يمكن تحقيقه ايضا دون صلة بصورة الوضع في ميدان المعركة، والحرب النفسية يمكنها أن تؤدي الى النتيجة المنشودة، حتى لو كان الوضع المادي يعرض صورة معاكسة، ولكن بخلاف روح الزمن المعركة هي حدث محدود في الزمان والمكان.

من الصعب أن نفهم الانعطافة التي قام بها أ.ب يهوشع الذي أسرته روح الخيال واختار رفع العلم الابيض باسم حل الدولتين. في أزمته توجه الى حلول منقطعة عن تاريخ النزاع وعن الواقع الديمغرافي والاقليمي في الضفة الغربية.

فلو كان يهوشع يسافر مثلا من غوش عتصيون الى جنوب جبل الخليل، لكان اكتشف بأن سيارته هي واحدة من السيارات الاسرائيلية القليلة التي تسافر في قافلة طويلة من السيارات الفلسطينية وأنه تحميه عشرات دوريات الجيش الاسرائيلي واستحكامات الاسمنت. كان سيكتشف بان في هذه المنطقة لا توجد سوى بلدة يهودية واحدة يعيش فيها أكثر من 5 الاف نسمة– كريات أربع– وهي مغروسة في محافظة الخليل، حيث يعيش 750 الف فلسطيني. وعندها ما كان ليتجرأ على القول ان السيطرة الديمغرافية والاقليمية للفلسطينيين "مهددة" من قبل بلدات المجلس اليهودي جنوب جبل الخليل، الذي يبلغ عدد سكانه 8.410 فقط.

وكبديل، لو كان سافر الى شمال "السامرة" واجتاز جدار الفصل في معبر ريحان، لاكتشف يهوشع بان التواجد الاسرائيلي يتلخص في بلدتين صغيرتين، مافو دوتان وحرمش، حيث يسكن 718 اسرائيليا يتنفسون من قبل حركة "امانه"، يشحنون بالوقود المالية الاستثنائية وتحميهم قوات غفيرة من الجيش. في المنطقة حولهم، بين نابلس وجنين، يعيش اليوم 400 الف فلسطيني.

من هنا يمكن ليهوشع أن يواصل نحو غور الاردن وان يشاهد على طول الطريق مئات الاف دونمات الارض الزراعية بملكية فلسطينية. سيكتشف أنه في المجلس الاقليمي عرفوت هايردين، الذي يقع على نحو 15 في المئة من مساحة الضفة توجد 22 بلدة صغيرة جدا يسكن فيها 5.101 اسرائيلي فقط. في بعض من البلدات يوجد انخفاض مطلق في عدد الاسرائيليين وفي الذروة توجد معاليه افرايم، التي واحد من كل أربعة سكانها تركها في السنوات الخمسة الاخيرة. وختاما، يمكن ليهوشع أن يسافر جنوبا الى المجلس الاقليمي ميغيلوت، ويكتشف أنه في 8 في المئة أخرى من مساحة الضفة الغربية لا يسكن سوى 1.431 اسرائيليا في ست مستوطنات فقط.

معطيات كثيرة ومهمة يجب على يهوشع أن يستخرجها من مواقع الكترونية رسمية لدولة اسرائيل. فمثلا، يتمتع الفلسطينيون باغلبية ديمغرافية حاسمة بمعدل 82 في المئة في الضفة الغربية. 60 من اصل 126 مستوطنة تعد كل واحدة منها أقل من 1000 نسمة، ويسكن فيها 28 الف اسرائيلي فقط. في 51 مستوطنة اخرى، يتراوح عدد سكانها بين 1000 و 5000 نسمة كل واحدة منها يسكن 114 الف اسرائيلي فقط. الـ 15 مستوطنة المتبقية هي تلك التي تشكل "الكتل الاستيطانية" الاسرائيلية. ومع شرقي القدس، تقع "الكتل" على 4 في المئة من مساحة الضفة فقط ويسكن فيها نحو 80 في المئة من الاسرائيليين الذين يعيشون خلف الخط الاخضر. هذه هي المناطق المرشحة للضم الى اسرائيل في إطار تبادل المناطق، وأحد ليس مطالبا بان يخلي "450 الف مستوطن".

وحقائق اخرى من المهم التعرف عليها: نحو 60 في المئة من قوة العمل الاسرائيلية في الضفة يعملون في نطاق الخط الاخضر. 25 في المئة اخرى، ضعف المتوسط في إسرائيل، يعملون في جهاز التعليم. يتبين انه كلما كانت البلدة أصغر واكثر عزلة، فان معدل العاملين فيها في خدمات المجلس وجهاز التعليم أكبر، ويمكن أن يصل الى 80 في المئة. اضافة الى ذلك، فان تقرير الجدول الاجتماعي– الاقتصادي الذي نشره مؤخرا مكتب الاحصاء المركزي، يشير الى تدهور اجتماعي– اقتصادي لسبع مجالس يهودية في المناطق. كما أنه من المهم الاشارة الى ان المدينتين الاصوليتين الكبريين، بيتار عيليت وموديعين عيليت، حيث يسكن نحو ثلث الاسرائيليين في المناطق، تصنفان في العنقود رقم 1. بمعنى، الاستيطان فيهما مدعوم حكوميا. مشروع الاستيطان يتلقى الهواء للتنفس من ميزانيات استثنائية. فقد وجد معهد "ماكرو" أن ميزانية 2017– 2018 التي اقرت مؤخرا ستمنح لكل اسرائيلي في المناطق أربعة اضعاف المتوسط القطري تقريبا، وعشرات في المئة اكثر من المقيم في الجليل أو في الجنوب.

ورغم ذلك، ففي العشرين سنة الاخيرة هناك انخفاض كاسح في معدل النمو السنوي لعدد المستوطنين من 10.4 في المئة الى 4 في المئة فقط. كما أن عوامل النمو السكاني تغيرت. فاليوم ثلث النمو فقط مصدره الهجرة من نطاق الخط الاخضر الى المناطق، بينما ثلثاه مصدرهما الزيادة الطبيعية (نصفها يتم في المدينتين الاصوليتين بيتار عيليت وموديعين عيليت، التي ستضمان الى اسرائيل في كل سيناريو). الاسرائيليون لا يسافرون في ثلثي طرق الضفة. وفي الضفة لا توجد زراعة ولا توجد صناعة اسرائيلية ضد مغزى ويكاد يكون كل العاملين في هذه المجالات هم فلسطينيون.

لو كان يهوشع انتبه الى كل هذه الحقائق لكان فهم بأنه بالذات انطلاقا من محاولة التغلب على فشل مشروع الاستيطان ولدت خطة ضم المناطق "ج"، مثلما يعترف بينيت نفسه. "الضم الكامل ليهودا والسامرة بمليوني عربي فيهما.. ليس قابلا للتطبيق ويعرض للخطر مستقبل اسرائيل لاسباب أمنية، ديمغرافية وقيمية". وفي لاحق سياق الجولة كان يهوشع سيكتشف، كم هي مدحوضة "خطة التهدئة" لبينيت من النواحي الأمنية، السياسية، القانونية وبالاساس المادية. تسهل الملاحظة بانه خلافا لما عرض في الفيلم الدعائي للبيت اليهودي، فان مناطق "أ" و "ب" ليستا كتلتين متواصلتين، تمتدان على مساحة 40 في المئة من الضفة، بل تتضمن ما لا يقل عن 169 كتلة وبلدة فلسطينية مبتورة من قبل عدد لا يحصى من الاروقة الاسرائيلية وميادين النار غير المستغلة من الجيش الاسرائيلي، التي توجد تحت تعريف المنطقة "ج".

كان يهوشع سيفهم، بأن عمليا بينيت يقترح تمديد الحدود من 313 كيلو مترا الى 1.800 كيلو متر. اذا واصل تصديق بينيت، فسيكون ممكنا عندها تفكيك الجدار الأمني الذي بنته اسرائيل حتى الان بكلفة 15 مليار شيقل، ولكن عليه أن يستوعب حقيقة أن ضم المناطق "ج" معناه أن اسرائيل ستكون مطالبة بان تبني جدارا على طول الحدود الجديدة بكلفة 27 مليار شيقل، وتخصيص 4 مليارات شيقل اخرى في السنة لاغراض الصيانة.

من معاينة للخرائط كان يهوشع سيكتشف بان 50 في المئة من مناطق "ج" هي اراض فلسطينية خاصة، معظمها زراعية، مسجلة على اسماء السكان من 276 بلدة فلسطينية. ومن هذا كان سيفهم بان اسرائيل ستكون مطالبة بان تفتح مئات البوابات الزراعية، حسب نموذج جدار الفصل اليوم، وذلك بكلفة العديد من المليارات.

هذا هو المكان للاشارة الى أن بينيت تعهد في خطته "بخلق تواصل مواصلاتي كامل للفلسطينيين باستثمار لمرة واحدة بمئات ملايين الدولارات، ما يسمح للسكان العرب بالوصول الى كل نقطة في يهودا والسامرة، بلا حواجز أو جنود".

وأخيرا، محظور أن ننسى بأن خطوة ضم كهذه ستقضي على السلطة الفلسطينية وستلزم اسرائيل باعادة اقامة الادارة المدنية، التي تبلغ كلفة تشغيلها السنوية نحو 11 مليار شيقل.

وبالنسبة لنتنياهو، بينيت وباقي المؤيدين للضم، تبين لنا منذ الان بان الحقائق والواقع المادي ليستا المعيار لتحديد سياستهم. وبالفعل، محق يهوشع في أنه لا احتمال لاتفاق مع الفلسطينيين تحت حكومة نتنياهو، ولكن لا يمكن الادعاء بان الواقع المادي هو ما يؤدي الى ذلك. لقد سبق أن كتب يهوشفاط هركابي في 1982: "خطر الخطأ الوطني كان كاملا في مجرد وجودنا كبلاد حلم إذ ان الحلم يسعى الى تغيير الواقع. ولكن حجم الحلم، الذي يشترط تجسده، هو واقعنا، الكامن في انه رغم ان الحلم يسعى الى التعالي على الواقع، فان أقدامه مغروسة فيه دوما. هذا هو الفرق بين الحلم والخيال الذي يحلق على اجنحة الوهم".

ان حلم الدولة اليهودية الديمقراطية الذي يقبع في اساس حل الدولتين، اكثر واقعية اليوم ايضا، من حلم الدولة القومية– المسيحانية– الوحدة لنتنياهو وبينيت. وحده حل الدولتين ينطوي على حلم اخلاقي. اما تجاهل الواقع القائم واضطراراته، انطلاقا من الامل بان الرمز والحلم سيصممان واقعا آخر، فهو وصفة مؤكدة لتدهور وانزلاق خطير نحو المصيبة.