عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 30 كانون الأول 2016

مرثية للدولتين

يديعوت - ناحوم برنياع

تحدث جون كيري أمس (الاول) الى رجل واحد، الى نفسه، الى قناة إرثه؛ أما بنيامين نتنياهو الذي سارع الى الرد، تحدث هو ايضا الى رجل واحد، الى دونالد ترامب. في تاريخ النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني لم يكن الحوار بينهما الا ملاحظة هامشية. كيري قال ما لديه وذهب ليحزم أمتعته؛ وفي البيت الابيض أيضا يحزمون – القول هو أن لا نية لاي خطوة اخرى.

إذ حصل شيء ما في أعقاب الخطابين فهو سيحصل في احدى الهيئات الدولية بمبادرة حكومة أخرى. فنتنياهو كاد يستدعي مبادرة كهذه، بالاقوال الفظة، الاستفزازية التي قالها امس بالانجليزية (صيغته العبرية كانت مختلفة جوهريا) ورفع امكانية أن تقوم دولة مثل السويد فتطرح صيغة كيري للتصويت في مجلس الامن.        

لا يبقى للاسرائيليين الا التساؤل: لماذا يكابد كيري هذا العناء في قضيتنا، أفليس له مواضيع مفرحة أكثر ينشغل بها عشية السنة الجديدة: ولماذا هام بهذا القدر لنتنياهو أن يعض اليد التي اطعمته باخلاص في الثماني سنوات الاخيرة. ماذا يعطيه هذا؛ ماذا يعطي هذا الدولة التي يقف على رأسها. فمعظم الاسرائيليين والفلسطينيين كفوا عن الايمان بان حل الدولتين سيتجسد في أي وقت من الاوقات. كيري لا يزال يؤمن. السلام هنا كان يفترض أن يكون الجوهرة في تاج ولايته، جائزة نوبل خاصته. فالجهد الذي بذله في المفاوضات كان هائلا، والفشل ذريع. ومثل كثيرين قبله يعيش باحساس بان الاتفاق على مسافة لمسة، وكل ما يحتاجه الطرفان هو صيغة مناسبة، مباديء، مقاييس، واذا بالسلام يأتي.

لقد أوضح رد نتنياهو بأن: لا مبادئ، لا مقاييس، لا اتفاق. قتلنا خطاب بار ايلان؛ وسنقتل ايضا خطاب كيري. صيغته ما كانت جديرة حتى بالذكر في اقوال نتنياهو – لهذه الدرجة.

وبالفعل، حل الدولتين مات، أو على الاقل دخل في جمود عميق، وحدها ظروف استثنائية، ترامبية او مصيبة فظيعة تعيده الى الحياة. لقد أقام كيري أمس نصبا تذكاريا للحل، وليس وصفة للحل. خطاب تأبين لحل الدولتين القاه كيري في منتدى سبان في واشنطن، في السنة الماضية وهذه السنة وفي مناسبات اخرى. ذات الوصف البشع للحقائق، ذات جروح الحبيب، ذات التحذيرات. هذا لا يعني أنه لم يكن دقيقا. فما يراه هو يراه اسرائيليون كثيرون بقلق واحباط متفاقمين.

"كيري"، قال لي ذات مرة احد مساعديه، "يميل لان يرى المشاكل من زاوية نظر الطرف الاخر. وهو يحاول أن يدخل في حذاء الغير".

عندنا في الشرق الاوسط قلت له، الناس لا يقدرون مثل هذه المراعاة. فهم يتوقعون ان يعرض وزير الخارجية الاميركي قبل كل شيء مصالح اميركا. فقال الرجل: "يحتمل، ولكن لا يمكن عمل أي شيء، فهكذا هو كيري".

في خطاب أمس خصص كيري حديثا أيضا عن المصالح والقيم الاميركية. غير أن صورة المصالح وفي واقع الامر ايضا صورة القيم، في هذه الاثناء تغيرت تماما مع صعود ترامب وصعود الترامبية. احد لا يعرف ماذا ستكون عليه سياسة ترامب في الشرق الاوسط، وكيف سيعرف مصالح اميركا، وعلى أي قيم سيكافح.

نتنياهو ايضا لا يعرف. خطابه أمس (الاول)، بالصيغة الانجليزية جاء ليري ترامب بانه هو ايضا يعرف كيف يحتقر السلامة السياسية. يعرف كيف يدخل في مشادة، يلصق الاتهامات، يهين شخصيا من يتجرأ على الاختلاف معه، تماما مثل ترامب. لم تكن أي نقطة لقاء بين الرجلين: كيري تحدث عن الاستيطان في قلب السكان الفلسطينيين؛ نتنياهو تحدث عن الحائط الغربي. كيري تحدث عن التدهور الى دولة ثنائية القومية (دون أن يذكر الكلمة) عن نظام أبرتهايد ("ننفصل ولكن لسنا متساوية"، مثلما في جنوب افريقيا القديمة)؛ نتنياهو تحدث عن حمام الدماء في سوريا. اليوم، في عصر ترامب، السياسيون لا يردون على الادعاءات: فهم يدون بالهجوم (نتنياهو لم ينسَ، بالطبع، ان يذكر كونه ضحية شخصية للارهاب. ليس مرة واحدة – مرتين).

70 دقيقة استمر خطاب كيري، 70 دقيقة من الحديث في عالم التغريد من 140 حرفا. الوزير يريف لفين، الذي سبق نتنياهو في الرد على الخطاب كتب ان كيري منقطع عن الواقع. وكان محقا في كل ما يتعلق بطول انصات مشاهدي التلفزيون. ولم يكن محقا بالنسبة للحياة الحقيقية، تلك التي توجد بين النهر والبحر. إذ يمكن الهزء بكيري، بالحاحه، بمزايداته، بمديحه لذاته. ولكن زحفنا نحو واقع الدولة الواحدة لا يمكن نفيه.