عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 29 كانون الأول 2016

قوة علمانية ساحقة

هآرتس – أوري افنيري

 

في المقال الممتاز في "هآرتس" 18/12، يتحدث رامي لفني عن عدة اسباب لسيطرة الدين على الدولة. وأنا أريد اضافة عنصر آخر، الحاسم حسب رأيي، العلمانية الاسرائيلية فقدت مضمونها الفكري.

أعتقد أن ذلك كان لينين الذي قال إنه لا يوجد عمل فوري دون فكرة ثورية (اذا لم يقل، كان يجب أن يقول). عندما قامت الحاضرة العبرية في البلاد، كانت علمانية بشكل كامل تقريبا. الحاضرة الحريدية في القدس أثارت التضامن والتسامح. الصهاينة المتدينون كانوا قلة تعرضت للاستخفاف.

الحاضرة الجديدة كانت "طلائعية"، اشتراكية، قومية علمانية. في العام 1934 تم ارسالي كولد الى نهلال لعدة اشهر. وكان سكان الحاضرة في حينه يعيشون في البيوت الحجرية. كان "بيت الشعب" – مبنى فاخر ومبنى كبير لحلب المواشي. وكان ايضا كنيس: عريشة قديمة مهملة. ايام السبت صلى فيه الشيوخ الذين تعامل معهم الجمهور برأفة.

عندما قامت الدولة كان دافيد بن غوريون على قناعة بأن بقايا المتدينين سيختفون خلال جيل أو جيلين. وجميعنا اعتقدنا ذلك. وإلا لما منح بن غوريون للمتدينين شبكات تعليم خاصة بهم في الوقت الذي قضى فيه على "تيار العمال". وكان بن غوريون مناهضا متطرفا للدين ورفض وضع القبعة في الجنازات ايضا.

ما الذي حدث اذا للدولة التي تسقط الآن ضحية للسيطرة الدينية المعادية؟.

حسب رأيي، السبب الرئيس هو التحمس الايديولوجي للجمهور الديني، ومقابل ذلك غياب التحمس لدى الجمهور العلماني. التعليم الحكومي الديني أوجد شبابا يزدادون تطرفا جيلا بعد جيل. بعد حرب الايام الستة التي احتلت فيها اسرائيل جميع اجزاء البلاد التاريخية، بدأ الشباب في اقامة المستوطنات. وتداخل التدين مع القومية المتطرفة. ووجد خليط فكري اصولي مشتعل، روحانيا وعمليا.

وماذا حدث للجمهور العلماني الذي شكل قبل العام 1967 الاغلبية الكبيرة؟ لم يحدث له أي شيء. فقد غرق في الحياة المريحة. وأدار ظهره للايديولوجيا. وتلاشت الطلائعية. الكيبوتسات التي هي العمود الفقري للعلمانية الاسرائيلية تفككت من قيمها. الثقافة العبرية الجديدة، العلمانية في جوهرها، اصبحت ضعيفة وتلاشت تقريبا. ودخل الدين الى كل زاوية على هيئة "اليهودية".

قبل قيام الدولة كانت عدة محاولات لخلق ايديولوجيا علمانية جديدة. أبرزها محاولة يونتان رتوش لتشكيل التيار الذي عرف باسم "الكنعانيين". وفي بداية الاربعينيات قال رتوش إن الجيل الذي قام في البلاد ليس "يهوديا" بل "عبريا". وطالب بالانفصال التام عن الشعب اليهودي واليهودية التي اعتبرها عاملا مدمرا. اهارون أمير، بنيامين تموز وتلاميذه تبنوا نظريته بأصولية.

لقد كان تطرف رتوش واضحا في نظريته. ونظرته المعادية لليهودية تم رفضها بغضب، خصوصا بعد أن تبينت ابعاد الكارثة في البلاد. الشباب العبري كان مشغولا في الصراع ضد البريطانيين. اشخاص مثل يغئال الون واسحق رابين وغيرهم في الايتسل والليحي لم يهتموا بالايديولوجيات. لقد كانوا "عمليين".

بعد ذلك ببضع سنوات، أقمت مع عدد من الاصدقاء جماعة "في الصراع"، وهي ايضا زعمت أننا أمة "عبرية" جديدة في البلاد، لكن خلافا لرتوش قلنا إن الأمة الجديدة تنتمي للشعب اليهودي. وخلافا لرتوش الذي أنكر وجود أمة عربية، اعترفنا بالحركة القومية العربية واقترحنا عقد تحالف أخوي معها.

المجلة التي قمنا بنشرها "في الصراع" أثارت الغضب الكبير. وبعد صدور العدد الاول في العام 1945، كتب في صحف الحاضرة 140 رد، جميعها معادية تقريبا، بل ومسمومة، (الكاتب موشيه شمير أطلق عليها اسم "منصة غبار").

حرب العام 1948 محت كل هذه المحاولات. الشباب العبري خرج للحرب، وخرج منها مصابا. 6.300 قتيل من الحاضرة، كان معظمهم شباب.

وبعد الحرب جاءت الهجرة الجماعية. كثير من المهاجرين من الشرق كانت نظرتهم للدين ايجابية رغم أنهم لم يكونوا اصوليين. ولم تقم أي ايديولوجيا علمانية جديدة.

هذا هو الوضع الآن: جمهور ديني مصمم، مملوء بالايديولوجيا الاصولية، يعتمد على المستوطنين المعتدين، أقام شبكة حزبية فعالة. وأمامه يقف الجمهور العلماني الضعيف غير المتحمس والذي لا يملك الفكرة المتقدة. ويعتبر العلمانيون انفسهم ليبراليون على الاكثر – وهذا مفهوم اجنبي لا يعني شيئا بالنسبة لاغلبية الاسرائيليين. انه يتحدث اكثر عن المجال الخاص وليس المجال العام.

مثال على ذلك هو يئير لبيد، إبن لأب غير متدين، بل معاد للدين. الابن يبحث عن شراكة مع المتدينين من اجل الوصول الى السلطة. لا يعقل خلق تحالف مع العرب.

مبرر ضعف اليسار على جميع الجبهات هو أن العمل على انهاء الاحتلال هو الاهم. ولكن هذا صراع واحد. لا يمكن أن ينجح الصراع من اجل السلام، طالما أن هناك اشخاص مثل نفتالي بينيت يسيطرون على الدولة. وباستثناء جماعة صغيرة مثل "حاخامات من اجل حقوق الانسان"، فان الجمهور المتدين مجند ضد السلام.

أنا لا أطلب كراهية المتدينين. كل شخص وقناعته. أنا أعارض فرض الدين واؤيد الفصل الكامل بين الدين والدولة. وهذا لن يحدث طالما لم تقم في البلاد قوة علمانية ساحقة ومصممة ومتحمسة ولها قوة سياسية وايديولوجية واضحة.