عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 18 كانون الأول 2016

في اسرائيل.. يتجاهلون الفقر

بقلم: ميكي بيلد

 

2.897 شيقلا غير صافية في الشهر هو مخصص ضمان الدخل الذي يفترض أن تعيش عليه عائلة من أربعة نفوس بينها أبوان عاطلان عن العمل وطفلان. نحو 93 الف عائلة في اسرائيل تعيش من هذا المخصص على أنواعه، سواء كان شخصا منفردا أم عائلة كثيرة الاولاد.

حتى من ليس اقتصاديا يختص بسياسة الرفاه يفهم بانه لا يمكن لأي عائلة من أربعة نفوس في اسرائيل ان تعيش بمثل هذا المخصص. خط الفقر، ذاك الخط الخيالي الذي يحسر دونه العائلات التي تعيش رسميا في الفقر، يتقرر حسب الدخل الشهري الشاغر (كل المداخيل من مصادر مختلفة كالاجر، المخصصات والتقاعد– بعد حسم الضرائب) لعائلة بمستوى 7.876 شيقلا في الشهر.

ومع ذلك، فان البطالة هي بالطبع ليست موضوعا عضالا بالضرورة، ومن الابوين متوقع العمل والكسب كي لا يعتمدان على المخصص. ولكن ماذا يحصل لأبوين في اللحظة التي يخرجان فيها للعمل في حالة أن يكونا يكسبان معا فوق 6.620 شيقلا في الشهر؟ فانهما يبدآن بفقدان مخصصهما بشكل تدريجي. عندما يصلان الى اجر شهري هو 5.297 شيقلا في الشهر، معا، سيفقدان تماما الاستحقاق للشواكل القليلة التي تبقت لهم من المخصص، ومعها أيضا قسم من الامتيازات التي تمنح لهما مثل التخفيض في ضريبة المسقفات– الارنونا.

اضافة الى ذلك، فليس فقط قسم من المخصص يقلص عند الخروج الى العمل، بل لأن للكثيرين من متلقي ضمان الدخل يوجد ايضا دين كبير في دائرة الاجراءات، فان معظم الأجر يوجه لتسديد الديون. وبكلمات احد الشهود الذين جاءوا قبل سنتين امام لجنة مكافحة الفقر (لجنة الالوف) فانه "اذا كسبت أجرا أعلى فحتى هكذا كل العلاوة ستذهب لدفع الديون لدائرة الاجراءات". وفي السطر الأخير، فان لاولئك الذين يتلقون مخصص ضمان الدخل ولا يرون امامهم امكانية لكسب اعلى نسبيا في سوق العمل، يكاد لا يكون هناك سبب يجعلهم يخرجون من البيت. والسؤال الذي ينبغي طرحه الان هو: لماذا هذا هو الوضع، ولماذا لا تسارع الحكومة الى اصلاحه؟

هذا لا يعني أن احدا لم يحاول تغيير الوضع القائم. فلجنة الالوف برئاسة رئيس لجنة العمل، الرفاه والصحة اليوم ايلي الالوف، التي تشكلت في عهد الحكومة السابقة، أوصت بزيادة كبيرة لمخصصات ضمان الدخل وتغيير الشكل الذي يتقلص فيها المخصص في ضوء الارتفاع في الأجر، بالضبط من أجل تشجيع الناس الذين يتلقون المخصص للخروج للعمل دون الخوف من أن وضعهم سيسوء فقط في اعقاب ذلك. ولكن توصيات اللجنة بقيت في معظمها في الجارور.

 

الفقر هو نتيجة تجاهل حكومي

كانت هذه هي المرة الاولى والوحيدة التي لم تحاول فيها لجنة حكومية أن تصف كيف يمكن اصلاح السياسة الحكومية لاخراج اكبر قدر ممكن من العائلات من الفقر وحسب، بل وأوصت أيضا بسياسة حكومية منسقة عامة، بما في ذلك مجالات السكن، التعليم، الصحة وغيرها، وكذا بتشكيل هيئة تنسق العمل ما بين الوزارات. شيئا من هذا لم يحصل.

يبقى الفقر نتيجة التجاهل الحكومي، من كل الحكومات الاخيرة. يمكن أن نرى ذلك ايضا في قاطع الميزانية المخصصة للخدمات الاجتماعية. كل ما ينبغي عمله هو النظر الى معدل الانفاق الحكومي في هذه المجالات بالنسبة للناتج العام في الاقتصاد، الذي يشكل مقياسا لكل القدرة الاقتصادية في المجتمع الاسرائيلي. صورة الوضع هي جمود في الميزانيات المخصصة للخدمات الاجتماعية.

منذ 2009 (في حينه دخل الاقتصاد الاسرائيلي في حالة ركود في أعقاب الازمة العالمية)، كل مخصصات التأمين الوطني وميزانية وزارة الرفاه تبلغ 10.9 من الناتج والخدمات المجتمعية كالمساعدة في ايجار الشقة، السكن الجماهيري فنحصل بعد ذلك على 0.4 في المئة من الناتج فقط. كل هذا يحصل رغم أن الاحتياجات الواضحة التي حددتها لجنة الالوف ستجري علاوة ميزانية بنحو 4 مليارات شيقل في السنة، او 0.4 في المئة أخرى من الناتج.

لجنة الالوف، التي كان يفترض بها أن تصيغ الخطة الكبرى التي بفضلها تكف اسرائيل عن ان تكون الدولة مع معدل الفقر الاعلى في الغرب، ادعت في التقرير الذي نشرته في حزيران 2014 بانه على مدى السنين كانت الميزانيات التي خصصت للخدمات الاجتماعية متدنية جدا. ومع ذلك، فقد وجدت أيضا معاذير وجيهة لذلك وأولها، وكيف لا، العجز.

 

الحكومة ملزمة قبل كل شيء بتقليص العجز في الميزانية

العجز الحكومي هو عال بالنسبة لمعظم دول الـ OECD، نحو 3.5 في المئة في اسرائيل مقابل متوسط نحو 1 في المئة في باقي الدول الاعضاء في المنظمة. وكتبت اللجنة في تقريرها بان السياسة الحكومية هي التركيز على تخفيض العجز، سواء من خلال تقليص النفقات ام من خلال رفع الضرائب. ولما كان الميل لدى كل الحكومات في العقد والنصف الاخيرين بشكل تقليدي وتخفيض الضرائب، فان كل ما يتبقى هو تقليص النفقات.

وتكتب اللجنة لاحقا أي نفقات يمكن تقليصها. فبزعمها، فان النفقات الامنية العالية لاسرائيل هي واجبة الواقع، ومن هنا يمكننا الاستنتاج بان الامكانية الوحيدة للتقليص هي في الميزانيات المدنية. وللدقة، ليس هذا تقليصا بل عدم رفع للميزانيات.

طالما كان التزام الحكومة هو قبل كل شيء لتقليص العجز الحكومي على حساب كل ما ليس أمنا، فانه لن تعطى أي علاوة ذات مغزى للميزانيات الاجتماعية، وبالتأكيد ليس بالحجم الذي اوصت به لجنة الالوف.

واضافة الى الميزانية المنخفضة للخدمات الاجتماعية، فان احدى المشاكل الاكبر التي تجعل من الصعب على الفقراء الخروج من وضعهم هي ما يمكن أن نسميه ديمقراطية الفقر. فالفقير بحاجة لان يتصدى لعدد لا يحصى من الطوابير، الاستبيانات، ساعات استقبال الجمهور والوثائق كي يفهم ما هي حقوقه وكيف يحصل على ما يستحق. وهذا هو الموضوع الوحيد الذي قررت الحكومة في هذه اللحظة ان تأخذ المسؤولية عنه وتفعل فيه شيئا ما.

 

النور في نهاية النفق... خطة مركزية قوية

في السنة الاخيرة، وبلا أي صلة بتوصيات لجنة الالوف أخذت وزارة الرفاه تحت رعايتها مشروعا يعالج هذه المصاعب بالضبط. نحو 95 مركز تنسيق تعمل في مكاتب الرفاه في البلديات في ارجاء البلاد فتحت، يعمل فيه عامل اجتماعي كل مهمته هو الحرص على استنفاد حقوق العائلات المأزومة. في حالات معينة يكون حتى مرافقون من المكتب يذهبون مع العائلة الى الطابور في التأمين الوطني أو وزارة الاسكان. يساعدونها على تعبئة الاستبيانات المناسبة وغيرها.

وتبلغ الكلفة السنوية للمشروع نحو 100 مليون شيقل في السنة، ومنها أيضا مشروع باسم "نتنفس الصعداء". ومن خلال هذا المشروع فان عائلات فقيرة ذات كفاءات عمل تحصل على مرافقة شخصية اكثر التصاقا، تتضمن مساعدا ماليا لها للقيام بتنظيم نفقاتها ومداخيلها وكذا ديونها لدائرة الاجراءات.

اضافة الى ذلك تتلقى العائلات صندوقا صغيرا بمبلغ 8 الاف شيقل للمساعدة الموضعية، يمكنها أن تنفقها على كل شيء يساعدها على الخروج الى العمل او لحل نقص خطير ما– من التأهيل المهني والعتاد للعمل، عبر تمويل علاج الاسنان وحتى الاجهزة الكهربائية الاساسية. وحتى الان اجتاز بوابات المشروع نحو 3 الاف عائلة.

صحيح أنه توجد ايضا رقابة على هذا المشروع، ضمن امور اخرى كون جزء من ملاكات العاملين الاجتماعيين هم بوظيفة جزئية ولا يمكنون من تحمل العبء، ولكن لا تزال تعد هذه المرة الاولى التي تأخذ فيها الدولة على عاتقها المسؤولية عن الحرص بشكل نشط على استنفاد حقوق الاشخاص الاضعف في المجتمع الاسرائيلي.

 

بعد سنتين... نصف توصيات لجنة الألوف فقط يتم تبنيها

أكثر من سنتين مرتا منذ نشرت لجنة مكافحة الفقر (لجنة الالوف) استنتاجاتها، وحسب فحص مركز "طؤوب" الذي نشر في الشهر الماضي، فان فقط نصف توصياتها تم تبنيها وان بشكل جزئي: فقد رفع مخصص استكمال الدخل للشيوخ الذين يعيشون في فقر، ازداد قليلا مخزون الشقق في السكن الجماهيري، بنيت دور رعاية نهارية أخرى وافتتح برنامج توفير لكل طفل.

توصيات أخرى تم تطبيقها، وان كل بشكل جزئي، تتضمن اضافة ملاكات من العاملين الاجتماعيين وادخال علاجات الاسنان للاطفال الى سلة الصحة.

ومع ذلك، فان توصيات مركزية للجنة ردت، مثل رفع مخصص ضمان الدخل، توسيع منحة العمل، توسيع كبير للتأهيلات المهنية بتمويل الدولة وشراء شقق للسكن الجماهيري.

البروفيسور جوني غال، الذي كان عضوا في لجنة الالوف واجرى الفحص، قال "مشكوك جدا اذا ما كان بوسع الخطوات التي اتخذت حتى الان وتلك المخطط لها ان تحقق أهداف اللجنة. وينبع الشك ضمن امور اخرى من أن الحكومة لم تنشيء قيادة لمعالجة الفقر، وهكذا تجعل من الصعب القيام بعمل منسق بين الوزارات لمكافحته".

لقد كان الهدف الرسمي للجنة هو تقليص معدل الفقر في اسرائيل بالنصف في غضون عقد، والوصول الى متوسط دول الـ OECD حيث 11 في المئة من النفوس فقيرة. وتقدر كلفة تطبيق التوصيات بـ 7.8 مليار شيقل، منها 4 مليارات شيقل استثمارات لمرة واحدة، والباقي علاوة ميزانية سنوية. عمليا، اضيف نحو 1.9 مليار شيقل فقط منذ 2014.

وصرح وزير الرفاه حاييم كاتس في الماضي بانه لا يرى نفسه ملزما بتطبيق توصيات اللجنة كما نصت عليه. وهكذا انقضت امكانية ان تقوم الحكومة الحالية بتطبيقها بشكل مرتب.

----------

عن "كلكليست"