عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 تموز 2015

ذاكرة أبو بكر وذاكرة العبد الفقير لله وصبري البنا

حافظ البرغوثي

تحدث عاطف أبو بكر الذراع الأيمن لصبري البنا "ابو نضال" لـ"للعربية نت" عن ان الزعيم جمال عبد الناصر تعرض للتسميم في الخرطوم بسم يستغرق مفعوله 12 شهرا من قبل صبري البنا الذي كان عميلا للموساد وصديقا حميما لجعفر نميري حيث ساعد الأخير في تصفية معارضيه في الخارج, ويذكر ان النميري ساهم في تهريب 15 الف اثيوبي الى اسرائيل بالتنسيق مع الموساد, فيما سمي آنذاك هجرة الفلاشا. ولا أعلم الآن أين يقيم عاطف بعد انشقاقه عن ابي نضال الذي قتل في بغداد اثر عودته اليها متنكرا عبر ايران وقيل انه عاد بهدف التجسس ضد نظام صدام وتم كشفه وقتله. ما اعرفه عن عاطف أنه ارسل رسالة تهديد لي وصلتني متأخرة قرابة سنة عن طريق الزميل الراحل توفيق أبو بكر في الكويت إذ بعد موجة تفجيرات صوتية في الكويت في العام 1982 نفذتها جماعة ابو نضال على مقرات لأمن الدولة واماكن عامة في الكويت بقصد ابتزاز الكويت لتدفع اتاوة لهم امتشق العبد الفقير لله قلمه مهاجما جماعة ابو نضال وكان مقرها في بغداد ووصفهم بأنهم مماليك الانظمة الذين يشوهون الثورة الفلسطينية، لأن استهداف الكويت هو استهداف للثورة حيث امدت الكويت الثورة بالمال والدعم السياسي ممثلا بالشيخ صباح الاحمد وزير الخارجية آنذاك وكانت الجالية الفلسطينية قرابة 400 الف هي الداعم بالمال والرجال للثورة وان التفجيرات ستضر بالجالية وتؤدي الى تسفير فلسطينيين لا علاقة لهم بها, ولعل هذه الجماعة استاءت من الهجوم فقررت تهديد العبد الفقير لله حيث إنه اثناء مغادرته "الديسك" الليلي في عمله بصحيفة الوطن كان يلاحظ ملاحقة سيارة له.. وراقب السيارة من نافذة شقته بعد نزوله حيث توقفت بهدف معرفة مكان سكناه.. وشعر بخطر داهم وابلغ رفاقه في خلية القطاع الغربي في الكويت فلاحقوهم وادعى هؤلاء أنهم يجوبون النقرة للتنزه وقتل الفراغ ولم يقتنع بما قاله الأخوة فقال وهل ملاحقته من الجريدة في منطقة الشرق حتى النقرة مجرد نزهة؟

وذات ليل من ليالي الطوز في الصيف بعد انتقال الوطن الى مقرها الجديد في الشويخ اطلقت النار على مبنى الجريدة عند الواحدة ليلا، حيث اختلط الامر على الجناة إذ كنت استعد كمشرف على الصفحة الاولى لانهاء الصفحة وكان المخرج متذمرا من التأخير لانتظاري خبرا فقلت له سأخرجها بنفسي وسمحت له بالانصراف وما ان خرج من الباب متجها الى موقف السيارات انطلقت رصاصة نحوه فأصابت الحائط فعاد مذعورا يكاد لا يتكلم فنزلت ورأيت اثر الرصاصة واتصلت برئيس مجلس الادارة الراحل الكبير محمد مساعد الصالح فطلب مني ان اتصل بشرطة الشويخ فقلت الأفضل ان يكون الاتصال منك.. وجاءت الشرطة وحققت في الموضوع كنت اظنني بعيدا عن الموضوع لكن تلقيت مكالمة ظهر اليوم التالي من مجهول يقول فيها "برغوثي هاي قرصة اذن" واغلق الخط.

كان المخرج صلاح يرتدي نظارة مثلي وظنه الجناة العبد الفقير لله اذ كان المعتاد ان اكون كمحرر صفحة اولى آخر المغادرين للمبنى وليس المخرج فأطلقوا رصاصة واحدة عليه.. وبعد فترة حضر شخصان الى مكتبي من مباحث امن الدولة سألا عن اسماء ان كنت اعرفها ولم اكن اعرف ايا منها وكنا نشرنا نبأ رسميا عن اعتقال خلية من جماعة ابو نضال في الكويت قدموا لاحقا الى المحكمة.

واثناء حصار بيروت وبينما العقول والنفوس تتجه نحو بيروت جاءت سكرتيرة رئيس التحرير عبلة العلمي طالبة مني المسارعة الى مكتب رئيس التحرير الراحل محمد جاسم المطوع كان يضع سماعة الهاتف على اذنه ويستمع واشار ان اجلس بصمت وامتقع وجهه.. وبعد ان وضع السماعة قال انه ابو نضال اتصل به يهدده لاننا نشرنا ملف محاكمة رجاله ووصفناه بأنه المنشق عن فتح فقلت ان هذا ورد في ملف الاتهام وليس منا.

ثم قال الأهم انه تعهد بقتل ياسر عرفات والزميل حنا مقبل وانت، فقلت ولماذا انا وضحكت قائلا عرفات محاصر وحنا مراسلنا في بيروت محاصر ايضا فليذهب تحت الحصار لاغتيالهما.

شاءت الظروف بعد خروج المقاومة من بيروت ان يأتي الزميل حنا مقبل الى الكويت حيث عائلته وان يزور "الوطن" وجلسنا معه وسردت له حكاية مكالمة ابو نضال فابتسم ولم يعلق وغادرنا الى قبرص حيث جرى اغتياله من قبل جماعة ابو نضال.

تبين ان أمن الدولة الكويتية الذي اعتقل خلية ابو نضال وجد معهم صورة للعبد الفقير تم قصها من جريدة الوطن وابلغني الزميل مصطفى ابو لبدة مدير تحرير السياسة بعد فترة من ذلك ان مباحث امن الدولة جاؤوا الى مكتبه قبل ذلك ومعهم صورتي وسألوا عن صاحبها فأبلغهم باسمي.. وهكذا ومع خروج المقاومة من بيروت استدعتني مباحث امن الدولة وقال لي ضابط نحن نحترمك ولكننا لا نستطيع تحمل دمك عليك بمغادرة الكويت.. حاول "ابو الاديب" ان يتدخل.. وحاول الشهيد فهد الاحمد ان يتدخل لكن جواب امن الدولة اننا لا نتحمل دمه  في اشارة الى ان جماعة ابو نضال تريد قتله وغضب ابو الفهود وهو اسمه الحركي منذ انضمامه الى فتح ومشاركته في العمل الفدائي وآخر ما قاله على مسمعي في مكتبه "اللي يوقف معنا نسفره!".. وهكذا غادرت الكويت في ايلول 1982 بتهمة الدفاع عن الكويت والثورة الفلسطينية، وتوجهت الى لندن حيث ابلغني زميل مصري يدعى مجدي نصيف كان مضطهدا من السادات ان بوسعي طلب اللجوء والحصول على حارس واقامة وراتب والجنسية لاحقا فرفضت وقلت لقد عشت في اوروبا منذ مطلع السبعينيات ولم ابحث عن جنسية اخرى او اقامة اخرى ولست مستعدا لأن اتهم الكويت بأي تهمة.

الزميل الراحل توفيق ابو بكر كشف لي بعد سنة النقاب انه التقى ابو المنصور في بغداد وان الاخير هددني على مقالاتي وقال بالحرف الواحد "سنحرق اصابعه ونقطع يده". فقلت له ومن ابو المنصور هذا؟ فقال عاطف ابو بكر.

تأخر الزميل ابو بكر في ابلاغي كما تأخر الزميل ابو لبدة ايضا.. عموما عندما التقيت الشيخ احمد الفهد وكان وزيرا للاعلام قبل عقد او اكثر في منتدى بدبي دعاني لزيارة الكويت وكان يعلم مدى صداقتي مع والده الشهيد فقلت له لا احقد على الكويت واحترمها وعندما تعرضت للاحتلال دافعت عنها عن بعد بقلمي وان عدت سأطالب الشيخ صباح الاحمد وكان رئيسا للوزراء بتعويض مالي عما تعرضت له دون وجه حق.

بقي ان اقول انني التقيت الكاتبة اليهودية الايطالية المؤيدة للفلسطينيين ليفيا روكاخ في روما في العام 1981 وطلبت مني نشر كتاب لها عن ارهاب اسرائيل المقدس لقاء مقابل مادي من الجريدة واشتريت حقوق النشر ونشرناه في الجريدة على حلقات وكانت تستعد لاصدار كتاب حول ابو نضال وآخر ما قالته لي انها تأكدت من انه كان عميلا للموساد برتبة كولونيل.. وماتت ليفيا وهي ابنة اول رئيس بلدية لتل ابيب وهجرت اسرائيل لتناقضها مع الصهيونية وقيل انها انتحرت ابان الانتفاضة الاولى واوصت بمكتبتها لجامعة بيرزيت. وجاء زوجها وهو عضو مجلس شيوخ ايطالي وسلم المكتبة للجامعة.