توق لمدن طاردة / عسل المرايا
حنان باكير

عسل المرايا، الرواية الثانية للكاتب نافذ ابو حسنة. هي رواية الذاكرة، والتكثيف الرمزي لسيرة مدن منتهكة، وشخوص، تعيش محنة وطن وأزمة مواطن. يدوّن الكاتب ذاكرة معاشة، وليست متوارثة، وإن لم تخل من عودة الى ماض خبرته شخوص الرواية، أو ورثت روايته.
ثلاث شخصيات رئيسة، وحيوات متوازية متناغمة مع سيرة مدن تنهار، فتبدو وكأنها ظلال تلك المدن في تداعيها وانهياراتها. تنتهك المدن، ويتبعثر أبناؤها ويطاردون بسؤال الهوية. الهوية التي تتحول الى كتاب استدعاء بتهمة الإنتماء، انتماء مكلف وغير معترف به، بالنسبة للفلسطيني على الأقل. العراقي ضرار شاعر وصحفي من بغداد. الشبابي من غزة. وعبد الرحمن الفلسطيني التائه الذي تطارده الأماكن، الى أن كانت بيروت محطته الأخيرة، الى حين انتهاء أحداث الرواية. جمعهم العمل الاعلامي.
الشاعر والصحفي المعارض، ضرار تعرف الى عبد الرحمن في دمشق. أما الشبابي فقد كان رفيق حزب، وابن بيئة واحدة مع عبد الرحمن. والصحفية اللبنانية سلام، التي ستصبح صديقة عبد الرحمن وحبيبته. بيروت المدينة الأحب الى قلب عبد الرحمن. خبر طرقاتها ومقاهيها البحرية، ومقاهي شارع الحمرا. وكانت المكان الأجمل للقاءاتهم ونقاشاتهم وحواراتهم.
مدينة بغداد. عرفها عبد الرحمن قبل زمن نكبتها. أحبها وتعلق بها. ثم هاله انهيارها. ".. كان يعرف من حكايا التاريخ أن بغداد لا تسقط الا بألم شديد، هي مدينة يسمع عادة صوت تكسر أضلاعها.. مذ كانت بغداد تتنفس الشعر والبكاء". حكى له ضرار، مغامرة هروبه من مدينته، واختبائه في شاحنة بين الأغنام، ووداعه المؤثر لأمه وحبيبته الأولى. أما رحلة عبد الرحمن التي بدأها ابوه، قبل مولده، فكانت من يافا الى غزة، ومن غزة الى القاهرة ومنها الى عمان، ثم الى جرش، فبيروت فدمشق فبيروت مجددا. وفي طفولته "..لم يجد وطنا، بل منفى شديد القسوة. ليس لهذه العزلة أن تجعله مدركا لمعنى وطن تعيش فيه خائفا الى هذا الحد" ص 147. والمدن الطاردة له تعربه بلهجته وارتباكه وبسؤاله من أنت؟ طارده الموت في أكثر من مكان واكثر من موقع، لكنه كان ينهض ويستأنف الحياة. استئناف الحياة، صار مصطلحا خاصا به.
شخوص ثلاثة، هزمتهم مدنهم، أو هم فشلوا في الدفاع عنها. فعبد الرحمن يعترف من البداية ".. في آخر الأمر تليق المدن والحواضر، بمن يستطيع أن يحميها". وفي موقع آخر يقول".. إبن المخيم كان يعشق المدن، والمدن اليوم طاردة غريبة". وللمدن هنا طبائعها.. مدينة متجهمة قاسية الملامح، لا تروق له، وأخرى عطرة بياسمينها.. وبيروت المدينة، ".. المدربة على العودة السريعة الى أجواء الحرب والاشتباك، لعلها تستند الى الخبرة الطويلة، أو الى العادة".
العراقي ضرار.. تجاوز أزمته أو حاول ذلك، بالضحك والسخرية من كل شيء، ومن كل مَن حوله، والإنخراط في علاقات سريعة مع النساء. الشبابي اليساري حتى النخاع، كان مسكونا بالعودة الى غزة. عبد الرحمن انشغل بقضايا وطنية قادته الى القضية الوجودية لمعنى حياته وترحاله، لذا نلمس حالة قلق وعدم ارتياح، يغلف حياته، بدا وكأنه بعيد عن الرومانسية والعاطفة. لم ينجب أولادا من تجربة زواج فاشلة، لم تدم طويلا. صادف المتاعب في عمله، إذ يطلب منه الحيادية في عمله الصحفي. فطرح قضية الإعلامي الفلسطيني، وكيف يمكنه أن يكون حياديا، والتعامل بعقل بارد، كما يطلب منه.. " طريقة كهذه، تناسب مستشرقا، وليس فلسطينيا تحفر الأحداث على جلده، وتترك أثرا يوميا عليه". ص 157.
في مساحة البنية السردية للرواية، يصوّر الكاتب حقبة تاريخية ما زالت معاشة. الانسحاب الاسرائيلي عام 2000، وحرب تموز في2006، وتضارب المواقف منها. ما بين من يعتبرها نصرا، ومن انبرى يحصي الخسارات التي ترتبت عليها.
هاجس العودة الى المدن التي صارت طاردة لأبنائها، ظل هاجسا يسكن تلك الشخوص. فضرار عاد الى بغداد. أبدع الكاتب في وصف تلك العودة المؤثرة والحزينة. مدينة مهجورة، لا تصلح الا سكنا للأشباح.. اختفت شجيرات الورد الجوري، وحل محلها شوك وعليق. لقاء الأم، بعد سنوات الغياب الطويلة، لم يكن أقل تأثيرا من وداعها.. جمعت الأم بعض المصاغ، لعروسة ابنها، اذ بات حلمها أن تفرح به.. هنا " الموت مصادفة محتملة في كل لحظة". لكن ضرار عاد الى بيروت، وأشواك بغداد تنغرز في جلده.
عودة الشبابي الى غزة، كانت مثار نقاشات مع عبد الرحمن. ما بين عودة منقوصة صادمة، وعودة كاملة، كان يشتهيها عبد الرحمن.. " لا أعرف تماما، لكن ربما إن رأيت غزة الان، سأفقد تلك التي تعيش في الذاكرة. ولسبب ما أشعر أن تلك القديمة أحلى". وداعهما كان وجدانيا وعاطفيا.
تواصلُ عبد الرحمن بصديقه الشبابي في غزة، وشى له بصدق مخاوفه من تلك العودة.. الأحداث الدامية، وطرد فتح منها، وإغلاق اسرائيل لبحرها، ومضايقة صيادي السمك.. كان يسردها الشبابي بألم شديد.
عاد الشبابي مكسورا الى بيروت، فقد هزمته غزة وبعثرته بعيدا، هذه المرة، لجوء الى النرويج. عاد محملا بفكر ديني، نقله من أقصى اليسار الى أقصى اليمين.
من خلال شخصية سناء، يدرك عبد الرحمن، التغييرات التي طرأت على المدينة.. " أشياء كثيرة تغيرت، نحن وهم، التصنيف المذهبي.." ص 260. الطائقية بأبشع صورها، تسود الخطاب اليومي للناس، وأصبحت الظروف الطاردة كثيرة، ص 269.
شخصية سلام، الصحفية التي تكره السياسة، منحت الرواية، الجانب العاطفي والحب والأمل.. ربطت عبد الرحمن بها علاقة حب، أباحت لهما حياة شبه زوجية. غطت تلك العلاقة مساحة في الرواية، لا بأس بها. تلك العلاقة التي أخذت عبد الرحمن من قتامة رؤيته لتداعي مدن أحبها. يقول، وكأنه يرد على تهمة تشاؤمه: " إن التعبير عن الحب لامرأة في لحظات الحرب والخوف، هو تعلق أمثل بالحياة".
أما سلام، فكانت كثيرا ما ترسم الأمل والتعلق الأمثل بالحياة، من خلال أحاديثها عن الحلم بالفستان الأبيض وانجاب الأطفال. القلق الوجودي عند عبد الرحمن، جعله يبدو مترددا ازاء، اندفاع سلام في آمالها ببناء حياة مستقرة، وإن بدا راضخا في النهاية.
مدن تنهار وأخرى بدت متأرجحة. وحيوات شخوص تلك المدن، تفاوتت نهاياتها. ضرار العراقي، شاء قدره، أن تودي بحياته قذيفة رعناء. الشبابي انتهى لاجئا متدينا في النرويج، وناشط في مجال الشأن الفلسطيني.
عبد الرحمن يلتقي بسلام في مقهى بحري، اعتاد وجودهما، بناء على موعد منها. لم يتوقع عبد الرحمن، أن سلام، انما جاءت لتعلن له" .. صادرت حريتي في الاختيار، وأنت تغني للحرية ليل نهار.. حسنا. أنا سأستأنف الحياة، ولكن كما أحبُ، وليس كما تريد.."، ودعته وانسحبت.
خرج عبد الرحمن من المقهى. سار على الكورنيش البحري، وقف قبالة البحر مرات. تنشق الهواء الفاتر بقوة. وعندما عاد للسير كانت رائحة مشوشة تملأ أنفه".. عبد الرحمن الفلسطيني التائه، عاد الى تيهه من جديد، فهل تنكرت مدينة بيروت للفلسطيني عبد الرحمن.. حتما سيستأنف الحياة من جديد.. لكن في أي متاهة هذه المرة!
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين