في مكتبة الشاعر والصحفي عمر شبانة

رام الله - وفا-
- كيف بدأت مكتبتك وعلاقتك بها؟
أكاد لا أتذكّر الكتاب الأول الذي شكّل لبنةَ الأساس في مكتبتي، ولا الكتاب الأخير الذي دخل إليها. لكنّ هذه المكتبة تقف الآن أمامي مثل منحوتة بدأتُ في تشكيلها في سن العاشرة ربّما، وواصلتُ العمل في رسم ملامحها ومعالمها كيفما اتفق حينا، وضمن خطة أو مشروع بلا تمييز بين (الغثّ والسّمين) في بعض الأحيان. وبلغت بها ومعها حدود الزّهد في أيّ إضافة، لكنّه الزهد المحتشد بنقيضه، وهو الشّراهة في الاقتناء، ضمن رؤية محدّدة السّمات في كلّ الأحوال.
منذ طفولتي المُبْكِرة، وجدتُ نفسي مُحاطا بـ"الكتاب" أوّلا، وأعني القرآن طبعا، ثمّ الكتب الإسلاميّة "الأساسية"، فالقرآن عندي لا ينافسه حتّى الآن كتاب آخر مهما علا شأنه، فهو الذي شكّل هويّتي على غير صعيد، وخصوصا في ما تعلّق بالشأن اللغويّ وأبعاده المختلفة، تنوّعا وغنى وعُمقًا. وبدأ هذا "الحصار" الجميل، في سن الخامسة أو السادسة ربّما، وكان المكان زاوية للدراويش في مخيّم/ بلدة الكرامة الشهيرة بمعركتها في الأغوار الأردنية. كانت هذه هي البذرة الأولى للعلاقة بالكتاب والمكتبة، مكتبة تشتمل على "القرآن" أساسًا لها، وعلى بعض كتب الأحاديث (الترمذي والأربعين النوويّة مثلا)، ثم حدث انقلاب في طبيعة الوعي وحرية القراءة، فقد كانت مرحلة الدراسة الإعداديّة وبعدها الثانوية، بداية انطلاقة نحو هذه القراءة الجديدة للعالم. فبديلا من حسن البنا وسيّد قطب والغزالي وخالد محمد خالد و"الباحث عن الحقيقة" سلمان الفارسي وشاعر الرسول حسّان بن ثابت، جاءت في محطة قصيرة وعابرة كتب "البالة" المجلوبة من بسطات الكتب الرصيفيّة على سقف السيل، ألف ليلة وليلة، كتب السيرة الشعبية والشعوذات والتنجيم ورسائل العشّاق.
وقبل الانتقال الكبير والأساسي في تكويني "الكتُبيّ"، أتوقّف أمام حادثة ذات دلالة، تجسّدت في عثوري على كتاب لنوال السعداوي كان بعنوان "الأنثى هي الأصل"، وكان لهذا الكتاب فعل انقلابيّ في مسيرة قراءاتي، وفي حياتي كلّها حتى، إذ تعرّضت بسببه إلى عقاب بدنيّ صارم وقاسٍ من الوالد الشيخ المتشدّد، وبعد ذلك العقاب حصل الانقلاب في عالمي الثقافيّ.
لكنّ مرحلة لاحقة شهدت احتفاء بالكتب الحمراء: ماركس وإنجلز ولينين، ثم جورج حبش واليسار الماركسي والقومي، وكان توفيق زيّاد ودرويش وسميح القاسم ومعين بسيسو، ثم كان بابلو نيرودا ولوركا والفولاذ سقيناه، قبل الوصول إلى العبثية والوجودية والنقد الماركسي للماركسية. كانت هناك عوامل ثقافية (أدبيّة وفكريّة وفلسفيّة وفنّيّة) وأخرى ماديّة وعمليّة و"نفعية" تماما، لكنّ الأكثر تأثيرا، في اعتقادي، كان ما يتعلق بانخراطي في الحياة السياسية/ الوطنية من جهة، وما ارتبط بطبيعة عملي الذي أعيش منه، أي العمل في الصحافة الثقافيّة، من جهة ثانية. فعلى المستوى الأول، يجد المطّلع على محتويات المكتبة، أنّها تحتوي أعدادا غير قليلة من كتب السياسة والفكر السياسي، وخصوصا ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية وشؤون الصراع العربي الصهيوني.
- كم تحوي مكتبتك من الكتب؟
لم أقم بإحصاء دقيق، لكنها تحتوي أكثر من أربعة آلاف – خمسة آلاف كتاب تقريبا.
- هل تضع كتبا على رفوف عالية، لا تريد لأحد أن يلمسها؟
لا ليست لديّ محظورات لأي سبب كان.
- كيف هي علاقتك في إهداء الكتاب؟
قليلًا ما أقوم بالإعارة، فمكتبتي مغلقة غالبا، إلا أمام قلة من الأصدقاء قد يعجب أحدهم كتاب فيستعيره ويعيده، وأصرّ أنا على استعادته، فلا أحب التضحية بكتبي حتى لو اضطررت لشراء نسخة جديدة من كتاب عندي لصديق يريده، فأشتريه إن كان متوفرا وأهديه له، وهذا يحدث نادرا بالطبع.
- حدثنا عن مكتبة صديق؟
لا تحضرني أيّ مكتبة لصديق الآن، في السابق كنّا نتردّد إلى بيوت ومكتبات أصدقاء أو أساتذة لنا، ونستعير منها ما لا يوجد في المكتبات العامة أعني المخصصة للبيع. الآن توقّفت هذه العادة تقريبا.
- هل تحلم بكتب غير التي تمتلكها؟ ما العائق؟
طبعا دائما ثمة كتب نحبها ونحتاجها، ولا نستطيع اقتناءها لأسباب مادية غالبا، أو أنها غير متوفرة في مكتبات بلدنا، حيث توزيع الكتاب يعاني مشكلات كثيرة ومنها الرقابة طبعا.
- كتاب –أو أكثر- حميمي جدا تحتفظ به في مكتبتك؟
كتب كثيرة أعود لها دائما، أو كلما تسنّى لي أمر العودة لها، منها: بلدي للداغستاني رسول حمزاتوف، الكوميديا الإلهية لدانتي (تحديدا ترجمة الصديق الشاعر والمترجم العراقي كاظم جهاد)، وغيرها الكثير طبعا.. كتابان للشاعر الروماني أوفيد هما "فنّ الهوى" و"مسخ الكائنات".
- هل سبق وسرقت كتابا؟
نعم، فعلتها مع مكتبات تجارية، ومكتبات قليل من الأصدقاء، لكن ليس كثيرا.
- سعر أغلى كتاب اشتريته، وأرخص كتاب؟
ثمة كتب بلغ ثمن أجزائها من خمسين - مائة دولار (مجلدات لقواميس أو موسوعات سياسية/ فكرية/ فلسفية)، وفي المقابل كتب رخيصة من الرصيف.
هل تحلم بمكتبة ما؟ شكلا ومضمونا؟
المكتبة (خزائن ورفوف وأدراج) التي كنت أريدها حصلت عليها تقريبا، في غرفة مستقلة في البيت، وفيها مكتبي. لكنّني لا أخفي أنّني حين كنت أزور أستاذي الدكتور إحسان عبّاس في بيته، كنت أحلم بمكتبة مثل مكتبته.
- هل فكرت بعد الموت أين ستذهب مكتبتك؟
لم أحسم الأمر حتى الآن، قريبا ربّما أفعل.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين