عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 07 كانون الأول 2016

في وداع جمال قطب، فنان العرب التشكيلي الأكبر

نصار يقين

في نهاية السبعينات من القرن المنقضي، وقعت في يدي نسخة من رواية الطريق إلى بئر سبع للروائية الإيرلندية إيثل إيدث مانين، كان غلاف الرواية من إبداع الفنان جمل قطب، وبالنسبة لشاب فلسطيني يغادر وطنه لأول مرة، وصل حديثا إلى القاهرة وممنوع من العودة لوطنه إلا بعد مرور ستة أشهر على اغترابه، فإن اسم مدينة بئرسبع وحده يخاطبه بقوة في أعماقه ودفعه لقراءة الكتاب بشوق ورغبة وإثارة، فكيف إذا كان اسم  الرواية الطريق إلى بئرسبع، فهل كان في الكتاب وصفة للعودة إلى بئرسبع! هذا هو الجزء البسيط من الغلاف، أما ما كان يطغى على الغلاف فكان صورة لفتاة اختارها الفنان كي تكون جميلة جدا، ورسمها بمهارة ومحبة لفلسطين، وطرز لها ثوبا جميلا، جاعلا من زي المرأة الفلسطينية التراثي لوحة فنية أنيقة ينسجم مع جمال من تلبسه، وعلى طرف شال الفتاة كُتبت عبارة  عدد ممتاز بخط جميل، وعلى ذراع الفتاة الأيسر ( يمين الصورة) فقد وقع الفنان اسمه بحروف ثلاثة جميلة تؤلف كلمة قطب، أما قبضة يد الفتاة اليمنى فكانت تطوق يد بندقية يرتفع رأس ماسورتها حتى ليكاد يخرق محيط الغلاف، في الصورة وجه جميل، وعينان توحيان بنبل كبير وتأمل عظيم، وشفتان جميلتان مضمومتان تظهران جمال الصمت وروعة التأمل والأمل، اختار الفنان لون الأرجوان خلفية  لأعلى الصورة  بمساحة لا تقل عن ثلث الغلاف، وخلف الفتاة أيضا رسم الفنان ما يشبه مقطعا من الجدار الصهيوني الكريه الذي سوف يتلوى كالأفعى في الأراضي الفلسطينية كي يفصلها عن ملاكها بعد خمسة واربعين سنة من ذلك الرسم. وخلف ذلك الجدار أضرم الفنان نارا .ً إذن على يمين الغلاف نار ووسطه جمال وعلى يساره بندقية وفي الزاوية العلوية للكتاب رسم الفنان ما يشبه الكرة الأرضية بسبعة من خطوط العرض، واثنين من خطوط الطول كتب بينهما  "روايات عالمية"، فجاء الغلاف لوحة رائعة للكتاب، كأنه هدية من الفنان لفلسطين ولكل محبيها وهو في السابعة والثلاثين من عمره. لقد اراد الفنان من تلك الصورة الجميلة لفتاة فلسطين وجرأتها في امتشاق السلاح أن يقدم قضية فلسطين للقاريء العربي كقضية وطن جميل، أرضاً وإنساناً فوق رسوخ القدسية لأرض فلسطين في نفوس كل العرب، لقد تغنى المصريون مبكرا بجمال أرض العرب سواء تلك التي تجاورهم أم ما وراء ذلك من حدود في المشرق العربي والمغرب العربي، فإذا ما استمعنا لأمير الشعراء في قصيدته الدمشقية المحاربة لفرنسا، والتي استهلها بسلام أرق من صبا بردى، نجده في البيت السابع منها يصف فتية دمشق بأنهم غر صباح ... لهم في الفضل غايات وسبق، وفي البيت التاسع والعشرين يبرز جمل الصبايا في دمشق لعل نخوة الأبطال تكون أكثر استجابة للذود عنهن فيقول :

سلي من راع غيدك بعد وهن           أبين فؤاده والصخر فرق

وذاك الجمال لأرض القدس أبرزه الشاعر المصري الكبير صالح جودت قبل نكبة فلسطين بخمسة عشر سنة، عندما استشعر خطر المؤامرة اليهودية الإمبريالية على فلسطين وقدسها، فقال

من مهبط الإسراء في المسجد    من حرم القدس الطهور الندي

وبالمقابل أظهر سواد قلب المعتدي على القدس فقال:

لن يطلع الفجر على ظالم مستغرقا في حقده الأسود

اغلب ظني بأن هذا الكتاب وجدته في مكتبة منزل غازي مرار/ أبو فخري ، الذي يُعنى كثيرا بكل ما يصدر عن مصر وفلسطين خاصة، وكل ما يرتبط بمستقبل وحدة العرب المأمولة دائما عنده ، والأرجح بأن هذه النسخة من الكتاب قد تم نشرها في سنة 1967 عن دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة، وهذا ما أشار إليه الكاتب الكبير رفعت سيد أحمد الذي وقعت تلك الرواية بين يديه قبل سبع سنوات، فُبهر بها وكتب عنها مقالا طويلا لخص فيه جماليات الرواية التي جاءت كما يقول في قالب أدبي مؤثر يحكي عن مأساة نكبة 1948، من خلال سرد قصة عائلة فلسطينية يتم تهجيرها مشيا على الأقدام من اللد إلى رام الله أولا ثم إلى أريحا، فيموت من الأسرة من يموت ويتشتت الآخرون مع وصف دقيق لمشاهد الموت البطيء وآثار الإجرام الصهيوني على تهجير نصف الشعب الفلسطيني آنذاك.

وربما نتساءل كيف وصلت تلك الرواية إلى الفنان الملهم جمال قطب، فهل وصلته عن طريق الناشر ؟ أم عن طريق المترجم وهو الدكتور نظمي لوقا  المولود في مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة سنة 1920 والذي أبدع في ترجمة الرواية من الإنجليزية إلى العربية، فجاءت للقاريء العربي كما لو كانت قد كتبت أصلا بلغته الأم، في كل الأحوال فإن الفنان الراحل كان معروفا جدا لكل الكبار في مصر من مؤسسات وأشخاص، منذ بدأ عمله في الهلال قبل أن يتم العشرين من عمره، ولهذا لم يكن مستغربا أن يتم توجيه تلك الرواية للفنان قطب كي تحظى بغلاف من ريشته الجميلة والحكيمة، لقد اطلع الراحل على كل مناحي الجمال في مصر فجاء فنه جميلا ساحرا، يغطي أدب مصر بأغلفة جميعها لوحات معبرة تري القاريء ما في الروايات والكتب قبل أن يقرأها كما قال عنه الفنان التشكيلي حاتم عرفة.

ولد الفنان في أوائل عهد الملك فؤاد، في نهاية شهر أكتوبر / تشرين الأول من سنة 1931 بمدينة طنطا في محافظة الغربية، وفي ذات الشهر، وبعد خمسة وثمانين سنة شمسية كاملة انتقل الفنان جمال قطب / أبو هشام إلى جوار ربه الكريم، بعد عمر طويل من العطاء الغزير والمتميز، أغنى به المكتبة العربية في جميع حقول الآداب والفنون، فكان من أعلام فترة المد الثقافي منذ التحاقه بكلية الفنون الجميلة، تأثر بمحيط أدبي خصب بالجمال وفنون التعبيرأكسبه الكثير من مرقيات التذوق الفني، وأغنى إحساسه بجمال الأدب والتصوير، وأثناء دراسته بهذه الكلية عمل رساما بدار الهلال، ثم أصبح الرسام الأول فيها ومستشارها الفني، وبموازاة عمله الدائم في الهلال بعد تخرجه من الكلية، عمل أيضا أستاذا لمادتي التذوق الفني وتاريخ الفن بأكاديمية الفنون في القاهرة، ولا أعرف إن كانت كريمته أستاذة الديكور الشهيرة جدا بلمساتها الفنية، الدكتورة هالة قد التحقت بكلية الفنون الجميلة تشجيعا منه شخصيا أم تشجيعا من أجواء الفنون الجميلة التي سادت منزل الأسرة بمدينة الصحفيين في حي العجوزة بالقاهرة. وفيما بعد ارتقت في لغة الفن والتعبير إلى الحد الذي قدمت فيه أروع النصوص لمكتبة أطفال العرب، ما أعجب الفنان الراحل فرسم لها ما يليق من رسومات وقعها باسمه الشهير، أما الدكتور هالة فاكتفت تواضعا بوضع اسمها على تلك الإصدارات بتوقيع هالة جمال.  

في مسيرته الفنية عكس قطب جمال الروح المصرية في رسوماته، بما يعكس انتماءه وارتباطه بالجذور، فتسابق الروائيون عليه كي تحظى رواياتهم بأغلفة تليق بمحتواها، ارتبط بكبار الروائيين والمبدعين ما أثر في شخصيته وأثرى أساليبه الفنية في شتى مناحي الإبداع، التصق بالكاتب نجيب محفوظ، فعكس بالصورة التشكيلية دنيا وعالم الرواية لمحفوظ بلمساته المنتمية بصدق للواقعية التعبيرية، وصمم له أغلفة رواياته أولاد حارتنا وزقاق المدق وغيرهما الكثير، وارتبط أيضا بدرجة أقل بالروائي والكاتب الكبير إحسان عبد القدوس ورسم له غلاف رواية عقلي وقلبي، فكان بريشته هو المرآه المصورة لعوالمه الفنية. ورسم الوحات الفنية أيضا لكتاب وروائيين كثر منهم يوسف إدريس ويحيى حقي ويوسف غريب وتوفيق الحكيم وطه حسين وزكي نجيب محمود  ومحمد عبد الحليم عبد الله ويوسف السباعي وثروت أباظة وغيرهم.

حصد الكثير من الجوائز التي لا تعد ولا تحصى، ورسم لوحات مجلد بور سعيد، الذي أصدرته مصلحة الاستعلامات في أواخر الستينات بعدة لغات عالمية، ولم تجد مؤسسة العويس الثقافية المتميزة خيرا من هذا الفنان لرسم البورتريهات للفائزين بجوائزها العالمية من أمثال عبد الوهاب المسيري وزكي نجيب محمود ورضوى عاشور وآخرين.

رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته