عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 06 كانون الأول 2016

"الجبال التي أحبت ظلي" ... مرايا الذات والذاكرة

*كفاح جهجاه

صدر مؤخرا ً للشاعر يونس العطاري مجموعته الجديدة "الجبال التي أحبت ظلي"  ، عن دار الأهلية في عمان، وهي تنتمي لما يسمى “النثر الشعري”، حيث انطوت المجموعة على جملة من النصوص التي يحاول فيها العطاري التنقيب في  عالمه الذاتي والقبض على اللحظات الجمالية الهاربة من كوابيس الواقع وضغوطاته المختلفة ، متنقلا ً بين البساطة المؤسِّسة لغوياً لحالة الداخل مرورا بإعادة اكتشاف الذات والآخر وصولا لملاذ الحزن كتجل من تجليات الأفتقاد ، وهو يتخذ حده المثالي مستغرقا ً مشغولاته، متملكا ً آليات تجدده وانبثاقه المتواصل، إلى غيرذلك من التأسيس لحالات شعورية تمتد أبعادها في الذات والذاكرة وتجد إسقاطاتها في حالة الإنسان المعاصر عموما ً.

  تشكل البساطة والحميمية مفتتح مجموعة العطاري بنص " بسيط جدا ً حبيبي" وربما تسم معظم العناوين التي استطاعت فتح حوارها الخاص مع الذوات المستقبِلة، ذلك الحوار الخفي الدائر في فلك الصمت والمخيلة..

 " الجبال التي أحبت ظلي " وردة النائم" " حزنك المثالي  " يا غريبا ً عن المطر" "الياسمين" "إني أنا قلبي" "الكل أنا" "كم أخبرتك عن الوردة" وعناوين أخرى

    ويلفت الانتباه  في مجموعة " الجبال التي أحبت ظلي"  كيف يتواتر بناء نصوصها على لحظتين، الأولى لحظة معطاة حاضرة رتيبة، مطفأة، والثانية لحظة ماضية مكتملة، متفتحة، مشتهاة، ولكن ما يحدد مقياس هذه اللحظات ليس الزمن بالمعنى المتعارف عليه بل هو زمن مؤسس بكليته على المكان، المكان في لحظة الذاكرة هو البداية والمنتهى، هو الساعة وعقاربها، أجزاءها ودقائقها، في عرض يتواتر بين الرمز والافصاح، في النص الواحد أحيانا ً، فالمكان المفتقد هو فقط ما بوسعه أن يحتوي الروح ، هشاشتها، عريها وحنينها، وهو فقط ما يتفتح فيه الحب.

 من نص "بسيط جدا ً حبيبي " :

يا أهل الشام / منذ بيت صغير كان لي / لا تدلقوا ماء عنبكم في بردى / فقد غسلت شعري بالزيت البلدي/ كي لا يؤجل عريي / حبيبي / ويسكب إصبعا ً في الشمعدان ..

ردَّ بيسر النعاس إلي/  فشردني.../أمس / قطف زهرة السوسن/ فبدا قديرا ً/ كي يرحل

    

بالإضافة إلى حالة الرحيل و الحزن والتوحد مع الأشياء، انطوت  نصوص المجموعة على مدى متعدد من الثيمات كالحب ،الفراق، الحنين، الألم الشخصي، الألم الجمعي، العزلة، الرتابة، الحنين إلى الأصول، الحرب، الهجرة والنزوح، الدمار الخارجي، الخسارة، الفقد وإعادة ترتيب الذات والمحيط.

من شهر يتباهى ..بالتفاح/  لشهر يلوح بالنوم فوق السحب/ قبلت حبيبي/ حتى هرب مني فر من دمشق/ ينقط دروبا ً وتراتيل /فدخلت في الهجرة / في النرجس / أعيد ترتيب الإله بين الصخور والطين /  أشعل الأزرق/  أسكبه في صحون من وجعي/ واحتمي بالهواء/ بالندى والنوافذ

    لا ينشغل العطاري بصورة متواصلة بالمفردات الخارجية إلا كي تشكل جسرا ً مباشرا ً للسفر في عوالم الذات في عوالم الومض والصمت، حيث يبين الانتقال بصورة يسيرة إلى الداخل  سيولة المحسوس الخارجي لديه ويحيل العالم إلى ما يشبه الحلم، فالانشغال بالأثر الذي تتركه المحسوسات أكثر من الانشغال بتمظهرها الخارجي يفصح عن حساسية خاصة لديه  ستساهم  في تكثيف ذلك السيلان الضمني وتحويل الأشياء عبر النثر.

 من نص "الجهات": 

 كثير دخولك علي/  وأنا جدول يلهث كل يوم في إنائك.....

أما الجهات فتسيل وتشهق/  في ارتفاع القول والنداء/  فأرو للضحى سجايا الندى

والظل / وقلب في الهاجرة قرص البحر/ كي تسقط في حجري الرطَب

 

     اعتمد العطاري التأسيس في شعرية الجملة وتوظيف الرمز كأسس لبناء نصوصه وتشكيل خصوصية لغته فنراه يؤسس  لحالة شعورية بعينها  عندما يتوحد مع حزن المدينة فيأخذ الحزن لديه حده الأكثر إشباعاً ليدفع بقوة إلى استنطاق المضمر فيه، ونراه يؤسس لحالات متعددة في نص واحد، الحزن، الحنين ، الفقد..  فالتيار الجامح للشعور لا يعرف الاستقرار في مواجهة فيض متعدد  الحالات، حيث نجد أن اللغة  تتوهج في هذه النصوص  وتمنح نفسها للسيلان النثري والتغير المتواصل.

"حزنك المثالي"

هذا الحزن يزهر كل لحظة سوسنة/  فأميل ما استطاع قلبي من فرح

أن أتوج رأسكِ بالقبل/ فيموج الحزن للأعلى كي ينتشل الغريق

ويوقظ النائم/  ويحيي الميت

حزنك ِبوابة دمشقية في العصر العباسي /ينبش جراح البنين والبنات

ويزور قبر خالد بن الوليد في المسجد الأمور/ لحزنك آذان أهل البيت

وبكاء الكربلائيين

إلا أن الميل للتأسيس الكشفي في شعرية الجملة يصطدم أحيانا بحالة انقطاع بين تياري الداخل والخارج، فتخفت حدة الاحتواء الجمالي، وتميل لغة النص إلى الجمود، أو اتخاذ انساقها المعطاة.

 "الكل أنا"

كل بعيد أنا / وكل بعيد قريب/ كل وحدة سفر/ وكل سفر عزلة/ كل حزن نهر/ وكلي مطر/ كل امرأة لبؤة....الكليات انحسار / والسماء كذلك

     هذا الانقطاع يتواجد أيضا عند اللجوء إلى  توظيف مفردات الحياة اليومية داخل بعض النصوص،  حيث يفقد اليومي من تأثيره عندما يستخدم في سياق معطى بدون  توظيف ما يمكن أن يمنحه من صور ومضية وانطباعات تغني التوجه الكشفي شعريا ً "فإني أعد قهوتك بحب الهال، ومن دون سكر، لأن الشبابيك البرية عند الغروب لك، والقميص الحرير تخلى عن زر ثان لك.."

   في سياق استخدام الرمز أيضا  نجد في بعض الحالات انغلاقا في الدلالة ومحدودية  إلا أنها حالات قليلة جدا بالمقارنة مع كثير من النصوص التي تمكن العطاري فيها من توظيف الرمز بسلاسة أكبر وفي سياق  متجدد وفي خدمة أغراض متعددة ، فنراه يستخدم الرمز لتعميق الأثر النفسي لحالة معينة  "كربلاء" "البسوس" وفي حالات أخرى يستخدم الرمز في سياق منفتح الدلالة وامض، البحر، القارب، المنارة، الغزال، المهماز، الملح المراق،  ومرة يستتر خلف دالاته  كما في "الوراق" .

أوقفني عند الريبة والرمل/ فقال:/ على وعدك ميل ٌ وفيء ٌ.....

واقف أنت في الحبر / تبيع للأتراب الكلام الغافل/ عن السيف/  عن الورد أحيانا

فأوقفني وقال : / قبل القادمين إلي/ لم أكن أتوجس / ولم يكن لي مقال

      بالإضافة إلى التزامه مع مدينته وما يلم بها أحداث مؤلمة،  يستعيد العطاري ذاكرة الحدث الأول، الأرض الأولى، ولا ينسى أن يوسع الاحتواء الجمالي ليشمل  قضية تلك الأرض، أرض فلسطين التي  تظهر في المجموعة  في أكثر من موضع كجزيرة مسحورة في مساحة اللاوعي، كشاطئ متقد ٍ ومفتقد بعمق في اللحظة الحاضرة. هذا الاستحضار اللغوي والشعوري للبلاد الأم يبدو جليا ً في نصين الأول يعقد تناصا مع أعمال غسان كنفاني في نص " هذه الأرض" والثاني يظهر فيه الحنين الكبير لبلدته الأم "سمخ"  فلسطين 1948، فنقرأ في نص "سمخ" الحالة الشعورية المتدفقة الوامضة بحنين لا ينقطع :

لو في "سمخ" / ولدت وعشت/  لنام الفَراش على جفني/ وغطآني الحبق

لو في سمخ كنت يوما ً/ لأرسلت الطير/وعلقت بالغمام قلبي...

لو كنت في سمخ/ كبرت/  ودرست/  لطار قلبي إلى دمشق/ وحط في "نوى"...

ويمكن القول عموما أن العطاري يسعى في مجموعة "الجبال التي أحبت ظلي" إلى تمكين الجملة الشعرية من احتواء عطب الواقع وتقلباته بخصوصية لا زالت تبحث عن صورتها في مرآة الشعرية .

 ناقدة سورية *