عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 05 كانون الأول 2016

الحصانُ الذي جرحَهُ المحراثُ

الأخضر بركة*

جِئْني بماءٍ كي أرشَّ العتبة
جِئْني بإبريقِ القهوة، بسجائري البيضاءَ، جِئْني
ببطانةِ كبشِ عيدِ السَّنةِ الماضية،
لأضطجعَ عليها قُبَالة العالمِ.
***
جِئْنِي بالعالَمِ أيضا، حُكَّ عن أذنيهِ الطّين،
نظّفْ يديهِ من الدّمِ، نظِّفْ قدميهِ يا ولدي
من أثر المشْيِ في حمأِ الظُّلْمةِ،
امْسَحْ عن فمه المُخَاط الأسودَ، جِئْني بمنشّتي
لأطرد عن عينيه العمشاوين ذُباب الحرب
ضَعْهُ قبالتي، ضَعْ أصيصا قربهُ،
ضَعْ أصيصين من حبقٍ لتلطيف الهواء الحامضِ.
جئني بصديق..
يساعدني على سحب عربة الكلام خارجَ المرآبِ،
جئني بعصاي، بسبحتي.
لا تنس إطعام الكلبِ، إطعامَ الدجاجات،
لم أعد أعرف ماذا يمكن أن نطعمَ العالم.
***
لاتنس دفع فاتورة الكهرباء غدا
لا تنس دفع فاتورة الماء
لا تنس دفع فاتورة الأرض والسَّماءِ والشَّمْسِ والهواء
احتفظْ بفُتَات الُخْبِز للعصافير، وحمام السّطح
أحْضِرْ لي نظّارةَ القُرْب،
أَحْضِرْ لي نظّارةَ البُعْد،
أَجْلِسِ العالم على مقعدِ الخشبِ الصغيرِ هناك
يبدو متعبا، سيبقى واقفا كما وُلد.
ضع جلاّبةً الوبَرِ عند رأسي يا ولدي
قد يزورني البردُ فجأةً
قد يزورني الموتُ،
قد يزورني جاري "محي الدّين"،
أعرف أنّه ماتَ، لكنّهُ سيُطِلّ كعادتهِ عليّ
لا تغلقْ بابَ الحوْشِ، دعْهُ مُوارِبًا
دعني من شُرْبِ الدّواء،
قد تزورني الأيّامُ البعيدة
حين لم يكنِ العالمُ هكذا، متّسخًا كجدار مرحاضٍ عموميّ.
أو كمستخرج السوابقِ العدليّة لإبليس
***
دخل الخريفُ ولم يتزحْزَحِ الصَّيْفُ
لا تَنْسَ أن تسقي كرمة التّين،
زِدْنِي مخدّةً، تذكّرتُ أمّكَ، لا أدري لِمَ سبقتني إلى المقبرة،
صُبّ للعالَمِ القهوةَ، قد تطولُ وقد تقصر القعدةُ،
قد لا أكون هنا، حين ستفوح رائحة حقل النعناع الصَّغير
حين سينبح الكلبُ في رجلٍ عابرٍ،
حين سيكرمني جاري بطبقِ حَبِّ الرمّان،
حين ستمطرُ في مكاني هذا سماءٌ أخرى
حين ستنطفئ حربٌ ما،
أو تنهش حربٌ ما
ما بَقِيَ من أردافِ الخريطة.
لن أكونَ هنا لأسمعَ حسيسَ الفلافلِ في المقلاة،
لأسمع الدّجاجات يُعْلِنَّ عن ميلادِ البيض.
أو أسمع الرّيح تعضُّ أسلاكَ الكهرباء
سأترك ذلك كلَّه لهذا العالمِ الغبيّ،
سأوصيه خيرًا بضِحْكَةِ الماءِ في الصَّخْر،
سأوصيه بألَّا يمنعَ العابرين من أكْلِ التّيِنِ من كرمتي
سأوصيه بألّا ينسى المّلحَ،
ألاّ يتخطّى العتبة،
قبل أن يغسل قدميهِ من الوحل
سأوصيه بألاّ يزعج الطّيْرَ في عُشِّهِ
حين يرمي قنابل الطّيش،
ألاّ يرمي جواربه العفنةِ عند رؤوس النائمين،
سأوصيه أن ينتبه للنّمل في تربة المزرعة،
حين يركل طوبةً أو طوبتين بحذائه الضَّخْم،
سأوصيه أن يرشّ غازاته..
بعيدا عن أشجارِ البرتقالِ التي غرستها بنفسي قبل أربعة أعوام.
لا بأس أن يدهسَ عظامي في القبْرِ،
إن لم يجدْ طريقا آخر للمرور،
أوصيه فقط أن يرأفَ بالعُشْب،
أن يدعَ السّاقية وشأنها، فماؤها أطيبُ من قلبِ نبيّ.
***
أين أنتَ يا ولدي؟
مزيدًا من القهوة لهذا العالم،
مزيدا من الخبز إن شاء،
مزيدا من الوقت للوقت،
لاتنظرْ إليّ، تحرّكْ، لم يهزمني الخَرَفُ بعدْ،
بنظّارة أو دونها "أرى ما أريد"
بشرا أو حجراً، لا يهمّ،
أرى طفلا بلا قدمين، تأسره الفراشة،
أرى الفراشة تبحث عن طفلٍ يمنحها جناحين،
أرى مطرا يسأل عنّي، هل حرثتُ له الأرض.؟
أرى امرأتي تعدّ الكسكس لضيوفٍ لن يجيئووا
لأنّ حارسَ البرزخ لا يسمح لهم بزيارة أحبابهم،
أرى ساعي البريد يبحث عن الباب،
بابِ الخشبِ الذي حلّ محلّه باب الحديد
أرى الدّمعةَ في عين الشّمس،
أرى قبري بعيدا مثل ذكرى محتها الرّيح،
أرى الطّوفان..
أرى أبناءَ أبنائي بلا أبناء،
أرى شجرا يمشي، يطلب اللّجوء إلى قارّة أخرى
أرى ماء البئرِ في القريةِ يسألُ:
أين ذهب الدّلوُ الذي كان يوقظني من النّوم،
أرى المدينةَ تهربُ بحثاً عن الرِّيف،
أرى الرّيفَ يهربُ بحثًا عن مدينة.
أرى وجعًا يمشي في الشوارع، لا يتّسعُ له صدْر
***
ناولني المنشّةَ، قد كثُر الذّباب
ألمْ أطلب منكَ يا ولدي أن تنظّفَ العالَم.
أرى عددَ المتسوّلين أكثرَ من عدد المُصلّين في ذلك الجامِع،
أرى نافورةَ حديقةٍ تضخّ الدّمْ،
أرى أحياءَ يحسدون موتىً على موتهم،
تنحّ قليلا أيّها العالم
أريد أن أمدّ رجليّ قليلا، أريد أن أتنفّسْ
أين مسبحتي؟ أين سجائري؟ اين كوبُ الماء..؟
تبّا للمكان، قد ضاق فجأة،
لم يحنْ بعد استلامُ القبر لجسدي التافه
لم أرفع بعد سبّابتي للتشهّد،
لم أر بعدُ ملائكةً ، بثياب بيضٍ، أو بثياب سود.
ألم يأتِ بعدُ جاري "مُحي الدين".
تركني أجرُّ عربة الكلامِ وحدي
تركني أتكلَّمُ مثل حنفيّة الماءِ وحدي
تركني أحفرُ وحدي
تركني أشربُ القهوةَ وحدي،
من سيأتيني بحبّةِ رمّان..؟
من سيدفع الباب ليغمرني هواء الحقول..؟
من سيذكّرني
بمغامرة اختطاف العسلِ من نحل الجبال؟
***
فاجَأَنِي صاحبي بدخوله في نومٍ طويل
كنت سأحّدثه عن الخبز الذي غمسناه معا في الماء
عن الحصان الذي جرحَهُ المحراثُ، ولم ننتبهْ لألمهِ الصامت،
كنتُ سأعدُّ له القهوةَ بالقَرْفَةِ كما كان يُحِبّ،
كنت سأرفع عصاي بذراع أقوى
لأنهر عنه الكلب حين إطلالتهِ.
كنت سأحدّثه عن المطرِ القديم
وعن طماطمِ الحقل التي
كانت أجملَ في الشَمْسِ من نُهود العذارى
كنت سأبكي كغيمةٍ جرحها البرْق
كنت سأضحك كزاربٍ من البابونج
كنت سأنفخ دخان سيجارتي بتنهيدة ثورٍ
كنت سأمشي معه
إلى غاية جذع الصفصافة متّكئاً على كتفهِ
كنتُ سأصعد معه سلّم الفجر ممتلئين بنسيم الصلاة
كنت سأروي لهُ
كيف عذّبني الضابط الفرنسيّ في السّجن حتّى خارت قواه،
كنت سأطلب من زوجتي ألاّ تموت
قبل أن تعدّ لنا خبزَ الشعير
ساعدني يا ولدي على النهوض
أبعدْ هذا العالم عن نظري
أريد الرجوعَ إلى سريري،
أريد اللّحاقَ بامرأتي،
أريد أن أراني مع صديقي، نجري معا ،
كشجرتين مجنونتين،
على درّاجتين هوائيتّين،
نرمي بمناشير تلك "الثورةِ" بين مزارعِ المُعَمِّرين،
كشجرتين مُكتظّتين بحمّى عصافير،
كشجرتين شاهقتين تتنفّسان هواء مستقبلٍ.
"علي أن أذهب. فالغيوم تتكاثف".
دعْ بطانةَ الكبشِ في الأرض،
دعْ سَبْحَتِي حيثُ هي،
دعْ عصاي،
دع صينيةَ القهوةِ،
دع المنشّةَ أيضا،
فقد يجيئُ "محي الدّين" فيجدني..
  هنا في غيابي 
شاعر جزائري*