صور.. نمطية
حنان باكير
كانت صور بدايات اللجوء التراجيدية، من رحيل، وحياة مخيمات بائسة، مراكز توزيع الإعاشة، ومطاعم كانت تؤمن للناس وجبة طعام وكوب حليب. حتى صار البعض يتندر ويقول: نحن الفلسطينيين كلنا إخوة، فقد رضعنا حليب الإعاشة معا!".
لم أكن أعي معنى الصورة النمطية، لفئة من الناس، عندما أعجبت بأفلام الغرب الاميركي، وصورة الهنود الحمر، الذين ينصبون الكمائن للإنسان الابيض، وبطريقة همجية ومتوحشة، فهذه هي الصورة النمطية التي سوقها الاميركان. لاحقا أدركت الظلم الذي لحق بهؤلاء الضحايا، والذين صورتهم هوليوود بهذه الصورة القاسية والظالمة!
بقيت استذكر تلك الصورة، كلما تأملت الصورة النمطية، التي رسمها الإعلام للفلسطينيين. وفي كل مرحلة من مراحل التشرد، برزت صورة جديدة، تطغى على سابقتها، او ربما هي اضافة جديدة لها.
لكن الإعلام أغفل الجانب الآخر من الصورة، أو الوجه الآخر للإنسان الفلسطيني، المتمثلة بحجم الطبقة الثرية من الفلسطينيين التي جاءت بالرساميل الكبيرة وأسهمت في بناء حضارة الدول المضيفة، وأخص بالذكر لبنان، كونه الوطن العملي الذي عرفته. حيث المشاريع التي كان اصحابها من الفلسطينيين، كانت تقريبا هي الأكبر، والأكثر حداثة!
ناهيك عن الطبقة المثقفة والأكاديميين، الذين أداروا الجامعة الامريكية، من الرئاسة، حتى الكوادر التعليمية. ومشاهير الأخصائيين في كافة مجالات الطب. ويأتي دور فريق إذاعة الشرق الأدنى الفلسطيني. ففي سنة 1948، اي عام النكبة، انتشر الفريق الاعلامي، في ارجاء الوطن العربي، مؤسسين ومطورين للإذاعات والتلفزيونات العربية، منهم صبري الشريف، كامل قسطندي، ابراهيم ابو لغد، صبحي ابو اللبن وحليم الرومي وبديع خوري ووديعة ومروان جرار.. هؤلاء الذين اسهموا في تطوير الفن اللبناني، من الدبكة، الى انشاء ستوديو بعلبك، وفرقة الانوار اللبنانية.
لكن الغلبة، بقيت لصور النكبة والفقر ، لكأنّ الشعب الفلسطيني هو كتلة بشرية زائدة في هذا الكون! وان كلمة فلسطيني تعني المخيم والفقر. وعندما عرفت خطواتي دروب الغرب المتعددة، كانت المفاجأة لي، ان من يسألنا عن هويتنا، ويعرف اننا من فلسطينيي لبنان، يسألنا: من ايّ مخيم انتم؟ وكأن المخيم هو موطن الفلسطيني الأصلي والحقيقي! وتصيبهم الدهشة، عندما يعلمون، اننا لسنا من سكان المخيم، وهذا شرف لم أحظ به! فقد أنجبت المخيمات قامات شامخة في الطب والهندسة والعلوم، وان بعض العلماء قد تبنتهم اميركا، منذ زمن طويل.
خلال أحد الأنشطة الثقافية النرويجية/ اللبنانية، زارني في بيروت الوفد الثقافي النرويجي، الذي كنت من ضمنه. ما ان دخلوا البيت، حتى ذهلوا، وانتشروا فيه، يعلقون ويثنون على كل شيء فيه! قال لي احدهم بدهشة، وما الذي جاء بك اذن الى النرويج؟!
في باريس، تعرفت ابنتي على صانعة أفلام فلسطينية من بيت لحم، والتي حسبت أن ابنتي فرنسية في البداية. أرادت الفنانة، اشراك ابنتي في فيلم وثائقي لها، لتبرز صورة مغايرة، لما يرسمه الاعلام للمرأة الفلسطينية.
ثم ظهرت صورة الفدائي كمخرب، واستعملت الافلام الهوليوودية، الحطة الفلسطينية، كرمز للخارجين عن القانون، بل والمجرمين! إعلام مضبوط بعناية وتوجيه محدد.
وآخر صيحات موضة المتاجرة، التي أدت الى رسم صورة نمطية جديدة للفلسطيني، هي صرعة الدين! صديق سويدي، حيادي النظرة للصراع في فلسطين.. كنت أحاوره، بالبعد التاريخي للمنطقة، ومرويات العهد القديم. صار الرجل أميل الى وجهة نظرنا، لكن موقفه انقلب الى النقيض وبتعصب، ومثله كثر.. وتحولت حواراتنا الى صدامات، والسبب، خلط الدين بالقضية الفلسطينية، وكأن صراعنا حول الدين، لا اغتصاب وطن بأكمله!!.