ارتفاع اللهيب
إسرائيل اليوم- نداف شرغاي

الملازم ثاني بنيامين سيمان طوف كان قبل أكثر من اربعين سنة "المُحذر على البوابة". فقد حذر قبل حرب يوم الغفران بأن الحرب قريبة، وتجادل مع قادته حول هذا الامر. وقد تم اسكات تقاريره وأُرسل الى السجن تقريبا.
مع مرور الوقت فقط تحول سيمان طوف الى بطل وحظي بالتقدير، وتحول اسمه الى مصطلح يستخدمونه عندما يريدون الاشارة الى شخصية ما أو جهة تقوم بالتحذير مسبقا من الخطر ولا يتم الاهتمام بالتحذير الى أن يتحقق.
في هذا الاسبوع، بعد "حرب الايام الستة"، نار الحرائق، 1773 حريقا في اماكن مفتوحة، 80 ألف شخص تم اخلاءهم ومئات المنازل المحروقة، لم يكن من الصعب ملاحظة الملازم سيمان طوف في هذه المعركة. إنه يوجد هناك منذ سنوات وهو يحذر في الغابة من ارهاب الحرائق الذي يتسع: منظمة "الحارس الجديد".
في حزيران الماضي نشر مركز الابحاث والمعلومات التابع للكنيست تقريرا شديدا حول الجريمة الزراعية في اسرائيل. عدد من الجهات وقفت من وراء هذا التقرير. "الحارس الجديد" كانت احدى الجهات المركزية. "ارهاب الحرائق" احتل مكانا متواضعا: فقط صفحة ونصف الصفحة من أصل 46 صفحة، تتحدث عن الحرائق المفتعلة، لكن يمكن القول بأثر رجعي إنها مرت من تحت رادارنا.
إن الحقائق الملفتة هناك تشير الى أنه في العام 2014 كان في اسرائيل 28.543 حريقا في مناطق مفتوحة (65 في المئة من أحداث الحرائق في ذلك العام). ولكن تم فتح ثلاث ملفات تحقيق فقط بتهمة اشعال الحرائق.
حتى لو انطلقنا من فرضية أن عُشر الحرائق في المناطق المفتوحة– بالضبط مثل النوع الذي انتشر في الاسبوع الماضي الى الاماكن المأهولة– هي نتيجة حرائق عدائية وليس اهمالا أو بسبب حالة الطقس المتطرفة، فان الحديث يدور عن معطى لا يمكن استيعابه.
إن معاينة معطيات اجهزة الاطفاء في السنوات الاربعة الاخيرة تشير الى أن العام 2014 لم يكن عاما استثنائية. ففي السنوات 2012– 2015 تم توثيق 123.326 حريقا في الاماكن المفتوحة (64.75 في المئة من اجمالي الحرائق). ولكن في تلك السنوات تم فتح 35 ملفا فقط بتهمة اشعال الحرائق، بالمعدل 8– 9 ملفات كل سنة. وعدد الحرائق– لا توجد معطيات دقيقة حوله– أكبر من ذلك بكثير.
اضافة الى ذلك، في هذا الاسبوع حيث تغيرت الصورة بشكل دراماتيكي، سواء من ناحية عدد حوادث الحرائق المفتعلة أو من ناحية عدد التحقيقات والمعتقلين، ما زال عدد قليل من الحرائق يتم التحقيق فيه.
ران شيلف، رئيس قسم التحقيق في السلطة القطرية للاطفاء والانقاذ، قال في حزيران الماضي لاعضاء مركز الابحاث والمعلومات التابع للكنيست إنه يتم في كل سنة التحقيق فقط في عدد قليل من الحرائق في الاماكن المفتوحة، وأن اغلبية التحقيقات التي تبلغ 5 آلاف تحقيق، تتم بخصوص الحرائق في المباني والسيارات.
في نهاية الاسبوع الماضي، في ذروة موجة الحرائق الكبيرة، قال شيلف إن 1.300 حريق كان في الاماكن المفتوحة في ذلك الاسبوع، وتم التحقيق فقط في 30 حريقا منها– 2 في المئة فقط. وفي هذا الاسبوع ايضا كان أكثر من 100 حريق. وكان شيلف نفسه يكفي من اجل الاعتراف أنه "لا يمكن التحقيق في 1.300 حريق في الاسبوع". وحسب تقديره فان 60 – 70 في المئة من الحالات التي تم التحقيق فيها، تبين أنها حرائق مفتعلة.
ضربة قدَر
إن المعطيات التي توجد لدى "الحارس الجديد"، منظمة المتطوعين المدنية التي تعمل على تقليل الجريمة الزراعية من خلال الحراسة والعمل التربوي، تشير الى اتساع هذه الظاهرة، وكثرة جرائم اشعال الحرائق والتجاهل الكبير للمشكلة حتى الآن.
الاحداث الاكثر بروزا التي قامت المنظمة بتوثيقها حدثت على مدى السنين في كيبوتس حماديا في بيسان. فقد سجلت هناك عمليات احراق متكررة في السنوات 2002 – 2005، 2009 – 2011 (5 عمليات احراق)، 2012 – 2013 (4 عمليات احراق) وفي العام 2015 (6 عمليات احراق).
في كل هذه الحوادث لم يتم اعتقال أحد. ونظرية الاجهزة الامنية هي أن الحديث في معظم الحالات يدور عن محاولات العرب إبعاد اليهود عن مناطق الرعي التي تم الاعلان عنها كأراضي دولة، والسيطرة على الاراضي بدلا منهم. لكن كيبوتس حماديا ليس وحده. ففي تل نيلي و"كري داشا" وكوخاف هيردين وبيت لحم الجليل وتسيبوري وموليدت وبيت هشيته وغلبوع وعين حرود والمطلة وببنال، سجل حسب التقديرات الكثير من عمليات الاحراق لنفس الدافع.
يهودا مرمور، المزارع من يبنال والذي لديه مناطق رعي في غور الاردن ويبنال، تعرض هو ايضا في السنوات العشرة الاخيرة الى عمليات الاحراق التي كلفته مئات آلاف الشواقل كل سنة.
"الشعور في كل مرة من جديد هو الاصابة بنوبة قلبية"، قال مرمور، "في الصيف يُحرق وفي الشتاء ينمو من جديد، لكن في تلك السنة لا يكون لي طعام للابقاء، ويبقى الضرر، وهناك عمليات احراق هددت المنازل في المنطقة ايضا". ويقول مرمور إن الشرطة تأتي اليه بعد الحادث في العادة، وتقوم بملء التقرير وتسجيل الشكوى. "بعد شهر يتم اغلاق الملف بسبب عدم وجود الأدلة وعدم اهتمام الجمهور"، قال مرمور.
حسب معطيات وزارة الامن الداخلي، كل سنة يتم احراق 37 ألف دونم، وهي مساحة تساوي بحجمها ثلثي مدينة تل ابيب. 75 في المئة من الحرائق تحدث بين أشهر أيار وأيلول. وجزء كبير منها يكون نتيجة اعمال "تخريبية".
حتى هذا الاسبوع تعاملت السلطات مع "ارهاب الحرائق" في الاماكن المفتوحة على أنه نوع من ضربة القدَر. ولا يوجد ايضا أي توثيق لهذه الظاهرة. آلاف الحوادث تتم في المناطق الزراعية والاحراش والاماكن المفتوحة. ووصلت في هذا الاسبوع الى المناطق المأهولة، وجميعها وضعت حتى هذا الاسبوع في اطار "الجريمة الزراعية"، التي تشمل ايضا سرقة الاغنام والابقاء والممتلكات.
أوري سفير، ضابط احتياط ومدير في "الحارس الجديد"، قال إن من أهمل علاج اشعال الحرائق في الاماكن المفتوحة– يقطف الآن الحرائق التي تعرض حياة الناس للخطر في المناطق القريبة من التجمعات السكانية، ويحذر سفير من اتهام الشرطة وحرس الحدود: "أعرف أن الغطاء قصير. وقد أفهم أولويات الجهات الامنية. من المهم أكثر القاء القبض على خلية لحماس تخطط لعملية اطلاق نار، أو ارسال القوات الى القدس لمنع عمليات طعن المدنيين، لكن يجب علينا أن نفهم بأن الاهمال له ثمن، الامر الذي يعني فقدان السلطة والنظام في الاماكن المفتوحة".
يكفي عود ثقاب واحد
في هذا الاسبوع، على خلفية المنازل المحترقة، عشرات آلاف الاشخاص الذي تم اخلاؤهم والاضرار الكبيرة للممتلكات، "سقطت السمونة". إن التحقيق في 100 حادث احراق من الاسبوع الماضي يشير الى أن ربع هذه الحوادث كانت مفتعلة، وهناك أدلة حول 13 حادثا فقط في داخل "يهودا والسامرة"، وأحداث قليلة، لكنها مركزية، داخل الخط الاخضر. عمليات احراق اخرى كانت لها اضرار كبيرة للممتلكات ما زالت قيد التحقيق.
إن الشرطة وجهاز الاطفاء لا يسارعان الى اصدار الاستنتاجات، رغم أن "المشبوهين" واضحين. وفي المقابل، سلطة الضرائب سارعت في هذا الاسبوع واعترفت بشكل رسمي بأن عددا من الحرائق هو اعمال عدائية.
الشرطة تقول إن هذا الاعلان سابق لأوانه، وأن الطريق ما زالت طويلة الى أن يتم اثبات الاشتباه. ولكن في الوقت الحالي، اعترفت وزارة المالية وسلطة الضرائب رسميا بأن الحرائق هي نتيجة اعمال عدائية في المناطق التالية: الحريق في موشاف طل إيل يوم الاحد الماضي، الحريق في زخرون يعقوب يوم الثلاثاء - فقد وجدت هناك مواد قابلة للاشتعال، الحريق في دولب في نفس الليلة، الحرائق في غيلون وتلمون في ليل يوم الاربعاء، وموقع واحد على الاقل للحريق في حيفا يوم الخميس الماضي صباحا.
في منطقة دير قديس قرب رام الله اعتقل الجيش ثلاثة "مشبوهين" كانوا في سيارة عثر فيها على قفازات وزجاجات مملوءة بالبنزين. وفي منطقة يتسهار ايضا تم احراق حقول قرب منازل الاسرائيليين. وتمت مشاهدة اشخاص من حوارة وعينبوس. وفي منطقة بارك بيغن في القدس تم اعتقال "مشبوه" من حوسان شوهد وهو يقوم باحراق حرش. وتم اعتقال شابين ايضا من قرية ساجور قرب بيسان، وثلاثة "مشبوهين" من قرية بسمة تفعون اشتبه بهم باحراق حرش قريب.
إن امكانية اثبات الاحراق المتعمد في المحكمة صعبة. وخلافا لمناطق "يهودا والسامرة" وشرقي القدس، حيث ان اغلبية الحرائق هناك هي نتيجة الاعمال العدائية (لا سيما بواسطة القاء الزجاجات الحارقة)، فانه في مناطق اسرائيل السيادية تكون عمليات الاحراق نتيجة لعود ثقاب أو القاء سيجارة مشتعلة أو اشعال قطعة من الكرتون.
في الاحوال الجوية الصعبة يكون الامر كافيا. الرياح ونسبة الرطوبة المنخفضة يقومان بعمل الباقي.
هل سيكون هناك فحص داخلي؟
الوسط العربي في اسرائيل والوسط الفلسطيني والشرق أوسطي دخلوا في هذا الاسبوع الى حقل الالغام في الشبكات الاجتماعية. إلا أن الصورة في هذه المرة ليست أحادية الجانب مثلما حدث في انتفاضة السكاكين. ففي هذه المرة يوجد ايضا الكثير من "المحرضين والراقصين" حول النار. وفي المقابل يوجد الكثير ممن ينشرون تغريدات متحفظة ومنددة بظاهرة الحرائق المفتعلة. في اوساط عرب اسرائيل وفي اوساط الجناح الجنوبي للحركة الاسلامية سمعت اصوات كثيرة تطالب باستضافة العرب واليهود الذي احترقت منازلهم.
الانتقادات الأشد تم نشرها من قبل اعضاء الكنيست العرب. فهم انتقدوا، ولكن في المقابل أكدوا أن الحديث يدور عن "احراق وطننا"، وقاموا بالاحتجاج على "الاشتباه التلقائي والصاق ذلك بوسط كامل". وقد انضمت السلطة الفلسطينية الى التنديد في هذه المرة بشكل استثنائي، التي قامت بارسال رجال الاطفال وسيارات الاطفاء من اجل تقديم المساعدة. ومع ذلك، لم تكن تنقص دعوات التشجيع والفرح من الحرائق في مناطق السلطة الفلسطينية.
الردود في الدول العربية كانت متداخلة ايضا. فاضافة الى التنديدات الرسمية والمساعدة في الاطفاء من الاردن ومصر– هاتان الدولتان قامتا بارسال طائرات اطفاء– سجلت ايضا ظواهر العداء لاسرائيل والفرح من اللهب.
في اوساط عرب اسرائيل كان الرد الأبرز والاكثر انفعالا من رئيس القائمة المشتركة، عضو الكنيست ايمن عودة، الذي قال إن الحرائق تضر بالجميع. "الكرمل هو لي مثلما هو لكل انسان آخر.. هذه اشجاري وهذا مكاني، أنا مصاب هنا ولست أنت.. هذه غابتي، هذه اشجاري، أنا ولدت هنا وأبي ولد هنا وجدي ولد هنا وهذا وطننا". وزميله في الحزب، احمد الطيبي، قال إنه اذا تبين أن الحرائق كانت من فعل العرب فان هذا شيئا سيئا ويحتاج الى التنديد والحساب في المجتمع العربي. ومع ذلك رفض تبني مصطلح "ارهاب" و "انتفاضة" بخصوص الحرائق المفتعلة.
من بين ما تم نشره باللغة العربية في الشبكات الاجتماعية يمكن اقتباس تغريدة توضح دوافع المنددين: "يتم حرق الاشجار والجبال، أي الوطن.. هل أصبحنا ضعفاء الى درجة أننا نسر لاحتراق شجرة؟ يا ليت لو أننا ننتصر على جهلنا في يوم ما". وتساءل منددون آخرون، نحن سنعود الى هناك في يوم ما، فلماذا نقوم بالاحراق؟.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين