المقاطعة من أجل الدفاع عن الدولة
هآرتس- بقلم: دمتري شومسكي

لم تتردد عضو الكنيست تمار زندبرغ (ميرتس) في القول على منصة الخطابات في الكنيست إنها تقاطع منتجات المستوطنات لأنها غير مستعدة لاعطاء أموالها "من اجل الاجحاف والاخلال بحقوق الانسان من قبل الاحتلال والمستوطنات" ("هآرتس"، 17/11). إن زندبرغ تستحق التقدير على شجاعتها الجماهيرية، لأن مشروع الاستيطان غير القانوني في المناطق المحتلة يوجد في مركز الاجماع.
من اجل أن يثمر النضال ضد الكولونيالية الاسرائيلية في الضفة الغربية، لا تكفي الادعاءات التي تُغلب النضال ضد الاحتلال على النقاش الانساني الدولي لحقوق الانسان. لأنه اضافة الى الاخلال الفظ بحقوق الفلسطينيين في المناطق، فان مشروع الاحتلال والاستيطان الاسرائيليين يسعيان الى المس بالأسس القومية والسياسية والاخلاقية للصهيونية الحديثة.
ويمكن البدء بالأساس البسيط: كجزء أساسي وملزم لمشروع التطبيع القومي لليهود، سعت الصهيونية الى وضع حد لتوزع الشعب اليهودي بين الشعوب، ومنح القومية اليهودية الحديثة حدود سياسية معترف بها.
منذ نصف قرن تقوم اسرائيل المحتلة بزعزعة هذه الحدود وذلك من خلال اسكان مجموعات يهودية في قلب أمة أخرى. والفرق بين وضعها في الشتات وبين الشتات في المستوطنات هو أنه في حدودها ساهمت الاقلية اليهودية لأمم الاغلبية التي تعيش فيها بشكل كبير في جميع مجالات الحياة. والاقلية الاستيطانية، في المقابل، تسبب لأمة الاغلبية الفلسطينية الاهامة والقمع.
في الوقت الذي حققت فيه الصهيونية الحديثة مع اقامة الدولة السيادة القومية المرجوة، فان اسرائيل التي تحتل وتستوطن منذ العام 1967 وحتى الآن، تقول إن السيادة الصهيونية لم تُستكمل بعد بالنسبة لها، وهي ما زالت تحارب من اجل تحرير شعبها. وعلى خلفية هذا التشوه للدولة القومية التي تلبس برغبتها شكل حركة قومية تطالب المجتمع الدولي بأن يعترف باحتلالها، فليس غريبا أنه بنظرة من الجانب، فان الشرعية الدولية "للدولة التي على الطريق" من هذا النوع ليست أمرا مفروغا منه.
إن الانجرار وراء الانفعالات الاستيطانية يدفع الدولة الى التضحية بسيادتها السياسية الواقعية على مذبح امور مسيحانية غريبة. واضافة الى الاملاك السياسية القومية مثل الحدود والسيادة، فقد سعت الصهيونية السياسية الى تحقيق أمر آخر عميق ومتملص نوعا ما وهو الاحترام القومي. وقد كان هذا هو الدافع والمحرك من اجل أن تقوم الصهيونية بالعمل السياسي. أي السعي الى تغيير صورة الشعب اليهودي من شعب دون ومهان من قبل شعوب العالم الى شعب يحظى بالاحترام، مثله مثل شعوب العالم الحر، وقد كان هذا الامر في مركز اهداف قادة الصهيونية من فينسكر وهرتسل وحتى نورداو وجابوتنسكي.
يبدو أن هذا الحلم الصهيوني بعيد أكثر من أي وقت مضى. وبنيامين نتنياهو يمكنه التفاخر كما يشاء بمكانة اسرائيل في العالم، مثلما يقول دائما في وسائل الاعلام. لكن الحقيقة البسيطة والمخجلة لا يمكن الهروب منها: كدولة محتلة ومعتدية وسارقة وتفعل ذلك باسم الكتب المقدسة والوصايا العشر، تصبح اسرائيل أكثر فأكثر دولة منبوذة من قبل أمم العالم.
الحقيقة التي يجب ذكرها والتي لا تزيد من احترام اسرائيل القومي، هي أنه من اجل استمرار مشروع الاحتلال تحتاج الدولة الى موافقة هادئة ومهنية من الولايات المتحدة (الفيتو الامريكي). ومن اجل ذلك يتهافت قادتها ويتملقون عواصم الدول العظمى وكأنهم مثل يهود الشتات الذين يعتمدون على سخاء القادة الاجانب.
البطل الرئيس للغيتو الجديد في مسرحية "مبشر دولة اليهود" لثيودور هرتسل، حلم بالتخلص من "الغيتو الاخلاقي" ذا الجدران غير المرئية والتي تم حبس اليهود فيها بسبب استمرار الاهانة والقمع من قبل الاغلبية غير اليهودية. وليس هناك صورة أكثر اعوجاجا للرؤية الهرتسلية من تلك التي للدولة اليهودية الحالية التي تحيط نفسها بجدران الغيتو الاخلاقي الذي صنعته من اجل ضمان استمرار الاهانة والقمع لشعب آخر.
إن مشروع الاحتلال والاستيطان يسبب للدولة أضرار قومية كبيرة مثل محو الحدود المعترف بها وتدمير الأسس الشرعية للسيادة الاسرائيلية وفقدان الاحترام القومي. على خلفية هذه الاضرار يجب علينا أن نسأل: هل تستوجب الوطنية القومية الحقيقية محاربة هذا المشروع بلا هوادة وبكل الوسائل الشرعية غير العنيفة المُتاحة؟ المقاطعة الداخلية القومية هي أداة كهذه.
والآن لنتخيل أن اعضاء وعضوات الكنيست من ميرتس، وكذلك المنظمات الاسرائيلية التي تحارب الاحتلال، تعلن بلا تردد عن مقاطعة المستوطنات وطرح المبررات القومية الصهيونية، وليس فقط المبررات الاخلاقية التي تسعى للحفاظ على حقوق الانسان. يمكن أنه في هذه الحالة ايضا ستُطرح في الكنيست اقتراحات لمعاقبة من يؤيدون المقاطعة، في الوقت الذي تستمر فيه ماكينة عدم شرعنة الصراع ضد الاحتلال بالعمل وبشكل أكبر. ولكن المهم هو أنه حينما يتبنى معارضو الاحتلال والمستوطنات الاسرائيلية لغة قومية وطنية واضحة فان الصراع بينهم وبين اليمين الاسرائيلي سيعكس الجوهر الحقيقي للصراع السياسي بين التيارين القوميين الصهيونيين في سنوات الألفين حول مستقبل دولة اسرائيل.
في نهاية المطاف، هكذا فقط يمكن إزالة الكولونيالية من جسم الأمة.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين