آخر "لفاف" خيط في غزة

غزة- الحياة الجديدة- توفيق المصري- مع موعد وصول التيار الكهربائي على شارع الصحابة وسط مدينة غزة الساعة الثامنة مساء، كان على موعد مع عبق المجدل المحتل.. هكذا بدا المشهد حينما نزل إلى العمل، فلا يزال عمله يخض ذاكرته لفترات العمل هناك وللمة عائلته داخل "كاعة" العمل-كما لفظها- التي كانت تجتمع فيها لصناعة النسيج والملابس.
وكما تعشق أرض فلسطين دماء شهدائها، يقف ابن مدينة المجدل المسن علي عودة "85 عاما" في مهنة لا يقوى على تركها منذ صغره، مهنة صناعة النسيج التي ورثها عن آبائه وأجداده، والتي وإن مرت بتغيرات بقي في عشق "الخيط" الذي امتهن لفه؛ لجلب رزقته.
يقول المسن عودة وهو ممسك بخيط يسعى لربطه بخيط آخر: "نحن أبا عن جد في هذه المهنة، مهنة الخيطان والنسيج والقماش، حتى بعد هجرتنا من المجدل لغزة وبعدها بشهرين لمصر؛ عملت في مصانع النسيج المصرية، وحين رجعنا لغزة بقيت في هذه المهنة".
ويضيف: "حين كنا في مدينة المجدل كان عمري 16 عاما، وكنت أعمل مع أسرتي على النول وفي النسيج".
يذكر المسن عودة أن أهل المجدل قبيل الهجرة عام 1948 كانوا يمتهنون صناعة النسيج، وأن 90% من الملابس "الزي الفلسطيني" ومقتنيات المواطنين وقتها كانت من صناعة المجدل، وأن الأسرة التي كانت تمتهن صناعة النسيج، كانت تجتمع جميعها داخل قاعة واحدة كانوا يتشاطرون فيها الفرح ممزوجا بصناعتهم.
ويضيف عودة: "حين رجعنا من مصر إلى غزة في العام 1960 أنشأنا هذا المصنع وعملنا فيه واستفدنا جيدا، لكن بعد عام 1998 بدأ عملنا يتراجع، وفي عام 2004 توقفت صناعتنا، وبقينا نكابر لفترة وبعدها المصانع توقفت؛ بسبب البضائع التي تم استيرادها من الصين وتركيا وغيرها من الدول، وبعد الحصار لم نقو على المنافسة".
ظل المسن عودة طيلة سنوات يحمل بضاعته ليسوقها ويصدرها لإسرائيل ويسوقها في الضفة، حتى انه باعها وسط تل أبيب.
ما زال يذكر مصنعه جيدا رغم كبر سنه قائلا: "كان لديّ أكثر من 11 ماكينة لصناعة النسيج وكنت أصنع البشاكير والمراييل وملفات الأطفال والقماش السياحي، وبعد الاغلاق في العام 2004، لم يعد لتلك الماكينات أي جدوى، فأبقيت على ماكنتي لف الخيط اللتين كانتا مكملتين لمصنع صناعة النسيج".
بقايا المصانع المحلية والاسرائيلية التي يجلبها التجار لغزة حاليا، وبعد إعادة لفها يجلب منها المسن عودة رزقه.
وبعد أن توقفت إحدى لفيفات الخيط سارع ليربط خيطا آخر بها ليكمل الحجم المطلوب. يقول عودة وهو يقوم بربط الخيط: "يجلب تجار بقايا خيط المصانع من اسرائيل لغزة بأقل من أسعار الخيط الجديد، وأقوم بإعادة لف البقايا في مجموعات كبيرة تصلح لإعادة استخدامها مجددا، مقابل 1.5 أو 2 شيقل للكيلو الواحد، ويقوم بعدها التجار ببيعها للمصانع الكبيرة ولمصانع الحصير المحلية".
وهناك نوع آخر من الخيط يقوم بلفه المسن عودة وهو خيط يصلح للتطريز التراثي والفلاحي اليدوي، ويقوم بلف مجموعة خيطان عبر ماكينة البرم.
ويبقى عمل المسن عودة مرهونا بمجيء الكهرباء لمنطقته، ولا يتعدى دخله اليومي 40 شيقلا.
يحدثنا عودة عن الأسباب التي أدت لتراجع هذه المهنة وملامح الفخر والتحدي تبرز من وجنتيه قائلا: "هذه الخيوط المستوردة لإعادة تصنعيها تأتي بأقل من سعر الخيط الجديد؛ فلا أحد يقدر على شراء خيط جديد، حيث سعر الكيلو منه 17 شيقلا، وما يأتينا من صناعات جاهزة تباع مثلا "الشراشف" والتي تأتي لغزة جاهزة ومصنعة بـ 10 شواقل ووزنها تقريبا كيلو، فكيف سنقدر على صناعة شراشف بوزن كيلو وننافس أسعار المستورد؟".
واعتبر ان ارتفاع اسعار الخيط الجديد جزءا من سياسية الدول المصدرة للخيوط؛ في إعطاء الأولوية لتشغيل مصانعها وتشغيل الأيدي العاملة لديها.
وأضاف: "كنا نصنع الشرشف بـ 8 شواقل، وكنا نبيعه بـ 10 شواقل، واليوم يتم استيراده من الخارج وبيعه بـ 10 شواقل، وهذا أدى إلى إغلاق حوالي 8 مصانع كانت تعمل في صناعة النسيج في غزة، وبقيت الوحيد بغزة في لف الخيط".
لم يرغب المسن عودة بتوريث مهنة آبائه وأجداده لأبنائه؛ بسبب انعدام مستقبلها؛ وبسبب الحصار الاحتلالي المفروض على قطاع غزة الذي يقتل كل المهن.
وما يقتنيه المسن عودة من رائحة الماضي ماكينة برم خيط ألمانية الصنع، وماكينة لف خيط سويسرية، منذ عام 1973 اقتناهما، وتعود صناعتهما لعام 1950، ويفوق عمرهما أكثر من 50 عاما، وتعدان مصدر رزقه الوحيد.
مواضيع ذات صلة
نادي الأسير: ارتفاع عدد الأسيرات إلى 90 أسيرة داخل سجون الاحتلال
أبو عليا: أكثر من 2000 اعتداء للاحتلال على محافظة بيت لحم خلال عام 2025
سليمية يدعو المؤسسات الدولية إلى تحمّل مسؤولياتها تجاه القطاع الزراعي الفلسطيني
إحياء الذكرى الـ78 للنكبة في أراضي الـ48 وسط قيود إسرائيلية
مستعمرون يقتحمون موقع مستعمرة "كاديم" المخلاة في جنين
رئيس البرلمان العربي يدعو إلى تحرك دولي عاجل لوقف انتهاكات المستعمرين
سليمية يدعو المؤسسات الدولية إلى تحمّل مسؤولياتها تجاه القطاع الزراعي الفلسطيني