عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 22 نيسان 2026

جنين تبكي عدستها...

جنين- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- ودعت جنين، مصور الطبيعة سعيد محمد عيسة (أبو ليمون)، الذي عرف بعشقه الجارف للحياة البرية، وتحول من صياد إلى صديق للبيئة وللطيور.

أصيب أبو ليمون، المولود عام 1982 في قرية صانور، جنوب جنين، بسكتة قلبية، أفقدته الوعي 10 أيام، قبل أن يتوقف قلبه وتصمت عدسته عن ملاحقة جمال جنين وجبالها وسهولها وطيورها، صباح أمس الثلاثاء.

حمل سعيد الماجستير في الإدارة الهندسية من جامعة النجاح، وكان يكرر دائما أن عشق الطيور طور موهبته في الرسم منذ أن كان في العاشرة. وجمع الراحل بين التصوير الاحترافي للطيور، والعمل في مختبر حاسوب بجامعة القدس المفتوحة في طوباس، وتنقل في مختبرها المتحرك بين مناطق الأغوار الشمالية، لتعليم أطفال التجمعات البدوية الحاسوب، قبل سنوات، وأمضى وقتا طويلا في مسارات الطيور رفقة العديد من أصدقائه، وأولهم رفيقه فوزي غنام.

وقال سعيد، في حوار سابق مع "الحياة الجديدة" إنه كان من هواة الصيد ومارسه في أوقات مدروسة من السنة، ولاحق بعض أنواع الطيور بطرق بدائية، وكانيدرس المنطقة جيدا كي يعرف ما الذي يمكنه صيده فيها.

وكان أبو ليمون يتأسف على تحول الصيد إلى تجارة ومهنة، وتلاشي الأخلاق من الصيادين، الذين أصبح هاجسهم الوحيد جمع المال، دون مراعاة التوازن البيئي، وبعيدا عن المحافظة عليه، مع أنه الأساس للهواية.

وأضاف: صرت أخجل من الصيد، وأيقنت أنه من الضروري وضع حد لهذه المهازل، والتوجه إلى نشر وزيادة الوعي بين أفراد الناس، لنعيد لبيئتنا توازنها.

ومما قاله قبل رحيله: أتابع الحياة البرية منذ الصغر، وأحب معرفة تفاصيلها عن قرب، وبدأت منذ نصف سنة بتوثيق الطيور، وأسعى لإثراء المعرفة فيها، والإمساك بتفاصيلها الدقيقة، وخاصة مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي.

وأضاف: أيقنت أنني كنت أزعج الطيور، وربما أتسبب لها بالأذى، ولا أنسى ما صنعته لقبرة متوجة أمسكتها عدة دقائق، وبعد إطلاقها لاحظت أنها لم تبتعد، ووجدتها تنزف دما من منقارها، ولم أستطع النوم ليلتها من كثرة الإحساس بالذنب.

صار الراحل يلتقط تفاصيل الحياة البرية دون إزعاج مكوناتها، وأصبح ينقل مشاهداته في حب الطبيعة لغيره، ويسر بما يسمعه من ردود، صارت تقدم إجابات عن سبب تجواله الدائم في الجبال، والفائدة التي يحققها.

كانت أولى لقطات سعيد باستخدام الهاتف المحمول، يومها كان يضطر لاصطياد الطيور ليصورها وهي في يده، ثم يوثق إطلاق سراحها، إلى أن بدأ بالتقاط الصور من محيط منزله الواقع في طرف قرية صانور بمحافظة جنين.

التقط الراحل، الأب لخمسة أبناء، في أولى جولات التصوير 13 نوعا من الطيور، وكانت أول تجربة أدهشت متابعيه، ونالت استحسان مصورين محترفين، وعندها أيقن أن هذا هو الطريق الصحيح لتوثيق الحياة البرية، وبدأ بتطوير مهاراته في الكاميرا، وصار يتمنى امتلاك معدات أفضل لالتقاط مشاهد أكثر براعة، تساهم في نقل شغف مراقبة الحياة البرية للآخرين، والتعريف بجمال الطبيعة، وزيادة الوعي البيئي.

وحسب الفقيد، فقد كان يحن إلى قطعان الغزلان، التي تحولت إلى شيء من الخيال، حيث كنا خلال طفولته يعاني كثرتها، لكن جشع تجار لحمها، وجهل من يشتريه أبادها، وساهم في هرب ما تبقى منها إلى مناطق آمنة.

وصار أبو ليمون يتألم على اختفاء مشاهد الأرانب البرية، التي أبادها الاستخدام المفرط للمبيدات الكيماوية، ولم يعد يشاهد للسبب نفسه أنواعا من الطيور، مثلما افتقد بيوت النحل في الجبال.

ومما قاله: كان الوصول إلى البرية قريب وواضح، لكن مع الزحف العمراني غير المنظم أصبحت البرية أبعد، وفي طريقها إلى التلاشي. ولم يعد التجول في الطبيعة دون مضايقة الناس متاحا، وازدادت البيوت العشوائية، ونخشى أن نفقد ما تبقى من حياة برية إن واصلنا الزحف الإسمنتي.

كان سعيد يمضي أغلب أوقات فراغه بين أحضان الطبيعة، ويفضل المناطق الجبلية والوعرة، ويستعين بشبكة الإنترنت وما فيها ومن مواقع ومصادر عالمية موثوقة لتصنيف ما يلتقطه.

ومما قاله ايضا: لم تعد الزراعة في مرج صانور كالسابق، فالكثير من المزروعات كالبطيخ اختفت لأسباب عدة، وتقضي المياه التي تغرقه بعض السنوات على كثير من محاصيله، كما أن ضعف خصوبة التربة أدى لتراجع الزراعة في المرج، وقد أثر ذلك أيضا على الطيور، التي كانت تزور المرج بأعداد كثيرة.

وتبعا لإفادة الراحل السابقة، فبعد ملاحظته التناقص الشديد في أعداد طيور الحجل (الشنار) دشن محمية خاصة بها، صار يحتجز فيها عدة أزواج، يربيها وهي فراخ صغيرة سعيا إلى ترويضها وتدجينها، لتبقى في محيط قريته. واستمع إلى تجارب سابقة وناجحة في تكثير الحجل وحمايته، وكان يسعى للمساهمة في إعادة التوازن لهذا الطائر الجميل بإعادة إطلاقه إلى الطبيعة.

وقال سائد مسلماني زميله في الجامعة إن الأغوار الشمالية والجامعة ستفتقدان إنسانا مثابرا كان ينشر المعرفة بين أطفال التجمعات النائية، عبر مركز حاسوب "القدس المفتوحة" المتنقل.

استطاع الراحل توثيق عدد كبير من الطيور بعضها نادر أو يمر سريعا من بلادنا كـسمنة الصخور الزرقاء، والأبلق الفنشي، والسبد الأوروبي، والمالك الحزين، والبومة النسارية.

وشعر مصورو الحياة البرية ورفاق أبو ليمون: وسيم دواس، ومحمد ضبابات، وعماد دواس، وفؤاد صوافطة، وباسم موسى، وجبري خليل، وخالد أبو عصبة، وآخرون بالحسرة على غيابه، ووصفوا لـ"الحياة الجديدة" رحيله المبكر والمفاجئ بـ"الخسارة القاسية لعشاق الطبيعة"، فقد كان سعيد يمتلك سجل أحلام وأمنيات لتوثيق المزيد من الطيور النادرة.

وأضافوا بحزن: فاز الراحل بمسابقات عدة للتصوير، منها ما كان ينظمه مركز التعليم البيئي/ الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة، ومؤسسات مختصة أخرى، وكان دليلهم في مرج صانور، الذي يتحول في أيام الشتاء الغزير لبحيرة مؤقتة.

واختتم وسيم دواس: رحل سعيد الذي كان يحلم في آخر عامين بجولة في الأغوار الشمالية لتوثيق غزلانها، وقد تميز بأنه المرجعية لنا في تصنيف الطيور، ودراسة سلوكها وأماكن تواجدها.