كان ياما كان - حكايات المكان بقلم رصاص
رشا السرميطي
رحلة خطَّت بأنامل فنان مقدسي اسمه شهاب قواسمي، ومن لايعرفه! صاحب اللوحات بأقلام الرَّصاص التي انتشر بعض منها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وصفحته الخاصة، التي أخبرنا بأن ثمة كتاب سوف يجمعها، إنَّ بعض الكتب كالجواهر النَّفيسة، ومثل هذا الكتاب انتظرناه طويلاً كي يخرج للنور " كان يا ما كان" حكايات المكان بقلم رصاص صاحبه ليس فنانًا عاديًا واعتياديًا، إنَّه الانسان المنتمي للفن والهويَّة الفلسطينية، الانسان شهاب قواسمي- حمل القدس في لوحاته بأصالة لم يسبقه إليها أحد، ولم نكن على دراية بأنَّ هناك حلم، يسقيه منذ أكثر من ثلاثين عامًا، بالجد والمثابرة والابداع، كان وفاءه للقدس متينًا، حيث أخرج لنا كتابًا يوثق تاريخ الميدنة من خلال رسومات لأهم معالمها، وبالاعتماد على الفترة الزَّمنية التي تعود للقرن التاسع عشر والنصف الأوَّل من القرن العشرين.
الانسان شهاب القواسمي حمل قارئه إلى الوراء مئة عام، لعيش معه بالأبيض والأسود تاريخ مدينة وحضارة أرض لا يغفل عنها أحد، وقد بدأ الاهداء للقدس أولاً، حيث نعتها بسيِّدة القصص، وأوَّل النَّبض، ثمَّ قدَّم عمله الأصيل، والأول من نوعه في توثيق تاريخ القدس باللوحة والكلمة ليكون الفن مشهودًا على سلالم موسيقى التاريخ العريق الذي عبر عن تلك المدينة فزادها بهاء وجمالاً يعصى على من عاش فيها ومرَّ منها أن ينكره، قدَّم كتابه – كان ياما كان - إلى أبيه الذي أزهر فيها وبقي، وإلى كل مقدسي لا زال يحمل وجعها وهمومها، ثمَّ إلى القدس بكل قداستها.
إنَّه الحلم الذي رسمه وحيدًا بلونين، يحملان في دلالة علم التأويل لهما: التفاؤل والصلابة والضدان اللذان في جمعهما تضيع الفكرة وتغدو رماديَّة المنعى، لكنَّه البارع الذي جعل المسافة بينهما دقيقة بقلم من رصاص، حتَّى أعطانا الحياة لأماكن مرَّ عنها مئة عام، هي بصمة لن تمحى، وقد سجلت في اضبارة لا تزول كمرجع تاريخي وفني يحكي عن مدينة القدس بلغة من حب وعطاء تكللت بالانجاز الذي يليق بذاك المخلص، الانسان والفنان شهاب قواسمي.
عودة للماضي قبل مئة عام برزت لوحات عديدة تحكي عن: الشَّوارع، الأزقة، الحواري، القباب، المصاطب، السبل، الطرق، القناطر، الشبابيبك العتيقة، حتى الباعة المتجلون وأصحاب الحرف الغائبين قد حضروا، إنَّ القارئ للأسطر التاريخية هناك، والمتأمل في اللوحات ليجد نفسه متجولاً في تلك الحياة ويسمع أصوات المدينة قد استيقظت من سبات مئة عام.
باب السلسلة حمل المفتاح لسر بدأ منذ ميلاد الفنان التشكيلي شهاب القواسمي، منذ عام 1959م، ثمَّ بدأت الحكاية، القدس تلك المدينة التي تحتضن الأديان، وكما يراها الفنان شهاب القواسمي:" إن حضرت القدس، فلا مدينة سواها في الذَّاكرة، هي سيدة المدن، وصاحبة الصَّمت الذي يصم آذان المعتدين".. هكذا بدأ القواسمي كلماته في مقدمة الكتاب مفتتحًا اللحظة أمام القارئ بلوحة حملت جذع شجرة عتيقة تحتضن القدس بمساجدها وقبابها، يتابع ذلك بصورة للجذور والجذوع الراسخة التي تحمل خلفها القدس أيضًا في لوحة من جبل الزَّيتون تعود للعام 2016م، بعدها مباشرة يعود بالقارئ في رحلة للعام 1817م ليرى القدس كيف كانت، في لوحة للمدينة، ثمَّ ينتقل للفصل الأوَّل ليبدأ سرده عن القدس قبل الميلاد في العصر الفرعوني، البابلي، الفارسي، اليوناني، ثمَّ الحكم الروماني والبيزنطي إبان بناء كنيسة القيامة. بعد ذلك ينتقل للقدس في حياة الرسول محمد عليه السلام، وحائط البراق يظهر في لوحته صفحة "25" يقول:" متى ستجري ريح العروبة وتقل سحابًا مثقلاً بخير السماء، يرفرف علم بلادي فتنساب ألوانه تترا، وينفذ شعاع النُّور إلى عمق المدينة لتشهد شمس عربية طال غيابها" وكأنَّه لم يفقد الأمل المكسور بعد بعروبة الدول التي لابد لها من هبَّة ونجدة لرفع الطغيان عن القدس وفلسطين. يكمل لوحاته عن العصر الاسلامي ودخول الخليفة عمر بن الخطاب للقدس عام 638م، يعرج على تاريخ القدس إبَّان الحملات الصَّليبيَّة، يظهر لوحة عن كنيسة راهبات صهيون، وإلى اليمين طريق الآلام، في لوحة أخرى صفحة "31" تظهر طريق المجاهدين – البلدة القديمة. يكمل في سرده عن تاريخ القدس في زمن العثمانيين والمماليك، وبعد ذلك الانتداب البريطاني حتَّى الاحتلال الاسرائيلي. يقول:" لم يسر المسيح عيسى عليه السلام حاملاً خطايا البشريَّة في طرقات أثينا ولا أزقة روما، إنَّما سار في طرقات البلدة القديمة في القدس.. في درب الآلام".
يتطرق لأهمِّ المقدسات الاسلاميَّة في مدينة القدس: المسجد الأقصى يظهر في لوحة عام 1865م، يركز في لوحاته على الزَّخارف الاسلامية فيه، ينتقل لأهم معالمه، مسجد قبة الصَّخرة المشرفة، في لوحة تبرز قبة السلسلة، وأخرى منبر صلاح الدين الأيوبي، سبيل قايتباي، سبيل باب السلسلة، يقول:" هنا ولدت في هذا المكان، حيث يقطن الغرباء اليوم، وفي هذه الحارة بالذَّات قضيت طفولتي ولعبت مع أصحابي الصغار كل الألعاب: الركض بين الأزقة، الاختباء تحت القناطر، التزحلق على الدربزينات، القفز على المصاطب، الشقاوة في ساحات المسجد الأقصى، والصلاة أحيانًا، تقليدًا للكبار، وكان لنا أصحاب كبار، أذكرهم جيدًا، أفراد الحرس الأردني الذين كانوا يحرسوا بوابات الأقصى، كنا نحبهم ويحبوننا، لكنهم رحلوا، انتظرنا على أمل أن يعودوا، ومازلنا ننتظر، وهانحن نوشك على الرحيل لعالم آخر.. هل سيعودون؟
ويترك السؤال فاتحًا ذراعيه لقارئه، ربما يحتضن اجابة عابرة أو مقصودة، تأويلها، نعم سنرجع يومًا .. إنَّا عائدون.
انتقل الرسام شهاب قواسمي في الفصل الثالث ليستعرض لوحات عن أبرز المعالم في البلدة القديمة، فتظهر لوحة لباب الجديد صفحة "64" وبعدها باب الخليل الذي سمي منذ 1400 عام وقد عجزت سلطات الاحتلال عن تغيير اسمه رغم تهويدها لمعالم المدينة، قلعة داوود عام 1870م، باب السَّاهرة، باب النَّبي داود، باب العامود، وقد كتب رسالة له:" صديقي باب العامود تحية وبعد، أسرارك تحيرني، فأنت تتغير من حين إلى حين، رأيتك وقد غمرت التلال واجهتك، ورأيتك وأمامك طريق ترابية ضيقة يسلكها الناس والأنعام، ورأيتك وقد اصطفت السيارات في الساحة أمامك تنطلق إلى مبتغاها.. عمان، بيروت، دمشق، بغداد ورأيتك وأنت تراقب تغير حالك، وأنت صامت، ألا تعترض؟ ألا تقاوم، والسلام. أخيرًا في صفحة "86" باب الاسباط، باب الرحمة.
أما الفصل الرابع؛ تحدث به عن الاعمار الهاشمي للمسجد الأقصى سنة 1924م على يدي الشريف حسين بن علي وابنه الأمير عبدالله بن الحسين الثاني، ثم انتقل للاعمار الهاشمي الثاني عام 1953م في عهد الملك الحسين بن طلال، وأخيرًا الاعمار الثالث عام 1969م وقد استمر حتى عام 1994م.
في الفصل الخامس انتقل الفنان للمقدسات المسيحية، فتحدث عن المسحيين في المدينة، عن حارة النصارى، كنيسة القيامة وقد رسم لها لوحة عام 1905م، كنيسة الفادي، وكنيسة يوحنا المعمدان، حارة الأرمن، كنيسة الجثمانية، كنيسة القديسة حنة، كنيسة العلية، قبر البستان، دير المصلبة، دير الجلد، كنيسة قبة العذراء، قبة الصعود أيضًا. وتبقى القدس مدينة السلام التي فيها التسامح والمحبة مع الأديان كافة، هي المدينة التي لا تغلق بابها في وجه أحد وتظل رغم الغزاة شامخة، صامدة، متأكدة من الحريَّة والانعتاق ليعم السلام على من يسكنوا فيها.
في الفصل السَّادس انتقل لابراز بعض أسواق وطرقات البلدة القديمة، ومنها: سوق الصاغة الذي رسمه في لوحة عام 1905م، سوق خان الزيت وطريق الواد في لوحة تعود للعام 1865م، سوق باب السلسلة، عقبة التكية، طريق درب الآلام وقد ظهرت صورة للبلدة القدسمة عام 1930م تظهر طريق الآلام، طريق حوش الشاي، طنطور فرعون الذي يعود للقرن الأول قبل الميلاد، سبيل بركة السلطان. أخيرًا يختتم الفنان شهاب قواسمي كتابة القيِّم في لوحة لحمَّال القدس صفحة "138" ترجع للعام 1905م.
إنَّ الكتاب الذي عنوانه – كان ياما كان – ما هو إلا وقفة في مسيرة قطاف أثمرت للفنان قواسمي، بعد سنوات من المثابرة والعطاء، استطاع أن يقدِّم للقدس ولاءه في رسالة محبة خالدة، ضمَّت على الورق رسوماته وكلماته، وذاك التاريخ الذي مهما حاولوا تشويهه وتهويده سيبقى نابضًا باسمه الصريح: القدس عربيَّة فلسطينيَّة.
ويبقى الفنان شهاب قواسمي- متميِّزًا في تقديره للفن التشكيلي، وفي أعماله التي شارك بها سواء على صعيد المعارض الشخصية أم الجماعية في الوطن وخارجه، إذ تميزه هويَّة أصيلة، تجعل بالفن جذورًا راسخة تؤكد على الانتماء للمكان، وفي ذلك رسالة بناءه تبني الجيل على حب هذه الأرض، ومعرفة تاريخها، وحضارتها، والمحافظة على مقدساتها الاسلامية والمسيحية، مع احترام الانسان فيها، وإنَّها لرسالة واعية ناضجة تورق بين أيدينا لتزهر تلك الأعمال في مكتباتنا الفلسطينية فخورة بهذا العمل التوثيقي التاريخي الفني الذي احتضن القدس ورفع صوته ملبيًا نداءات حجارتها وقبابها وكنائسها، لتبقى المقاومة بالرِّيشة والقلم مختلفة.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين