عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 07 تشرين الثاني 2016

إلى جهاد هديب في ذكرى غيابه

التراب الرحيم - أمجد ناصر

لا تتاح لنا الفرصة لقول ما نريد. خصوصاً لاصدقائنا. نقول: سنحكي معهم غداً، أو بعد غد. سنخبرهم أموراً ضاعت في زحمة الأشياء... عندما تحين فرصة ثانية. لكن هذه الفرصة قد لا تأتي أبداً. لأن الموت، الكادح الكوني، لا يتوقف عن عمله المرهق. وفيما نذهب للهو، للنوم، للحمام، ننزل الى أقبية العالم السفلي، لا يأخذ هذا الكادح الكوني فرصة لالتقاط الأنفاس، لاستراحة شاي، أو قهوة. هكذا لم أستطع أن أقول أشياء كثيرة لأصدقاء خطفهم الموت وأنا أظن أن هناك وقتاً، مثلاً: كنت، بالصدفة، في عمان عندما سمعت أن صديقنا جهاد هديب خرج من المستشفى... بعدما وصلت معاناته مع السرطان الى نهاية الطريق. كأنهم قالوا له: لم يعد لدينا ما نقدمه لك، فاذهب الى ملاقاة موتك في سريرك العائلي. فارق الحياة، والشعر والأصدقاء، والسجائر من المكان الذي دببت فيه أول مرة. سألت صديقاً مشتركاً: كيف يمكن زيارة جهاد. فقال: إنه لا يرغب بزيارة أحد. صديقنا المشترك، وهو أقرب إلى جهاد مني، قال لي: من الأفضل ان تحتفظ في ذاكرتك بآخر صورة له في ذاكرتك. مات جهاد وأنا في عمان. فذهبت الى بيت العزاء. قلت في نفسي ما كنت أرغب قوله له في وجهه المندهش دائماً: قصائدك الأخيرة جميلة. يبدو أنك عثرت على نغمتك يا جهاد. ومحظوظ من يفعل. لكنه لم يسمعني بالطبع. كان قد عاد الى التراب الرحيم بعد رحلة عذاب طويلة.

 

خفيفًا على الأرض - عصام السعدي

خفيفًا على الأرض،

والقلبِ، والخاصرة...

طيّرتَ بضعٓ عصافير، وضحكاتٍ

ونزفتَ القصائد، والحشرجات

ضِقتَ بالعتمة ذات رحمٍ،

فشَقَقْتَهُ عن سبعةٍ،

وخرجت مستعجلا متململًا

كُلْ كلَّ ما أخذتُه من دنياكم

واتركني أذهبُ خفيفًا... هكذا أسررت للسرطان

وأطعمتَهُ صوتك الخفيض/ صوتك الذي كصوت فراشة خجول

وغبت!

ثقيل غيابك اليوم

ثقيلٌ كغياب طفل كان يسرعُ في تعلّم الحياة، فباغته درس الموت

ثقيل غيابك يا جهاد هديب،

يا صاحبي الخفيف على الأرضِ، والقلب، والخاصرة

وداعًا

 

 

توق الغريب إلى البحر - غازي الذيبة

لا أصدق يا قلب، كيف تدحرجت

هذا المساء، وكيف تهشم فيك

زجاج جميل لنافذة، ستصيب

الصباح ببرد الشتاء الحزين

لا أصدق أن الطريق الى الحزن

مبلولة بارتجاف الحنين

**

قل لها حين تترك قافية في زوايا المساء

هنا كنت تجلس، تسرق من كل صمت هدوءا جديدا

هنا كنت تلقي على الناي عشقا وتيها

وتنظم بيتا من الحب، بيتا، ليس له من رويٍ سواك

وتحلم مثل الطيور بعش صغير

تكثف فيه اندهاشك، توق الغريب إلى البحر،

إرث المسافر في ضحكة الموج والارتباك

قل لها كيف ستصطاد بعض النعاس  

وتجلس مثل المنوّم، تسحن قهوة ليل طويل

وتمشي مع الصمت، تمشي بلا رغبة في التوقف

هل ستظل نحيلا، وحيدا، وفي غرفة الموت،

هل سيواريك حبر الحواس؟

**

ستركض ثانية في طريقك، كي لا أصدق

أنك تركض مثل الغزال، فباب الحديقة

أقفله الليل، والسرطان اللعين، وصوت خفيض

ينادي على دمعة، حين تذوب على مقلتيك  

سيستقظ البحر والنهر والشعر

وسوف تغيب قليلا، نعم.. ليس للوقت

غير مطادرة الريح، حتى تعود

لتكتب نصا أخيرا، وأغنية مثل قلبك

تهجس بالحب، يوم فقدت الخطى

وتعثر في مقلتيك البريق

**

لا أصدق يا قلب كيف خرجت من الحرب

من دون خدش ولا كدمات من الحب

كنت كما انت منسرقا للذهاب الى خيمة

في طريق السؤال، تقيم هناك بلادا مؤقتة

وحروبا مع الظل والنهنهات الطويلة

ثم تعود إلى فرس تائه في الدروب

وتمضي وحيدا إلى الحرب والحب

لا تتقي أحدا في الهروب إلى جنة

علقت ظلها في السهوب

**

هنا أيها المتأمل، تجري القصيدة

ماء النهار المريض على هونه

صوت أم رؤوم تقاوم أشواقها

في اصطياد الأمل

لا أصدق، كيف أحب اعترافك

يا دفقتي في التراسل مع نبض قلبي الحزين

ويا نهدة من سفوح الجذل.

**

لا أصدقني حين أخطو قليلا مع الحزن

أو أتراشق صمت الزهور القريبة منك

كأنك أنت، كأن الندى عالق بالزهور

ويصحو مع الهمس، يرشف قهوته في الإياب

لا أصدقني في قراءة هذا الغبار المريب

وما صاده العاشق البدوي من الكلمات

وما رقشته أزاميل اسلافنا من حروف

معلقة في سطور الغياب

**

مساء غريب إذن، سوف يبرخ في بردنا يا رفيق

لا أصدق أنك سوف تمر إلى الموت ثانية

هل نسيت العصافير ذابلة في الطريق؟

هل تقمصت ناي الحديقة عند اكتمال الضحى

واستترت بضوء الحرائق، قلنا مريض

ويجهش بالخوف من سرطان الذهول

ولكنه كان يكتب أول سطر على دفتر الشعر

قال له سأعود، وكان يطوق أحلامه بالشروق.

**

لا أصدق هذا النهار الكثيف بأوهامه

لا أصدق هذا الغمام اللعين على شجر

تتهاوى الغرابين على جانبيه وهي تفتش

أحلامنا، ورحيق مودتنا في أعالي الجبال

كم لثمتك الأغاني الخفيفة في الصيف

كم لسعتك برودة هذا الشتاء المريض

من الخوف في طرقات السؤال

**

لا أصدق أنك نمت قبيل اكتمال الصباح

فأي طريق ستعبر وحدك، هل كدت تنسى

الطريق، وما وعدتنا ملامحنا في العبور إليه

من اللوز والتوت والنسوة التائهات؟

هل أصدق أنك كدت تسافر في كل ليل

وحيدا، لتصحو صباحك أكثر من وحشة

وأقل من الموت، يا موت لا لن أصدق

أنك سوف تغيب ولو مرة، قال لي ثم غاب

وكان بلا رجفة يتغنى بصوت الندى في الصلاة.

 

 

جهاد هديب: بقلقه الإنسانيّ والوجوديّ كتب شعره الفلسطينيّ

عمر شبانة/ عَمّان

عاش جهاد هديب ورحل بين خَيارَين: العزلة ورديفُها التأمّل، والانتشار وقرينتُه الشُّهرة، كان تركيبة، أو "خلطة" تجمع كلَيهما في شخصيّة واحدة، إنسانية وثقافيّة (شِعرا وصحافة وترجمة)، ذات سمات ومواصفات يصعب التعرّف عليها لمن كان عابرا في حياة جهاد، أو لمن يمرّ سريعا في حقل تجربته القصيرة، المضطربة والمشتّتة والمحكومة بصُوَر من القلق، الوطنيّ والوجوديّ والمعيشيّ، في آن، تجربة لم تنل حظّها من المعرفة الأكيدة والرّاسخة، بقدر ما جرى التعامل معها بقدر من التهميش، مع استثناءات قليلة ونادرة.

أقمنا معا لأيام، ولأسابيع وشهور أحيانا، في شقّته في عمّان مرّة، وفي شقّتي في "الشارقة" مرّات، نسهر وننام  ونصحو، نأكل ونشرب وندخّن ووو.. نتخاصم ونتصارخ ونتفق ونتصالح، نبكي ونضحك بلا حدود أو قوانين أو معايير حتى. هكذا نجتمع ونفترق، نختلف ونتفق. لكلّ طقوسه وعوالمه، ولكل أسباب كآبته التي كثيرا ما تبلغ حد الاكتئاب والرغبة في الاعتكاف، حتى حين نكون مع الآخرين يكون الواحد منا وحيدا ومعتكفا ومعتزلا.

وتعرّفتُ عن كثب على الكثير من سلوكيات جهاد، ليلا نهارا، طعاما وشرابا وقراءة وكتابة وعلاقات متعددة البعد، فوجدتُني أمام كائن دائم القلق والتساؤل، لكنه هادئ هدوءًا يخفي عواصف تبرز في أحيان قليلة، عواصف قد تكون مدمّرة لبنيته العصبيّة والذهنية، ما يجعل سلوكه لغزا غير مفهوم حتى لمن يعايشونه، وهكذا يجتمع الهدوء الخارجي مع "الجحيم" الداخليّ لينتج بنية سمتها اللاثبات. وربما كان الثابت الوحيد الذي تستشفه من معايشته، هو بحث نَهِم عن "التلذّذ" في كل ما يعيشه ويمارسه ويقوم به، في ما يشبه الالتزام.

ثقافيّا وعمليّا، توزّع جهد الرّاحل في خيارات عدّة، اختلطت فيها الجوانب الاجتماعية/ الأسَريّة، بعد فقده الأب، وتداخلت لديه العوامل السياسية والثقافية، والمادية الاقتصادية بالطبع، هو الطالع من بيئة مكافحة غير موفورة الحظّ، ما فرض عليه أن يكافح ظروفا قاسية انعكست على تجربته كلها، شغل "الشاعرُ" حيّزا فيها، وزاحمه "المناضل/ المعتقل"، والصحفيّ والمترجم الباحث عن التميّز في ظلّ صعوبة "العيش". لكنّ تنقّله "الرشيق" بين هذه المضامير لم يكن إلا خيارا محكوما بظروفه وملابسات هذه الظروف، ولو كان الخيار له لربّما اختار الشعر وحده، لا الصحافة رغم عطائه المتميز عربيّا في الصحافة الثقافيّة.