عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 02 تشرين الثاني 2016

ترشيح الترشيح

بقلم: أسرة تحرير هآرتس

خيرا فعلت وزارة الاتصالات إذ أعلنت أمس (الاول) معارضتها لمشروع القانون الساعي الى الزام موردات الانترنت في اسرائيل بواجب ترشيح مواقع الانترنت ذات "المضمون الضار". فخدمات ترشيح المضمون الذي يوصف بانه ضار موجودة منذ اليوم، ولكن حسب مشروع القانون، فان من يطلب الامتناع عن استخدام الخدمة سيلزم بأن يبادر الى التوجه الى مورد الانترنت خاصته بطلب مناسب.
كان في مشروع القانون هذا مس حاد بحرية التعبير وادخال أداة لجم وتحكم حكومية الى مجال الانترنت. ففي العام 2004 قضت المحكمة العليا، في قضية بث قناة "بليه بوي" في اسرائيل، بان حتى تعبير التعرية ينطوي تحت جناحي حرية التعبير، واضافت مشيرة الى أن صناعة التعرية هي الأخرى تتمتع بالحماية الدستورية لحرية العمل. ومن هنا، فانه حتى مواقع الانترنت ذات المضامين الجنسية هي جزء من المجال العام، الذي يتمتع بحق حرية التعبير، فيما أن هوامشه المتطرفة مقيدة على أي حال بقوة التشريع الجنائي. وبالتالي فان مشروع القانون يمس بالحقوق الدستورية الاساس، بقدر يفوق ما يلزم.
فضلا عن ذلك، فان مشروع القانون سعى لان يترك مجال التفكر الواسع ليس في يد المشرع، بل في يد وزير الاتصالات – المنصب الذي يتبوأه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – في أن يقرر ما هو "المضمون الضار". وترك قوة حسم كبيرة كهذه في يد جهة ادارية، ذات مصالح سياسية، هو وصفة مؤكدة للتدهور في منحدر سلس: فاذا ما تقررت في المرحلة الاولى مثلا المضامين الجنسية المحبة للاطفال فقط أو الاجرامية بانها "مضامين ضارة"، ففي المستقبل من شأن الوزير ان يقرر بان مواقع انترنت اخرى لا تروق له، لن تكون في متناول الجمهور.
وفضلا عن ذلك، فان الالزام بالواجب على من يطلب التصفح في هذه المواقع ان يتوجه الى مورد الانترنت خاصته كي تلغي آلية الترشيح، يثير خطرا في أن في مكان ما ستحفظ قائمة أسماء المواطنين الذين توجهوا بالطلب لاستهلاك المضامين "الضارة". كما ان هذا الواجب سيميز سلبا المواطنين غير الواعين لتعليمات القانون ولم يعرفوا بحقهم في التوجه. وفي نهاية المطاف، فان حكم قانون من هذا النوع ان يحبط بوسائل تكنولوجية، ستسمح بخلق التفافات سرية لاستهلاك المضامين الممنوعة، وهكذا ينشأ نوع من  السوق السوداء للانترنت، في الصيغة التي تستهلك فيها الكحول في "عهد الجفاف" في بداية القرن السابق في الولايات المتحدة.
على هامش قرار المحكمة في قضية "بليه بوي" كتب القاضي الراحل ادموند ليفي ان "نفسي تنفر من مضامين قناة البث موضع الخلاف، ولكن في ضوء أهمية الحقوق الاساس التي نص عليها في قرار المحكمة وفي القانون، وبعد أن وجد السبيل لضمان الا تكون القناة في متناول الجميع، فان النتيجة التي توصلنا اليها محتمة". خير أن وزارة الاتصالات اختارت السير في الطريق البراغماتي للقاضي ليفي، وهجر مشروع القانون الخطير.