عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 30 تشرين الأول 2016

شهادات حيّة.. ماذا حدث للاطفال اليمنيين المفقودين في اسرائيل؟

رام الله- الحياة الجديدة- لا زالت قضية الأطفال اليمنيين المفقودين في إسرائيل، تثير جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والمجتمعية في إسرائيل.

رصد تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية بعضًا من قصص هؤلاء الأطفال، ونقل شهادات لذويهم عبروا من خلالها عن عمق الفاجعة التي مروا بها. وأشار التقرير إلى احتمالات بتورط رسمي إسرائيلي في عمليات الاختطاف التي طالت هؤلاء الأطفال.

هجرة نعومي ونهاية ابنها يوسف

نعومي جيات "92 عاماً" احدى النساء التي بدأت رحلتها من اليمن قبل نحو 7 عقود، إذ كانت امرأة شابة، كانت تمتهن الحياكة وتزوجت من رجل يدعى يهيل الصائغ البالغ من العمر 13 عاماً، وفي عام 1949، وبينما كانت هناك وعود بحياة أكثر رخاءً مما هي عليه في اليمن للمجتمع اليهودي القديم، شق الزوجان الشابان طريقهما من صنعاء إلى مخيم مؤقت بالقرب من عدن للمشاركة في عملية "بساط الريح"، وهي عملية جسر جوي ضخم لنقل اليهود إلى إسرائيل الجديدة.

تصف نعومي الحياة الجديدة بانها ستكون "السماء"، ولأنها كانت تقوم بإرضاع ابنها الرضيع "يوسف" البالغ من العمر عامًا واحدًا آنذاك، قضى الزوجان ليلة واحدة فقط في المخيم قبل أن يتابعا رحلتهما السريعة إلى إسرائيل. ولكن الرحلة كانت محطِّمة للأعصاب. لم تكن نعومي تفهم العبرية ولم يكن هناك شيء لتأكله على متن الطائرة التي صعدتها لأول مرة في حياتها. وكان على اليهود وضع مجوهراتهم في خانة صغيرة قبل الصعود إلى الطائرة.

نعومي ترى ابنها لآخر مرة بعد هبوط الطائرة

وفقًا للتقرير، فإنه عندما هبطت الطائرة في مدينة اللد في وسط الأراضي المحتلة، كان الظلام والبرد شديديْن. ولدى وصول نعومي إلى المدرج في أسفل الدرج، أخبرتها ممرضة كانت في انتظارها أنها في حاجة لأخذ رضيعها يوسف. احتجت نعومي ولكن الممرضة أصرت قائلة إن الطفل كانت حالته سيئة وأنه بحاجة إلى عمل فحوصات طبية. وكانت هذه المرة الأخيرة التي ترى فيه ولدها.

وفي وقت لاحق جاءت الممرضة إلى خيمتها وأخبرتها أن يوسف جرى نقله لمخيم آخر؛ بعد شهرين، قيل لنعومي وزوجها أن طفلهما قد توفي، ولم يكن هناك شهادة وفاة أو حتى مقبرة للطفل الرضيع.

لسنوات، كانت نعومي تحن إلى رضيعها ولا تزال تضيء شمعة في أمسيات الجمعة تخليدًا لذكراه، قالت: "أريد فقط أن أعرف ما حدث له"، كما تقول بالعربية بلكنة عبرية.

نعومي ليست وحدها

بحسب التقرير، فإن نعومي ليست وحدها التي عايشت التجربة، بل العديد من القادمين الى فلسطين المحتلة، ومعظمهم من اليمنيين أو غيرهم من يهود الشرق الأوسط (المزراحيين)، عن حالات لأطفال رضع في عداد المفقودين بعد الوفاة المفاجئة أو المشبوهة في السنوات المضطربة التالية لاحتلال فلسطين واحلال إسرائيل عام 1948.

يعتقد معظم الآباء والأمهات أن أطفالهم أخذوا من المستشفيات أو من مخيمات اللاجئين، وتم إعطاؤهم إلى اليهود الإشكنازيين، الذين ينحدرون من شرق أوروبا، بما في ذلك الناجون من المحرقة، والذين لا ينجبون أطفالًا.

وقال التقرير إن إسرائيل تعد الآن بإجراء تحقيق واف عن هذه الفضيحة المزعومة، ويطلق عليها "قضية أطفال اليمن" لأن الكثير من القصص تأتي من هذا المجتمع. عائلات أخرى من شمال أفريقيا والعراق وبلدان أخرى أيضًا أبلغوا عن حالات لأطفال مفقودين، كما فعل بعض يهود الأشكناز من الدول الأوروبية والبلقان أو غيرها. أثيرت الشكوك لأول مرة على نطاق واسع الانتشار في الستينيات.

وأضاف التقرير أن "قضية أطفال اليمن" كانت موضوع ثلاثة تحقيقات رسمية إسرائيلية بالفعل. في عام 2001، خلص تحقيق درس أكثر من 1000 حالة إلى أن معظم الأطفال الذين تم البحث بشأنهم قد توفوا وفاة طبيعية. في حين قال التحقيق إن قلة قليلة منهم بالفعل عرضت للتبني، لكن معظم العائلات ترفض التسليم بنتائج التحقيق هذه. ومع ذلك، أمرت اللجنة بوضع أختام على ملفات التحقيق حتى عام 2071، مما دفع العائلات التي فقدت أطفالها – والنشطاء الداعمين لهم – باتهام الدولة بالتستر.

وفي حزيران، وفي مواجهة ضغط الرأي العام، وعد بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، بالنظر في القضية مرة أخرى، وقال في شريط فيديو نشر على صفحة فيسبوك الخاصة به: "إن قضية الأطفال اليمنيين هي جرح مفتوح لا يزال ينزف بين العائلات الذين لا يعرفون ما حدث للأطفال. إنهم يبحثون عن الحقيقة ويريدون أن يعرفوا ما حدث، وأعتقد أن الوقت قد حان لمعرفة الحقيقة وجعل العدالة تأخذ مجراها".

"تساحي هنغبي".. وزير بدون حقيبة لإعادة فتح ملفات القضية

90% وافتْهم المنية

أفاد التقرير أنه بعد فترة وجيزة من تعيينه، قال هنغبي إن مئات من الأطفال قد تم بالفعل اختطافهم عمدًا في السنوات الأولى من قيام إسرائيل، وهو ما يتناقض مع النتيجة التي توصلت إليها اللجنة السابقة.

بعض الإسرائيليين، بما في ذلك المؤرخون الذين يعزون حالات الاختفاء المزعوم إلى معدلات وفيات الأطفال العالية والبيروقراطية المبتذلة؛ كانوا قد أعربوا في الماضي عن الشكوك حول فكرة وجود مؤامرة، أو رفضوا المزاعم تمامًا.

حتى اليوم، لا يزال "دوف ليفيتان"، وهو أستاذ تاريخ في جامعة بار إيلان ومتخصص في هجرة اليهود اليمنيين إلى إسرائيل، عمل مع لجنتي التحقيق الأخيرتين؛ لا يزال متشككًا.

ونقل التقرير عن دوف ليفيتان قوله: "الغالبية العظمى من الأطفال – وأنا أتحدث عن 90% وافته المنية".

ومع ذلك، وبينما رفض مسؤولون إسرائيليون أيضًا تاريخيًا مزاعم السرقة واسعة النطاق لأطفال يهود الشرق الأوسط، فهم يعترفون الآن بأن شيئًا ما يبدو أنه قد حدث، وربما مع بعض الدعم المؤسسي.

"بساط الريح" حملت 50 الف يمني

بحسب التقرير، فقد جاء حوالي 50 ألفًا من اليمنيين إلى إسرائيل خلال عملية "بساط الريح بين عامي 1949-1950. بينما أغراهم الوعد بحياة جديدة في بلد وُلِد من جديد والخوف من مناخ تدهور لليهود في الداخل، فقد قاموا برحلة شاقة عبر الصحراء إلى معسكر بالقرب من عدن. وكان جسر جوي ضخم بتنسيق من الوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية، ضرورة لأن مصر أغلقت قناة السويس أمام السفن الإسرائيلية.

حالة أخرى.. ابنك مات "لن تجديه ابداً"

راشيل تسادوك التي وصلت في عام 1949، وتم تسكينها مع عائلتها في أكواخ معدنية بالقرب من مدينة نتانيا، تقول إن اليمنيين العاملين في الوكالة اليهودية أقنعوها بوضع شقيقها سعدية؛ أقل من سنتين من العمر، في دار لرعاية الأطفال. زارت والدتها الصبي من أجل إرضاعه، ليتم إخبارها في يوم من الأيام أن ابنها قد مات.

"لن تجديه أبدًا"، هكذا قيل لها. لعدة أشهر بعد ذلك، اعتادت «راشيل» رؤية سعدية في الحلم وهو قادم إلى منزل العائلة ويطرق باب منزلها.

بعد سنوات، وعندما بدأت قصص الأطفال المفقودين في الانتشار، كتب زوج «راشيل» إلى وزارة الداخلية الإسرائيلية في محاولة للعثور عليه. وتقول «راشيل» إنه أُبلِغَ أن الصبي غادر البلاد. «كيف يمكن أن يكون قد غادر البلاد إذا كان قد مات؟»، هكذا تتساءل.

اسرائيل.. تحاول محو الهوية العربية

لدى وصولهم، تبنت الدولة التي تعتبر نفسها أوروبية، خطوات لمحو الهوية العربية لليهود القادمين من الشرق الأوسط. غيَّرَ بعض المهاجرين الشرقيين أسماءهم، وابتعدوا عن الموسيقى وغيرها من مظاهر أوطانهم في محاولة للاندماج. واليوم وبينما يقلل الحراك الاجتماعي وعمليات المصاهرة من هذه الفجوة، إلا أن المواقف المتعالية أو العنصرية العلنية لا تزال تحدث بانتظام في الخطاب السياسي والثقافة الشعبية والداعية. تقسم المحرقة الطائفتين أيضًا: الإشكناز عانوا منها بينما لم يعايشها يهود الشرق الأوسط سوى استثناءات قليلة.

وقال التقرير: "إن سياسات قضية أطفال اليمن لا لبس فيها: المعسكر الديمقراطي الاجتماعي اليساري، الذي يسيطر عليه الإشكناز العلمانيون، كان راسخًا في السلطة في ذلك الوقت الذي شهد الفضيحة المزعومة، وورثتهم (اليوم اتحاد إسحق هرتسوغ الصهيوني) سيواجهون مسئولية تاريخية إذا ثبتت المؤامرة بشكل رسمي. والواقع أن بعض الإسرائيليين يتشككون في أن نتنياهو يسعى لكسب تأييد الناخبين من جانب اليهود المزراحيين بإعادة إحياء القضية.

ومع ذلك، فإن السرقة المزعومة للأطفال تمس أيضًا شيئًا أعمق. جاءت إسرائيل إلى الحياة باعتبارها ملاذًا آمنًا لليهود الهاربين من الاضطهاد، سواء في أوروبا أو الدول العربية. وإذا ثبتت عمليات خطف الأطفال – ربما من أجل المال، وبمساعدة من المسؤولين الدينيين ومسئولي القطاع الطبي – سيكون ذلك خيانة لتلك المبادئ على نطاق واسع، وذلك بحسب ما أورده التقرير.

قصص تروى هنا وهناك..

قال التقرير انه حتى الآن، لم يتم العثور على دليل دامغ يثبت تواطؤ اسرائيل في قضية أطفال اليمن، ومع ذلك، فإن العديد من القصص التي اتهم فيها الآباء مسؤولين في المجال الطبي أو الديني بالتورط في اختفاء أبنائهم، لا تزال تروى هنا وهناك.

ما لم يثبت – على الرغم من أن الإجابات لا تزال ماثلة في الشهادات المختومة، والتي باتت محمية بشكل وثيق بموجب القانون الإسرائيلي – هي المؤامرة المنظمة للاتجار بهؤلاء الأطفال المفقودين.

بحسب التقرير، فقد أشار توم سيغف، المؤرخ الإسرائيلي، إلى أن هناك القليل جدًا من السجل التاريخي لدعم هذه المزاعم، وما هو متاح ليس كافيًا لإثبات عملية الخطف واسعة النطاق. معدل وفيات الأطفال، كما يشير، كانت مرتفعة في الوقت الذي وفد فيه  مئات الآلاف من الناس على إسرائيل.

ونقل التقرير عن سيغف قوله: "أنا لا أقول أنه من المستحيل أن يحدث هذا، ولكنها ليست مؤامرة منظمة". ويعتقد أن أحد الأسباب التي أدت إلى حجب جثث الكثير من الأطفال الرضع قد تكون أن القانون الإسرائيلي في ذلك الوقت كان يسمح بعمليات تشريح للأطفال من دون موافقة آبائهم.

بعض الضحايا والمدافعين عنهم أثاروا احتمال رفع دعاوى مدنية ضد المستشفيات أو مؤسسات اسرائيلية أخرى إذا ظهر أنهم تورطوا في عمليات الاحتيال المزعومة.