عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 25 تشرين الأول 2016

الحاجة كريستينا.. قراءة في رواية عاطف أبو سيف

*عاصف الخالدي

لا يتسع المقال برأيي لتحليل عمل روائي كامل، لكنه يسمح باستعراضه، كما أفضل غالباً ترك مهمة تفكيك العمل الروائي للقارئ ، أما الناقد الباحث، فإن عمله التحليلي العميق والطويل، لا يشكل في النهاية أكثر من مجموعة إشارات، عن اللغة والتركيبة الفنية وما إلى ذلك، موجهة للقارئ والكاتب على حد سواء، لكن، وبما أن جولتي انطباعية، فإنني سأتناول هذا العمل الروائي الصادر عن الدار الأهلية للنشر مؤخرا، كما أراه.

 كل الذين يسكنون المخيم، غرباء. هذا ماقيل حول كريستينا الغريبة، أو فضة القريبة. العائدة بعد سنوات إلى غزة، من لندن. كل الذين يسكنون في المخيم أقرباء، فكل منهم له أسير أو فقيد، كل منهم له بيت ما، هدم في الواقع، وظل واقفاً في الذاكرة. ربما فرق غسان كنفاني حين قال: خيمة عن خيمة بتفرق، لكن عاطف أبو سيف ولأجل سبب سردي مختلف، أراد أن يجمع، وأن يتحدث عن الإنسان الفلسطيني الذي توقفت ذاكرته عند زمن ما، بعد طرده من أرضه، فظل حاملاً معه طين ذاكرته الأول، أما حياته بعد الخروج ، فظلت وخاصة خلال العقدين الأولين بعد العام 1948، ظلت فيهما الذاكرة يومية ومتقلبة، كأنها ذاكرة تسيير أعمال، فيما الذاكرة الثابتة لا تقبل المحو، ولا تتسع لبناء حياة جديدة متكاملة، كأن الحياة في مكان آخر هناك وليست هنا، في المخيم الغزي.

 الشخصية المحورية في الرواية، وهي الحاجة كريستينا، التي تروح كفتاة صغيرة إلى بريطانيا بمحض الصدفة (المرض)، الفتاة اليافاوية التي ذهبت قبل عام 1948، تعود ولكن ليس إلى يافا، بل إلى المخيم في غزة، بعد غياب سنوات، وبعد أن قتل أهلها في العدوان، فتوقفت عن كونها فتاة يافا التي أسماها والدها فضة، انتمت من حيث الشكل والمحيط للبيئة التي حمتها في إنجلترا، وصار اسمها كريستينا. إن السؤال الأول الذي تتلقاه كريستينا التي عادت بحثاً عن أهلها هو: هل أنت عربية؟، تجيب كريستينا: لا أعرف!!.  وللحظة أوحت هذه الجملة بأن كريستينا عادت إلى اللامكان واللازمان، اللذينِ كانا مكانها وزمانها ذات يوم، أو أنها حين عادت بحثاً عن عائلتها، فإنها فعلت عكس الطرفة الشهيرة، فصارت كمن أضاع قرشاً في النور، وراح يبحث عنه في الظلام، ولا أستخدم الظلمة هنا في إشارة سلبية للمخيم، بقدر ما كان رمزاً للفقد والتيه، وما يزال.

 ترتبط حياة كريستينا بكوارث فلسطين، ولدت عام 1936 سنة الإضراب الشهير، وغادرت لبريطانيا مريضة في زمن التهجير، وعادت، فيما وعود العرب بالتحرير تتعالى بشعاراتها الخاوية، ولم تعد باحثة عن نصر، بل عن عائلة. حين عودتها للمخيم، وبعد الشك الأولي الذي أحاط بالناس عن كون كريستينا ليست سوى فضة ابنة عوني الذي يعرفه بعضهم، إلا أن كريستينا لم تترك مجالاً للشك، بل انخرطت في البيئة الجديدة، فتزوجت مناضلاً هو يوسف، وأنجبت ابناً أسموه (ياسر).  لكن مسيرة حياة كريستينا عادت بها من جديد لدائرة الفقد، حين ستفقد زوجها الذي سيستشهد، وابنها الذي سيختفي بعد زمن.

  يبدأ تناول شخصية الحاجة كريستينا في الرواية بالظهور بزمن استلابي، وتقهقري، إذ يرد ذكرها لأول مرة يوم اختفائها، وظهور شبح في بحر غزة، لا يعدو كونه نذير حرب قادمة على القطاع، فيما يثير اختفاؤها الكثير من التساؤل، إذ تعود الناس على استشهاد أحدهم أو أسره أو أو... لكن الاختفاء، سيضع شائعات واحتمالات، كما فعل ظهور الشبح في نقيض فني واضح، يرينا معاناة الفلسطيني الذي اعتاد على ميتة يفرضها عليه ظرف الحرب والاحتلال أحياناً، لكنها تكون ميتة واضحة مقابل حالة الاختفاء التي تعد موتاً ضمنياً متعدد الوجوه وقابلاً للتأويل، من المهم دوماً بعد القصف، العثور على أشلاء جثة الشهيد، أليس هذا ما كنا نشاهده في الحرب، خصوصاً على مدينة غزة الفلسطينية؟

 بناء شخصية كريستينا، وشخصيات وحيوات نساء أخريات من حولها، يصب في مصلحة السرد الذي يركز على تفاصيل حياة المرأة الفلسطينية، المرأة التي تصنع الاستقرار، وتربط خيوط العائلة ببعضها، والتي كلما انفرط نسيج عائلتها، حاولت النهوض من جديد، وتجلى هذا في حياة كريستينا ومن حولها من النساء، اللواتي واجهن فقدان أبنائهن وأزواجهن و و... كأسرى وشهداء، فبنين علاقات مع بعضهن، وقمن بتكوين أسرة كبيرة، تحاول نسج الفرح والأمل من أبسط التفاصيل، أسرة تتمسك بمكانها على ذلك الشريط الساحلي، ناظرة إلى ساحل يافا بعين الذاكرة، وإلى مدن أخرى، مات الرجال لأجلها، وتركوا النساء ليتذكرنها.

 الرواية غنية بتفاصيل الحياة اليومية أيضاً، ومقولات الناس، أحلامهم، أفكارهم، مقارباتهم البسيطة، وحيواتهم التي اعتبرها الكثير منهم حيوات مؤقتة، وأقتبس  هنا العجوز الذي مات في الرواية، وهو يحمل جهاز راديو بيده، لينقل له ولو خبراً واحداً سعيداً، عن وطنه الذي يعيش فيه، ولكنه يسمع عنه من مكان آخر!. هو أبعد في الحقيقة من أن يحمل خبراً سعيداً!.

 بعد زمن روائي خصب بالحيوات والتفاصيل، تعود كريستينا التي عاشت حياتها على تخوم الفقد لتختفي من جديد، كما ظهرت فجأة في غزة، لكن، للأمل دورته. كريستينا ولدت في فلسطين، وعادت بعد حين، ثم اختفت، أما كريستينا الثانية، التي ستظهر في النهاية، فقد ورثت في جسدها طين بلادها، من بعيد، وهي الأخرى، ستعود إلى منجم الذكريات لتنقب، عمن غاب أو اختفى، وفي هذا إشارة عميقة، إلى أن الوطن كمفهوم لايضيع، ويمكن التنقيب عنه حتى في الغياب، وأن هوية الإنسان ذاكرة، وأن الحاجة كريستينا، وكريستينا الأخرى، رغم فروق الأجيال والظروف وربما العقلية والمصالح، عادتا، وأعادتا اكتشاف ذاكرتهما من جديد، على أرض الواقع، وبنتا انتصاراتهما الإنسانية من تفاصيل صغيرة، يعصى على أي احتلال تفكيكها مهما بلغ من قوة، تبدو الحاجة كريستينا وكأنها امراة عادت إلى الوطن فلم تجد من بيتها إلا جدار، فرسمت باباً، ودخلت البيت، لكنها من قبل كانت، قد رسمت الطريق!.

عاصف الخالدي: روائي ومترجم من الأردن

عاطف أبو سيف: كاتب وروائي من فلسطين.

[email protected]