مياه الصرف الصحي تنتظر الحل الشامل
هآرتس – نير حسون

جدول قدرون الذي يتلوى على طول 34 كم، من القدس حتى البحر الميت، يعتبر أحد أجمل الجداول في صحراء "يهودا"، والجدول الأكثر تلوثا في الدولة. في يوم عادي يتدفق اليه 35 ألف كوب من مياه الصرف الصحي التي مصدرها احياء شرقي القدس وبعض احياء بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا وقرى فلسطينية اخرى. على مدى عشرات السنين حاولت السلطات الاسرائيلية ايجاد حل لمشكلة التلوث، لكن الحديث يدور عن مشكلة هندسية وسياسية معقدة جدا.
وقد أدركت اسرائيل المشكلة لأول مرة في العام 1967 بعد احتلال شرقي القدس والضفة الغربية. وبدأت السلطات في محاولة لايجاد الحل. في التسعينيات، بعد بدء المحادثات مع الفلسطينيين بدأت ايضا محادثات من اجل التوصل الى حل لمياه الصرف الصحي التي تتدفق. ولكن مثلما هو الامر في مواضيع أخرى، فان مفاهيم مثل الحل الدائم والحل بعيد المدى بقيت على الورق. وقبل سنتين تمت الموافقة على خطة معقدة لعلاج هذه المشكلة. ولكن بعد فترة قصيرة تراجعت سلطة المياه وقامت بتجميدها. مصدر رفيع كان على صلة بالموضوع اعترف بأن هدف الخطة كان تقليص الضغط ولم تكن نية حقيقية لتنفيذها. في الوقت الحالي تطلب سلطة المياه والادارة المدنية اعطاء فرصة اخرى للمحادثات مع الفلسطينيين في هذا الموضوع. ولكن في منظمات الخضر هم على قناعة بأن هذه لعبة اخرى لكسب الوقت لأحد أكبر الاضرار البيئية في البلاد – هناك من يربح من استمرار تدفق مياه الصرف الصحي.
الحل الأمثل الذي حظي باسم "الحل الشامل" يستند الى اقامة موقع لتكرير المياه العادمة في اراضي السلطة الفلسطينية، حيث يستوعب الموقع كل مياه الجدول. إلا أن هذا الحل بحاجة الى تعاون بين الجانبين. والطرف الفلسطيني يرفض هذا الاقتراح دائما، خصوصا لأن جزءا من هذه المياه يصل من الاحياء اليهودية والمستوطنات. حل آخر وهو اقامة موقع متقدم يُمكن من علاج مياه الصرف الصحي على منطقة صغيرة داخل حدود القدس، تم رفضه بعد انسحاب الشركة الهولندية التي تملك التكنولوجيا بسبب ضغط سياسي.
على خلفية هذه الصعوبات قامت "بلدية القدس" ببلورة، مع سلطة المياه وجيحون، حل حظي باسم "الحل العصري"، الذي يتكون من عدة عناصر تهدف الى تقليل كمية مياه الصرف الصحي في الجدول وتكرير الكمية المتبقية. وهو يشمل اقامة محطتين للتجميع، واحدة في تلبيوت والثانية في غاي بن هينوم، حيث تقومان باستيعاب جزء من مياه الصرف الصحي قبل وصولها الى قدرون. ومن ثم تتدفق الى جدول شورك لتكريرها في القدس الغربية.
شمل الحل، اضافة الى ذلك، حفر نفق في أسفل جبل المشارف يضخ جزءا آخر من مياه الصرف الصحي الى جدول أوغ، حيث يوجد هناك موقع اسرائيلي للتكرير. والمياه التي تتبقى في الجدول، من المفروض أن يتم تكريرها في موقع صغير تتم اقامته داخل القدس. الحديث يدور عن اربع خطط مختلفة يفترض أن توفر جميعها الحل للمشكلة. ميزة هذا الحل هو أنه لا يحتاج الى موافقة الفلسطينيين، لأن تنفيذه سيتم داخل القدس.
وقد تم التقدم في الخطة في ظل الضغط الكبير من "بلدية القدس"، لا سيما ممن كان على رأس اللجنة المحلية للتخطيط والبناء، كوبي كحلون. وقبل سنتين تمت المصادقة بشكل نهائي على الخطة في لجان التخطيط وبدأت اجراءات اصدار تراخيص البناء ونشر المناقصات لاقامة المواقع. موقع من هذه المواقع، محطة السحب في تلبيوت، تم تخصيص الميزانية له من وزارة المالية. إلا أنه بعد المصادقة على الخطة قامت سلطة المياه بشكل مفاجئ بالتراجع وطلب اعادة النظر في موقفها من جديد.
لقد أثار هذا الموقف حفيظة المخططين في بلدية القدس ووزارة الداخلية. وفي أعقاب ذلك توجهت جمعيات "تسلول" و"الدفاع عن الطبيعة" الى محكمة العدل العليا بادعاء أن سلطة المياه كانت شريكة في بلورة الخطة، وليس من المعقول الغاءها بشكل أحادي الجانب بعد استثمار ملايين الشواقل ومئات ساعات التخطيط، الأمر الذي سيعيق ايجاد حل للتلوث لبضع سنين. "هناك عدم استقامة سلطوية نحو الجمهور"، جاء في الدعوى المقدمة من المحامية حايا ايرز.
مصدر رفيع المستوى ومطلع على هذا الموضوع قال إن سلطة المياه ترتدع عن الثمن الذي سيحتاجه الحل المزدوج – حوالي 300 مليون شيقل، اضافة الى التكلفة العادية لعلاج مياه الصرف الصحي. وقد اعترف المصدر بأن خطة الحل المزدوج وُجدت بسبب الضغط الذي مارسته وزارة الصحة ووزارة البيئة على "بلدية القدس" وجيحون لحل المشكلة. وقد شمل هذا الامر التهديد بتقديم دعاوى شخصية ضد اصحاب الوظائف بسبب التلوث المتواصل. وحسب ادعاء المصدر فقد سعت السلطات على مدى سنوات الى ايجاد حل من اجل الاظهار أنه يوجد تقدم، لكن دون نية حقيقية لتنفيذ ذلك. وعندما أصبحت الخطة جاهزة تراجعت سلطة المياه.
قبل شهر كتب مدير عام جيحون، آفي بن شنكوف، رسالة شديدة اللهجة حول هذا الموضوع للمستشار القانوني للحكومة، والمدعي العام للدولة ومراقب الدولة. "في ظل هذا الوضع، شركة جيحون تجد نفسها الآن بين المطرقة والسندان. فمن جهة يتم تهديدها من وزارة البيئة بأنه اذا لم تخرج لتنفيذ انشاء محطتي السحب من دون تأخير، فسيتم فتح تحقيق ضدها وضد الموظفين فيها بتهمة تلوث جدول قدرون. ومن جهة اخرى، تأمرها سلطة المياه بشكل حاسم بعدم البدء في هذه المرحلة من التنفيذ وانشاء محطتي السحب".
حتى هذه الاثناء حصلت جيحون على موافقة لاعلان مناقصة لاقامة أحد الموقعين في تلبيوت. إلا أن هذه الموافقة تتعلق فقط بالجدران الخارجية وليس بالمواسير ومضخات السحب.
وفي نفس الوقت بادرت جيحون الى اعداد تقرير لدراسة البدائل المختلفة. وقامت شركة سترين باعداد التقرير. ويترأس الشركة غال هيرشكوفيتش الذي كان مسؤولا عن الميزانيات في وزارة المالية سابقا. وحسب التقرير الذي وصل الى الصحيفة يجب العودة الى الحل الشامل، أي انشاء موقع تكرير كبير في مناطق السلطة الفلسطينية في مرتفعات الجدول، أو نقل مياه الصرف الصحي بأنابيب الى موقع أوغ حيث تقوم اسرائيل بتجميعها فيه، حيث سيتم توسيع هذا الموقع كي يستوعب كمية المياه العادمة. لكن المشكلة هي أن هذين الحلين بحاجة الى تعاون السلطة الفلسطينية. وقد جاء في التقرير أن هناك "فرصة كبيرة لامكانية التوصل الى الاتفاق والتعاون في المستقبل". ويستند هذا التفاؤل الى المحادثات التي أجراها منسق شؤون الحكومة في المناطق، يوآف مردخاي، مع ممثلين عن السلطة الفلسطينيين. منظمات الخضر على قناعة بأنه مثلما لم ينجح التعاون على مدى عقدين، فهو لن ينجح في هذه المرة ايضا، وسيتم تأجيل خطة اعادة تأهيل جدول قدرون بسنوات طويلة.
"هذا الامر يتكرر منذ 15 سنة"، قالت داليا طال، مديرة حملات "تسلول". "في كل مرة يلوح فيها حل للمشكلة، يتم سحب هذه الورقة الخاصة بالاتفاق مع الفلسطينيين. ورغم التفاؤل، إلا أنه يبدو أن هذا مبرر آخر وتأجيل آخر".
في هذه الاثناء هناك من يستفيد من الوضع الراهن، أو هذا على الأقل ما تزعمه منظمات الخضر وايضا جهات رفيعة كانت مطلعة على الامر. مياه الصرف الصحي التي تتدفق على طول قدرون تصل الى موقع اقامته جمعية المياه التابعة لغور الاردن في غور هوركانيا في قلب صحراء "يهودا". الموقع الذي أنشئ من دون إذن يشمل برك لتجميع مياه الصرف الصحي، التي تستخدم لري حقول اشجار النخيل في القرى الزراعية الاسرائيلية في غور الاردن. وخلافا للمزروعات الاخرى، فانه معروف أن اشجار النخيل يمكنها التأقلم مع المياه، بغض النظر عن مستوى تلوثها. وحتى الآن تم أخذ المياه من المستوطنين في الغور عن طريق هذا الموقع ومن دون موافقة السلطات. ولكن على خلفية تأخير الحل، وقع مؤخرا اتفاق استثنائي بين جيحون وبين جمعية المياه في غور الاردن. وحسب هذا الاتفاق فان جيحون ستدفع للجمعية مقابل اخراج المادة الصلبة من مياه الصرف الصحي. هذا على الرغم من أن الموقع يعمل من دون ترخيص. ويقولون في جيحون إن الحديث يدور عن حل جزئي ومؤقت، وهو أفضل من لا شيء. "لو لم تكن هناك اجواء اشتباه، لكان الجميع باركوا ذلك"، قال ينون لصحيفة "هآرتس".
ادعاءات اخرى تؤيد الاتفاق تقول إنه يشمل بند تتعهد فيه جمعية المياه بعدم تدفق مياه الصرف الصحي الى الجدول بعد هوركانيا، أي أن الجزء السفلي من الجدول سيبقى نظيفا.
لكن منظمات الخضر على قناعة بأن الاتفاق، الذي يعطي حلا جزئيا من خلال موقع غير قانوني، سيعيق ايجاد الحل الشامل.
وقد جاء من سلطة المياه بأنها تلتزم بايجاد حل بيئي جيد وقابل للبقاء، وأنها تعمل من اجل ايجاد حل مهني شامل. الخطة المزدوجة لعلاج هذا الامر لم يتم الغاؤها وهي موجودة في لجان التخطيط. وتتم ايضا دراسة بدائل اخرى.
وجاء من وزارة البيئة: "الوزارة تؤيد كل حل يعمل على ايقاف الضرر الذي يتعرض له جدول قدرون بأسرع وقت. ولم تكن الوزارة جزءا من الاتفاق بين جيحون وبين جمعية المياه في غور الاردن. ويشار الى أن موقع المياه العادمة في غور هوركانيا يعمل من دون ترخيص ويتسبب بضرر بيئي. إن احتجاز مياه الصرف الصحي في هذا الموقع لا يشكل علاجا للمياه العادمة للقدس. والوزارة لا تؤيد انشاء هذا الموقع".
مواضيع ذات صلة
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين