مصمما الخارطة الاقليمية الجديدة

مفترق الشرق الاوسط - عوفره بانجو
حدثت تغييرات على خارطة القرن الواحد والعشرين، غيرت قوانين اللعبة في المنطقة، وغيرت باعقاب ذلك التوازن السياسي بين عناصر القوة المختلفة التي تفعل فعلها.
قبل مئة عام تم تصميم خارطة الشرق الاوسط من قبل عناصر قوة خارجية، سواء بريطانيا أو فرنسا. أما اليوم فان مصممي الخارطة الاقليمية هم لاعبون محليون، وفي الوقت الذي شكلت فيه البنى القومية الدول، فان القرن الواحد والعشرون يتميز بعناصر غير الدولة. وفي الوقت الذي سيطرت القومية العربية في القرن العشرين، فاليوم تسيطر عناصر اسلامية وعرقية، وهي التي تحدد البرنامج اليومي السياسي. وفي الوقت الذي قرر الجيش النظامي في السابق فان المقرر اليوم هو جيش غير نظامي، ميليشيات ومنظمات ارهابية.
الصراع بين الاكراد والدولة الاسلامية الذي اندلع علنا في صيف 2014 هو مثال نموذجي لهذه التغيرات، هذا اللاعبان، اللذان يصممان الخارطة السياسية اليوم، هما جهات ليست دولة، بل محلية، والاثنان يستندان على قوة عسكرية غير نظامية والتي ستتحول الى نظامية مع الوقت والاثنان يمثلان تيارات تزعزع شرعية الدول القائمة. في الجانب الكردي انه التيار العرقي القومي وفي الطرف الاخر التيار الاسلامي السلفي، والتطورات في المناطق التي تسيطر عليها كردستان في العراق وسوريا هي صورة في المرآة للتطورات لدى داعش، الذي تبنى لنفسه اسم الدولة الاسلامية في صيف 2014. هذان اللاعبان يتغذيان على الشرخ الذي اجتاح دول الهلال الخصيب، والاثنان كفرا بالدولة حيث سيطرا على مناطق ساد فيها فراغ سياسي واقاما فيها انظمة سلطة خاصة بهما. والاثنان محيا الحدود بين سوريا والعراق، والاثنان يستندان الى متطوعين من دول اجنبية والاثنان يستخدمان الاعلام الجديد من اجل تحقيق اهدافهما.
ولكن في مجالات اخرى انهما متعاكسان. والفرق واضح في الجانب الايديولوجي والتفكير السياسي وبنية السلطة. الدولة الاسلامية هي معادية للغرب، ليست ديمقراطية وسلفية متطرفة، بالمقابل فان طرفي كردستان اللذان يحاربان الدولة الاسلامية هما عكسها تماما. في المركزين الكرديين توجد ملامح سلطة ديمقراطية وعلمانية، وبشكل ادق، ابتعاد عن الاسلام السياسي.
في الماضي اعتبر الاكراد عنصر عدم استقرار على المستوى الاقليمي، واليوم هم الذين يؤثرون على الاستقرار والاعتدال، بالمقابل فان الدولة الاسلامية المتميزة بالتطرف والبشاعة الغير مسبوقة، انها تلاحق الاقليات، تقوم بعمل المجازر والاغتصاب وتهدم كنوز الثقافة الانسانية بطريق لا تقل عن افعال الحملة المنغولية في القرن الثالث عشر. الاكراد بالمقابل، يتميزون بالاعتدال وتقبل الاخر ويمتنعون عن الاعمال الانتقامية.
وعلى الرغم من هدم القرى والمجازر التي قام بها نظام البعث في سنوات الثمانين، فانهم لم ينتقموا لذلك، كما يفعل الشيعة اليوم ضد السنة التي تؤيد البعث، والذين يسمونهم جحوش. اضافة لذلك، هناك حوالي مليون ونصف لاجئ يحتمون في المناطق الكردية في العراق ومن ضمنهم يزيديين، نصارى، أكراد وعرب. هذا في الوقت الذي لا تسارع فيه حكومة بغداد لاستيعاب اللاجئين. ولا تقوم ايضا بتحويل ميزانيات للمناطق الكردية من اجل المساعدة باستيعاب اولئك اللاجئين.
بعد احتلال الموصل من قبل داعش واحتلال كركوك من قبل قوات البشمركة الكردية (الاسم الرسمي للقوات المسلحة لكردستان) في بداية حزيران 2014، بدا وكأن الطرفان قادران على التوصل لتسوية مؤقتة، لكن الاكراد تفاجأوا بشكل كامل بعد شهرين حيث توصلوا لهدف مركزي لهجوم الدولة الاسلامية، واعتبارات الدولة الاسلامية في هجومها على المناطق الكردية السنية كانت استراتيجية واقتصادية واضحة: حاولت السيطرة على منابع النفط لكركوك التي سقطت للتو بيد الاكراد وكذلك السيطرة على الطريق الاستراتيجية بين العراق وسوريا في منطقة سنجار. اعتبارات مشابهة دفعتها في مرحلة متأخرة لمحاولة السيطرة على المنطقة الكردية في سوريا حيث قامت ثلاث كانتونات في صيف 2012، ايضا في المنطقة الكردية في الحسكة الغنية بالنفط هناك صراعات بين الاكراد وبين الدولة الاسلامية.
هكذا تحول الاكراد والدولة الاسلامية الى اشد الاعداء، بالذات على ضوء نجاح الاكراد بكبح تمدد الدولة الاسلامية في مناطقهم. هذا على العكس من الجيوش النظامية في سوريا والعراق التي هي غير قادرة على دحر داعش. وحقيقة ان الدولة الاسلامية حاربت باكثر من جبهة في الوقت ذاته سواء في سوريا أو في العراق، قد اضعفت الضغط على الاكراد، ويحاول الاكراد رغم تهديد داعش الحفاظ على انجازاتهم.
في هكذا ظروف السؤال الذي يطرح نفسه هل الدولة الاسلامية تساعد أو تؤخر القومية الكردية وسعيها الى الاستقلال. وعمليا، فان الدولة الاسلامية والاكراد كذلك يحاربان من أجل ذات البلاد وذات المصادر. الارباح التي عادت على الاكراد من ظهور الدولة الاسلامية يمكن أن نذكر منها انجازات استراتيجية، وانجازات في الدعاية والوعي. لكن الربح الاساسي أخذوه في العراق، حيث احتلوا هناك مناطق مليئة بالنفط وكانت مثار خلاف بينهم وبين السلطة المركزية في بغداد. مشكوك فيه أن الاكراد كانوا سيتجرأون لولا حملات الاحتلال من الدولة الاسلامية التي هددت كركوك وأعطت دفعة ومبرر للاحتلال الكردي. وازداد التضامن القومي الكردي في جميع انحاء كردستان وكذلك الاستعداد للمشاركة في الحرب ضد الدولة الاسلامية. اذا كانت الحرب تسرع من بلورة الهوية القومية فان هذه الحرب قد ساعدت الاكراد في ذلك. اضافة الى ذلك، حسب شهادات مختلفة، فان ظهور الدولة الاسلامية مع تطرفها الديني، أدى الى ضعف الاسلام السياسي وتراجع تأثيره على المجتمع الكردي سواء في كردستان العراق أو سوريا. عدم الاستقرار الذي تسببت به الدولة الاسلامية، وعدم قدرة الجيش العراقي والسوري وكذلك الحكومتان في الدولتان على القيام بدورهما أعطى الشرعية للتقسيم. كذلك الضغط الذي تتعرض له بغداد قد زاد من التعلق بالاكراد ولا سيما في كل ما يتعلق بتصدير النفط. لكن حكومة بغداد لم تتعلم الدرس من فشلها في متابعة شؤون العرب السنة، وهي تستمر في التشويش على الاكراد فيما يتعلق بنقل الميزانيات المستحقة لهم بناء على اتفاق تم توقيعه في العام الماضي وايضا في معالجة تقديم السلاح الذي تعهدت به جهات دولية. والتصور الذي يحمله المجتمع الدولي للاكراد حصل على دفعة حقيقية في أعقاب ظهور الدولة الاسلامية. حيث أن افعال الدولة الاسلامية تُظهر الاكراد بمظهر ايجابي اكثر من السابق، وتظهر أهميتهم بالنسبة للغرب من اجل نظام مستقر في الشرق الاوسط. وبعد الظهور الكبير للاكراد في الساحة الدولية بدأوا في الحصول على مساعدات اقتصادية وعسكرية بما في ذلك قصف جوي لجيوش مختلفة من اجل كبح الدولة الاسلامية، الامر الذي يعمق الخلاف اكثر فأكثر بين الدولة الاسلامية وبين كردستان.
من ضمن الخسارات يمكن ذكر حقيقة أن المواجهة مع الدولة الاسلامية كشفت الضعف العسكري الكردي، حيث النقص الخطير في السلاح. في الوقت الذي تتسلح فيه الدولة الاسلامية بالسلاح الاميركي الثقيل والجديد الذي سيطرت عليه من الجيش العراقي في الموصل في حزيران 2014، وفي الرمادي في أيار 2015، أما الاكراد فسلاحهم قليل وقديم، وكميات السلاح التي تصل اليهم قليلة مقارنة بتلك التي تصل الى بغداد. المأساة هي أنه رغم أن الجيش العراقي تحول الى برميل دون ارضية، ورغم فشله الكامل أمام الدولة الاسلامية، فان الولايات المتحدة تستمر في تزويده بالمساعدة العسكرية. والكمية القليلة من السلاح التي ترسلها للاكراد تصر على نقلها عن طريق بغداد، الامر الذي يعيق، واحيانا يمنع، وصول السلاح الى الاكراد. وهكذا ايضا تتصرف بعض الدول الاوروبية.
أبعاد سلبية اخرى تتعلق بظهور الدولة الاسلامية هي تأجيل الاستفتاء الشعبي حول استقلال كردستان العراق، وضرر اقتصادي كبير ازداد في أعقاب الحاجة الى استيعاب 1.5 مليون لاجئ، ومواجهات آخذة في الاتساع مع بغداد التي تعيق حرب الاكراد ضد الدولة الاسلامية.
عمليا، أدى ظهور الدولة الاسلامية الى تطور مثلث العلاقات المعقد، حيث أن مركباته الثلاثة متداخلة مع بعضها البعض وفي نفس الوقت هي تحارب بعضها البعض - الدولة الاسلامية، كردستان وحكومة بغداد التي تحارب ضد المليشيات الشيعية التي تعمل معه. كردستان وحكومة بغداد تتصارعان من اجل السيطرة على الارض والمصادر والسلاح. ونظرا لأن هذه الحرب تحمل طابع ايديولوجي، فان الدولة الاسلامية اذا اضطرت الى التركيز على المنطقة الكردية أو الشيعية أو العلوية فيمكن أن تختار تركيز قوتها لاخضاع الشيعة. الامر الذي سيزيد من تشابك المثلث الذي تؤثر فيه جهات خارجية، وكل جهة تسحب في اتجاه خاص بها واحيانا في اتجاهين متناقضين. اللاعبون الخارجيون الثلاثة هم الولايات المتحدة وايران وتركيا، وكل واحد منهم يساعد لاعبين: الولايات المتحدة وايران تساعد الاكراد وحكومة بغداد، تركيا تساعد الاكراد ومن وراء الكواليس تساعد الدولة الاسلامية ايضا.
لكن في الوقت الذي تستعد فيه السلطة الكردية للاكتفاء بالمنطقة التي تسيطر عليها اليوم، فان العراق والدولة الاسلامية تريدان السيطرة على كل العراق. وفي الوقت الذي تطلب فيه السلطة الكردية الانفصال عن العراق، فان السلطتين الأخريين تطلبان الحفاظ على السلامة الجغرافية للعراق. مع ذلك يبدو أن الجاليات التي تقاس بالقدرة على السلطة، تعتبر السلطة الكردية هي الاقدم والانجح. الدولة الاسلامية تجربتها أقل لكن ديناميكيتها تغطي على ضعف قدرتها على السيطرة. أما حكومة بغداد فهي بعيدة كل البعد عن السيطرة. والأمل الذي علقوه على تغيير نوري المالكي – التكنوقراط الفاسد الذي ألحق الضرر بالسنة – واستبداله بحيدر العبادي، فشل.
نتيجة الصراع بين الاجسام الثلاثة ستحدد اذا ما فرضت قوات اسلامية متطرفة التطورات المستقبلية في المنطقة أم ستفرضها قوى معتدلة اكثر. هل يمكن أن تغير احداث مصر وتونس، العراق وسوريا وتقام هناك انظمة مستقرة قادرة على الحكم. الخريطة الجيوسياسية متحركة اليوم. فهي موجودة في ذروة عملية معقدة واحيانا مدمرة. ومع ذلك، فان العمليات التي حدثت عميقة وقد اجتازت نقطة اللاعودة. سيكون من الصعب على العراق وسوريا العودة كدولتين كما كانتا في القرن العشرين. لهذا فان تقسيم المناطق الكردية هو حقيقة واقعة، وسيستمر الاكراد في السير البطيء باتجاه الاستقلال في العراق والحكم الذاتي في سوريا. لا يجب الاسراع بنعي الدولة الاسلامية. اذا تم اخضاعها فعلى الاغلب أن جهات سنية بهذا الاسم أو ذاك ستظهر وتستمر في الصراع من اجل اعادة الوضع الى ما كان عليه.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد