الهروب من الفلوجة: ١٢ ساعة في الصحراء لعبور حواسيب «داعش»

من يريد التفكير بالخروج من مدينة الفلوجة، ينبغي له أن يبحث عن الوسائل والأساليب التي يقتنع بها عناصر تنظيم «داعش»، الذين يقفون على الطرق المؤدية إلى خارج المدينة، وغالباً ما تنتهي محاولات العائلات بالفشل لأن عدداً كبيراً من عناصر التنظيم اعتادوا مواجهة هذه الأساليب بحكم سيطرتهم على المدينة منذ سنة ونصف السنة.
وتمكنت سيدة في عقدها الخامس، من الخروج بأعجوبة مع ابنها من الفلوجة باتجاه جسر بزيبز أحد منافذ العبور الرئيسة إلى بغداد بعد 3 محاولات فاشلة بالهرب.
التفكير بالخروج
تقول «أم ياسر»، التي سردت قصتها لـ «الحياة»، إنه «بعد اشتداد القصف الجوي والمدفعي على المدينة وخاصة الأحياء الســـكنية، فضلاً عن أساليب عناصر التنظيم العدائية ضد الأهالي والاعتقالات العشوائية ضدهم بتهمة التعاون مع الأجهزة الأمنية العراقية مع شح كبير في الأدوية والإسعافات الأولية بالمستشفى وقلة الكادر الطبي، قررنا الخروج من المدينة بأي طريقة كانت، ومهما كلفنا ذلك من ثمن».
وتضيف، «لست وحدي من يفكر في الخروج، بل ان كل العائلات ممن ليس لديهم ارتباط بتنظيم داعش، تريد ذلك، لأن البقاء في مدينة مهددة بعمليات عسكرية برية أشبه بالانتحار».
أوراق رسمية
لا يمكن أي شخص أن يخرج من الفــلوجة، إلا إذا كانت بحوزته أوراق رسمية مختومة من قبل «والي داعش»، تؤكد أن الشــخص يحــتاج للخروج للعلاج.
وتقول أم ياسر، «ليس هناك أي وسيلة للخروج من المدينة وبشكل رسمي وعبر سيطرات التنظيم إلا إذا كانت هناك تقارير طبية صادرة عن التنظيم».
ويعقد التنظيم، كل أسبوع، اجتماعاً مفتوحاً في أحد المساجد حيث يختار مسجداً مختلفاً حتى لا يتم قصفه، ويضم لجنة طبية ولجــنة شرعية ولجنة أمنية، تقدم لها طلــبات الخروج، وهي من يحدد مصير صــاحب الطــلب بالبقاء أو بالخروج.
وتمضى أم ياســر: «ليس كل أهل الفلوجة يعلمون بموعد ومكان عقد هذه اللجنة، ففي غالبية الأحيان تكون سرية، لأن التنظيم لا يرغب بإخلاء المدينة من ساكنيها».
بداية الرحلة
تقول أم ياسر: «أوقفت سيارة أجرة بالقرب من جامع الصديق وسط المدينة، وقلت له إلى منطقة تسمى العبرة (البوشجل)، فطلب سائق السيارة مبلغاً قدره 25 ألف دينار (20 دولاراً أميركياً)، وفي الطريق، قال: سنمر بثلاث نقاط للتفتيش، إن كنتم تحملون أوراقاً رسمية وتقارير من التنظيم فهذا جيد، وإن كنتم بلا أوراق رسمية، فدعوني أنا أتحدث مع الحواجز، لأن عناصر التنظيم يعرفون أساليب العائلات التي ترغب بالخروج من المدينة».
بعد عبور منطقة الصقلاوية، وصلوا إلى أول حاجز يضم شخصين من التنظيم يضعان اللثام على وجهيهما ويحملان أسلحة خفيفة وجهاز اتصال لاسلكي، وعلى مقربة عدد من العائلات التي منعت من العبور.
تواصل أم ياسر، سرد رحلة الهروب، «ألقى سائق السيارة التحية على عناصر الحاجزين، بعد إخباره أن لدي تقريراً طبياً ولكن ليس من التنظيم، فسألوه إلى أين تتجه؟، أجابهم: إلى بيت الحاج محمد فلديهم مريض نزوره، فسمحوا لنا بالمرور، وبين الحاجز الأول والثاني مسافة نحو 300 متر تقريباً، وبعد وصولنا، وجه العناصر السؤال للسائق، إلى أين تأخذهم، فقال إلى بيت الحاجة سميرة في البوشجل، فسألني أحد عناصر التنظيم وكانوا ثلاثة أشخاص، ما صلة القرابة مع الحاجة سميرة، فأجبتهم إنها أختي وأرغب بزيارتها، فسمحوا لنا بالمرور، وبعد نحو 500 متر وصلنا إلى نقطة تفتيش أكبر وتضم عدداً أكثر من المسلحين، فقالوا إلى أين تتجهون، فقال السائق، إلى العبرة، فرد عليه المسلح، لا يمكن السماح لكم بالعبور».
نزلت أم سمير من السيارة وهي تصرخ، وبدأت تخاطب العناصر بغضب وبأنهم «سبب دمارنا والقتل وأنهم يريدوننا أن نموت في القصف».
كانت العائلات تستظل الأشجار، بأعداد كبيرة، فقال لهم أحد المسلحين، «نحن مأمورون، لا يمكننا أن نسمح لكم إن لم تحملوا أوراقاً رسمية من الدولة الإسلامية».
دخلت أم ياسر في شجار، كاد أن ينتهي باعتقال ابنها. وقالت، «وصل شخص يدعى أبو عبد الله العراقي، وهو مسؤول العناصر، وسألني عن سبب الغضب والصراخ، فأخبرته برغبتي في الخروج من المدينة لحاجتي إلى العلاج، فسمح لي بالخروج».
ركبت سيارة الأجرة نفسها، حتى وصلت إلى منطقة العبرة في البوشجل، وهناك دفعت السيدة الفارة من جحيم الفلوجة أجرة السائق الذي تركها وعاد من حيث أتى.
وفي منطقة العبرة، كان هناك مسلحون من تنظيم «داعش»، يقومون بعملية تفتيش دقيقة جداً، للأشخاص والسيارات والبضائع، ولديهم حاسوب (لابتوب)، وأجهزة كشـف متفجرات، وكانت أم ياسر قد شهدت اعتقال أحد المراهقين الذين وجدوا اسمه ضمن قائمة المطلوبين للتنظيم.
العبرة
تقول أم ياسر، «حملنا حقائبنا وركبنا زورقاً، وعبرنا به نهراً صغيراً في منطقة البوشجل، وتطلب ذلك نحو 5 دقائق وكان النقل مجاناً (…) إلى الضفة الأخرى، وجدنا مرأباً لسيارات الأجرة وفيه أكشاك لبيع الماء والعصائر وطعام الوجبات السريعة، حيث يمكن للمسافرين استئجار السيارات إلى جسر علي الحاتم شمال غربي الرمادي، وكانت الأجرة لكل شخص 40 ألف دينار عراقي (35 دولاراً أميركياً)، وحين ركبنا السيارة، طلب السائق عدم توجيه أي أســئلة له إلا إذا كانت ضرورية».
الطريق من العبرة إلى الرمادي
مرت أم ياسر وابنها بطرق زراعية وبساتين محترقة ومنازل مدمرة وتظهر عليها آثار القصف، عبر مناطق البوبالي والبوعيـــثة والـبوفراج والـــبوذياب، وتقول، «لم نر في الطريق سوى آليات عسكرية محترقة وسيارات مدنية مقصوفة».
وتتابع، «الصمت كان يسود رحلتنا... السائق لا يرغب في التحدث مع المسافرين خشية استهدافه، وكنا نسمع أصوات قصف لمدافع واشتباكات متقطعة، كنا نقف بعض الأحيان بضعة دقائق حتى يهدأ الوضع ثم نكمل المسير».
جسر علي الحاتم
وصلت الرحلة إلى محطة جسر علي الحاتم بعد ثلاث ساعات من خروج أم ياسر من الفلوجة، وكان قد تعرض إلى التفجير وصار حطاماً، عبرنا نهر الفرات عن طريق زوارق لتنظيم «داعش» مجاناً، وعلى ضفتي النهر توجد سيارات للأجرة».
تقول أم ياسر، «سألت أحد السواقين، من أين الطريق إلى بغداد، فقال: هذه السيارات تذهب إلى بحيرة الرزازة، ومن هناك سيارات إلى معبر بزيبز حيث العبور إلى بغداد».
استقلت السيدة الفلوجية سيارة وكانت أجرتها 125 ألف دينار (100 دولار أميركي)، وإذا بالسائق يدخل في عمق الصحراء، حيث لا يوجد أي علامة مرورية ولا إشارة واضحة. استغرقت الرحلة في هذا الجزء منها نحو أربع ساعات في الصحراء، وعلى ما تقول أم ياسر، فإن السائق اعتمد على آثار إطارات السيارات وكلما وجد سيارة في الطريق تمكن من الحصول على معلومات عن الاتجاه الصحيح نحو الرزازة.
وصلت أم ياسر إلى الرزازة وإذا بها اسماً من دون مسمى، فلا أثر لمياه البحيرة: »عبرنا مشياً على الأقدام من فوق أرض البحيرة الجرداء وهو الجزء الفاصل بين الرزازة وبحيرة الحبانية، فوجدنا سيارات أجرة تنقل المسافرين والبضائع من وإلى بزيبز».
معبر بزيبز
قال السائق، «بعد قليل ستواجهنا حواجز للجيش العراقي والحشد الشعبي، فمن كان مطلوباً للحكومة فلينزل حتى لا نقع في أي ورطة». قبل الوصول إلى عامرية الفلوجة، اضطر المسافرون للتوقف عند نقطة مشتركة للحشد والجيش العراقي، طلبوا من الركاب النزول وتفتيش السيارة وكان لديهم حاسوب (لابتوب) يدققون فيه أسماء المطلوبين.
لاحقاً، انطلقوا مجدداً حتى معبر بزيبز (المنفذ الحدودي) بين الأنبار وبغداد من الجهة الجنوبية الغربية للعاصمة العراقية، حيث عبر الهاربون من الفلوجة عبر جسر خشبي باتجاه بغداد. تقول أم ياسر، «لم نر خلال هذه الرحلة وخاصة بين جسر علي الحاتم وبين الرزازة، القوات العراقية أوعناصر التنظيم».
حصلت أم ياسر على أذونات رسمية لدخول العاصمة بغداد، وكتب فيها، «على حاملها مراجعة أقرب مركز للشرطة خلال مدة أقصاها 3 أيام من الوصول إلى بغداد، كي يتمكن من تسجيل نفسه في دائرة الهجرة والمهجرين».
استغرقت رحلة هروب من الفلوجة إلى بغداد نحو 12 ساعة، قطعت فيها أم ياسر، وفارون آخرون، مسافة تقدر بـ 280 كيلومتراً في حين أن المسافة الاعتيادية بين الفلوجة وبزيبز وفي الوضع الطبيعي تبلغ 30 كيلومتراً وفي وقت لا يتجاوز نصف الساعة.
تقول أم ياسر، «الرحلة كلفتني مع ابني ما يعادل 300 دولار أميركي، وهي رحلة شاقة وصعبة وتتطلب الكثير من الحذر واليقظة، لأن الشك والتخوين يساور كل من كان بالطريق من مسافرين وعسكريين وأمنيين، حيث لا مكان للخطأ».
وتحشد القوات العراقية آلياتها ومعداتهــا للبدء بمعارك برية تجاه الفلوجة، التي تضم نحو 30 ألف نسمة، فهل سيكون طريق العائلات هو نفسه طريق أم ياسر، وهل يمكن العائلات أن تدفع أجور النقل المختلفة وتتحمل مشاق الطريق ووعورته ومخاطره، وهل ستوفر القوات العراقية ممرات إنسانية آمنة قريبة من مراكز المناطق المحررة والقريبة من الفلوجة؟
مواضيع ذات صلة
أوتشا: المستعمرون هجروا 100عائلة فلسطينية في الضفة خلال أسبوعين
الأمم المتحدة: إسرائيل ما زالت تقتل الفلسطينيين في غزة
"الأونروا" تحذر من إغلاق الاحتلال مركز قلنديا للتدريب وتعتبر هدم مقرها بالقدس عملًا شائنًا
الوزير عساف يوقع اتفاقيتي تعاون مع "روسيا اليوم" ووكالة "سبوتنيك" الروسيتين
جنوب لبنان يطوي مساء مثقلا بالنار والدمار
شهيد ودمار في المنازل إثر غارات شنها الاحتلال على جنوب لبنان
تصعيد إسرائيلي على لبنان وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة المواجهة