عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 03 آب 2016

بين الشاعر والعاشق

رائد حامد السلوادي

للوهلة الأولى، يبدو أن الشاعر غير العاشق، ولكن بعد أنْ شابَ شَعري، وعجزتُ عن تنميقِ شِعري، تبيّنَ لي الكثيرُ من الشبه بينَهما:

فالعاشقُ يشتاقُ لمحبوبتِه، تشرقُ الشمسُ وتغيب، ويهلُّ البدرُ ويأفل، وهو ينظرُ إليهما على أنهما معشوقتُه.. وكذلك الشاعر، فهو يرقبُ قصيدتَه، يشتاقُ إليها، يرى موسيقاها شمساً وقافيتَها بدراً.

العاشقُ قد تصيبُه الرجفةُ عند اللقاء، ويتسارعُ نبضُ قلبِه، حتى يكادَ يخرجُ من بينِ ضلوعِه.. أما الشاعرُ فعندما تنضجُ قصيدتُه يبدأُ يرقصُ ويدندن، ويتأمّلُ فيها ولا يخجل من تقبيلِها...

الشاعرُ تومضُ في ذهنِه الفكرةُ والشعورُ ومضةً قد لا تحتملُ التأجيل.. كذلك العاشق، فالحبُّ نظرةٌ وومضة، إذا أُهملت أو تراخت قد لا تعوّض..

العاشقُ يسهرُ ليلَه، وإن أغمضَ عينيه فقد يمطرُه طيفُ المحبوبة، من حيث يدري ولا يدري.. كذلك الشاعر، فهو يسهرُ ويرقبُ المفردات، وإذا ما هدأ هُنيهةً تجد المعانيَ قد أمطرتْه والصورَ أتحفتْه..

الشاعرُ يتوجعُ ويتألمُ وهو يرسمُ فكرتَه بمفرداتِه.. كذلك العاشق، فهو يتصارعُ مع الشوقِ فيوجعُه حتى يكادَ يبريه..

الشاعرُ ليش إنساناً عادياً، فلديه عبقريةٌ من نوعٍ ما، إلى حدّ الآن نفهمُها مرةً، ومرةً نجهلُها.. أما العاشقُ فهو يختلفُ عن الإنسانِ العادي؛ فيملك قلباً مغايراً، ولديه إحساسٌ مرهف..

العاشقُ قد يقتلُه عشقُه، إما انتقاماً من حسود، أو من شدة الحرمان.. وكذلك الشاعر فقد يقتله قصيدُه انتقاماً من بيت أو غيرة، أو من شدةِ إعمالِه ذهنَه، فقد يموتُ قبل نضوج عمره كحال ذي الرمة وأبي تمام..

وأجملُ ما في الأمر، إذا كان الشاعر عاشقًا، ومرّ في تاريخِنا منهم، كالعباس بن الأحنف صاحب فوز، وذي الرمة صاحب مية، والقيسين صاحبي ليلي ولبنى، وكثير عبد الرحمن صاحب بثينة، وجميل بن معمر صاحب بثينة ...

وللهِ درُّهُم من شعراء؛ أوجعونا قبلَ أن يتوجعوا