عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 10 تموز 2016

في ذكرى رحيل غسان كنفاني .. حيفا في انتظار العودة !

رام الله –الحياة الجديدة- ثورة حوامدة -  كيف سيكون شكل العودة بعد عشرين عاما من الغياب في رواية "عائد إلى حيفا" للأديب الشهيد غسان كنفاني؟ وهل هناك أكثر من طريق للعودة يمكن العبور منها؟ أو هو طريق وحيد لا مناص من اختياره وسلوكه ؟   

كان (سعيد . س) يقف على مشارف حيفا، يقول لزوجته صفية " هذه هي حيفا يا صفية ! "، منوها إلى أن الأشياء ما عادت على حالها الذي كانت عليه، وأنه كان في انتظار حيفا أخرى تلاقيه لا يلاقيها، تجده لا يجدها، تفرح لقدومه لا يبكي حالها "إنني أعرفها، حيفا هذه، ولكنها تنكرني" ص2، في حين أنه كان يحفظ حيفا حجرا حجرا، شوارعها العالقة في الذاكرة دونما نسيان، وهو تماما الذي حدث ويحدث في حالة مشابهة تعيشنا ونتعايش معها يوميا.

" طبعا نحن لم نجيء لنقول لك اخرجي من هنا .. ذلك يحتاج إلى حرب"، هذا ما أكده "سعيد" للبولونية "ميريام" التي اعتقدت للوهلة الأولى بأن قدومهم إلى حيفا وإلى منزلها تحديدا بعد كل هذه السنوات من أجل استرجاع البيت، ولكن الأمر في اعتبار "سعيد" يؤخذ من منظور آخر، فالحرب هي المنفذ الوحيد الذي تأكد منه، لتعرفه حيفا كما عرفها، ولتعود له كما تركها، وكما عاشر شوارعها ودرجات سلالمها.

اللجوء والحنين والغربة والتشرذم الوطني والتفكك الداخلي والعودة، جميعها بلا استثناء لا تشكل وطنا، إلا أنها توحي بما قد يستجد لو كان الوطن خالصا لنا، نعيش فيه بمفردنا، لا يشاركنا هواءه أغراب يزجون عبثية روائحهم في أنوفنا، ولا ماءه الذي تنكره علينا قرارات مدروسة بعناية، ولا ترابه الذي يحاول الفكاك من يد دخيلة لا ربط أو صلة بينهم . وهذا ما عزم "سعيد" بطل الرواية على إيصاله لنفسه أولا حينما قال "الوطن .. هو أن لا يحدث هذا كله".

الرحيل الموشوم بالخذلان لا يمكن نسيانه إذا ما تكرر للمرة الأولى والأخيرة، كنقطة أكيدة على صفحة لا سطور جديدة فيها، ولا عودة يمكن فيها أن تمحى الذي كتب سابقا، والوقوف في المنتصف بحيث لا يمكن التقدم أو الرجوع إلى حيث البداية يجعل النهاية صادمة، حينما تمنى "سعيد" أن يكون ابنه "خالد" الذي خاض معه نقاشا طويلا قبل أيام من زيارته لحيفا قد التحق فعلا بالفدائيين من أجل الدفاع عن الأرض/فلسطين، وهذه هي القضية الوحيدة التي اعتبرها "خالد" قضيته التي تعايش معها وصدقها لإيمانه الكبير بها، على اعتبار أن الإنسان قضية، لا تنبت ولا تتجذر من روابط الدم أو الهوية أو الجنسية .

الإرث الثقافي الذي تركه غسان كنفاني من مجموعات قصصية وروايات، ومقالات أدبية وسياسية نشرت في الصحف اللبنانية، خير دليل على صدق القضية التي دافع من أجلها وقدم حياته ثمنا لها، وعاش بالقلم والورقة يسطر فيها نهايته التي كانت فاجعة في تاريخ 8/تموز/1972م، اللحظة التي أنهت الجسد لرمز فلسطيني تأكدت أهميته من استمرار حضوره في الأذهان، وأن العدو حين يقرر أن يقتلك لا يبدأ إلا بمن يفهم حيله وألآعيبه.

في الذكرى الرابعة والأربعين لرحيل غسان كنفاني ما عادت الأخبار تؤخذ على مسامع الساسة بنفس الجدية، ولا القضية الفلسطينية التي تواصل المضي قدما على أكثر من وتيرة لازمت خط سيرها الذي بدأت به، كثرة الخطوط وتشعباتها وتخبط القرارات المتخذة وترك التفكير في الأشياء التي يفترض أن لا تكون على الهامش أفقد النتيجة لذتها التي نرجوها كفلسطينيين، ونعيش على أمل تحققها مرغمين لا مخيرين .