سلمى جبران تلعب «خارج مدارات الذات»
كي تقبض على الوطن الأسير!
النمسا ـ طلال مرتضى
حين تتوه عنك، وتصير بوصلة خاوية، سمتُها الهباء، جهاتها سرابٌ من ذكريات غيّبها الوقت، صار لزاماً عليك الانتفاض على أناك البائدة، لا لتستقيم، بل لتشرع بأنك لم تزل تمسك زمامَ المبادرة، وأنك قادر على استرجاع عجلة الزمن خلفاً، لا لتناور من جديد إنما لتحصي خساراتك السالفات، بل لتجعل منها مدّاً لخارطة طريق صار الوصول إلى مراميها نُصب مداك. للتو، استفقت منك لتزيح عن كاهلك إرثك الكسير بقوة الحبر وسلطة الشعر العظيم:
ما كِدْتُ أبحث في رمادي
عن قديمي في غدي
حتّى
رأيْتُ ملامحَ العنقاءِ تخرُجُ
تَستَرِدُّ منَ الرَّدى
عبَقًا حباها حقبةً…
حواجز يتخطاها الحبر!
تلك هي الزوبعة التي افتعلتها سلمى جبران عبر الحبر ليخرج صوتها مدوياً خارج مدارات الجدار العازل، بعيداً عن غبن الأسلاك الشائكة التي باتت تخنق أبناء الداخل المحتلّ. أرادت أن يكون الحبر حماماً زاجلاً ـ لا يأبه لنقاط الحدود وحرّاسها ـ يوصل هجس روحها إلى المدائن القصية الوصول. «خارج مدارات الذات»، ديوان صادر عن «مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع» ـ بيروت، بالتزامن من نسخة أخرى طُبعت داخل الأرض المحتلة 2016. وهنا، لا بدّ من التنوية وإطلاق صرخة موجعة وقاتلة. فالنسخة البيروتية من هذا المطبوع، اليوم، أسيرة على أحد المعابر بين الأردن وفلسطين. ما أجمل أن يؤسر شعركم أيها الكبار:
فإنّني صوتٌ وأغنيةٌ
يحاورها صراعُ
لا مُلْكَ لي
في هذه الدّنيا
ولا سنداً
فقلبي مُفعَمٌ
ويدي يراعُ!
فمنذ العنوان الحامل «خارج مدارات الذات»، والذي تشي دوالّه بأن الكاتبة أرادت اللعب خارج مضاميرها الخاصة، ولكي تعتلي مركب الكلام عليها أولاً تأسيس قاعدة تكون الحامل لما ستنجزه. فكان الوطن ـ الذي دأب المحتل على سلخه من روحه، بل على شطب ذاكرته كي يبني على أطلال هذه الذاكرة التي لا تموت مزاعمه بأحقية الأرض والمكان ـ القابضة عليه كمن يقبض على الجمر، حيث لا يهيلها هول ولا يضرّها ضر:
في الرّيحِ مواقِعُهُ
وتهاوى الحُلْمُ
تحوَّلَ وطني روحاً
في كلِّ حواسي مَوْقِعُهُ!
هذا السهل الممتنع هو روح الشعر، بعيداً عن العبارات المنمّقة والمتكلّفة. بدأت سلمى جبران تماهيها مع ذاتها أولاً وهو ما يجعل من مقولتها أقرب إلى الحسّية التي تلامس حال القارئ التي خرجت هي الأخرى من لدنه. فجاءت دفقاتها الشعرية عفوية منسابة مثل نبع رقراق:
كشفي عن روحي
يجعلُني أشقى
أبحثُ
خلفَ رماد الغيمِ الأسوَد
عن بارقةٍ من أملٍ.
عشق غجري…
كيف لا؟ وهي الغارقة حتى نفثة الحبر الأخيرة بهالة الحبّ، العشق المتمرّد، المشاغب الذي يلهب الأوردة رغماً عن كل الدوائر التي تسعى إلى خنقه في رحم أمه، ومن يجرؤ أن يقتل الحبّ الغجري؟
إنَّ روحي نطفةٌ غجريَّةٌ
لا تستكينُ ولا تنامُ!
قاربت نصوص سلمى جبران في معمارها الفنّي من تشكيل القصيدة النثيرة الحرّة توسّلاً، وتعالقت معها في أحيان كثيرة، من حيث الجرس الموسيقيّ، وكذلك الحكائية داخل النصوص التي تجترع من الحكي دراما محبّبة لدى القارئ: أَن أشعُرَ صِفراً دونَكَ
أَن أفنى كي تفرَحَ
أَن تتجمَّدَ روحي حينَ تغيب
هل هذا حُبٌّ أم كُفرٌ أم قُدسيَّهْ؟!
لم تحفل خواتيم نصوص سلمى جبران بنهايات صادمة أو على الأقل تنبيهية، بل عبرت القارئ متهادية مع «ريتم» النصوص وحكائيتها، وهذا ما يسمُها بالعادية المباشرة.
مواضيع ذات صلة