النّقرّة في الرّأس
محمد علي طه
يعرف الأدباء والشّعراء والفنّانون الومضة التي تحرّك سكون مياه الغدير اللازورديّة فتتدافع موجة تتلوها موجة تلحّ على استنتاش العمل الأدبيّ من البذرة التي في الأرض الطّيبة، وتلمع هذه الومضة في رأس المبدع في زمن غير محدّد، صباحاً أو مساءً، نهاراً أو ليلاً، وفي مكان غير متوقّع مثل المقهى أو المطعم أو الشّارع أو الميدان أو على ضفّة النّهر أو على شاطئ البحر أو في الغابة أو السّيارة أو القطار أو الطّائرة وغير ذلك. هذه الومضة أسماها مؤلّف "ثلاثيّة نيويورك" الرّوائيّ الاميركيّ بول أوستر "النّقرة في الرّأس" حيث يقول في حوار شائق معه: "كلّ كتاب من الكتب التي كتبتها بدأ بما أسمّيه "نقرة في الرّأس"، نوع محدّد من موسيقى أو إيقاع أو نغمة، ومعظم الجهد الذي أبذله في كتابة الرّوايّة يكمن في الحفاظ على التّأثير الأدبيّ المنعش لتلك النّقرة أو ذلك الإيقاع".
وأمّا الكاتب البرتغاليّ العالميّ، صديق ونصير شعبنا العربيّ الفلسطينيّ، خوزيه سارا ماغو (1922-2010)الذي نال جائزة نوبل للآداب في العام 1998 وصاحب رواية "العمى" الشّهيرة التي ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة فيصف هذه الومضة في حوار معه: "كعادتي مع جميع رواياتي، فإنّ فكرة رواية "العمى" انبثقت فجأة في رأسي, فقد كنت يوما جالسا في مطعم أنتظر وجبة غداء وفجأة وبلا أيّة سابقة تساءلت: كيف سيكون الحال لو كنّا كلّنا عميانًا؟ وكان جوابي لهذا التّساؤل: نحن فعلا عميان في الحقيقة. وهكذا وُلِدَ الجنين الذي تأسّست عليه روايتي "العمى"وكلّ ما كان عليّ فعله لاحقًا هو أن أرتّب الظّروف الأوّليّة للرّواية وأدع النّتائج المترتّبة على هذه الحقائق تولد بشكل طبيعي". وأمّا العمى الذي يعنيه الكاتب الكبير فيفسّره: "العمى الذي قصدته في الرّواية عمى اصطلاحيّ يحيل إلى عمل العقل البشريّ الذي يسمح لنا بلا أيّ وخز من ضمير أن نرسل سفينة فضائيّة لتحطّ على المرّيخ ونتفحّص مكوّناته الصّخريّة في الوقت الذي نسمح فيه لملايين من الكائنات البشريّة أن تتضوّر جوعا على كوكبنا الأرضيّ. نحن إمّا عميان أو مجانين ولا شيء غير هذا".
وأعتقد أنّ كلمة "نسمح" غير دقيقة وكان الأفضل استعمال كلمة "ندع" مثلا، ولا أدري إذا كان استعمال الكلمة في الأصل من الكاتب الكبير أم من الصحفيّ المحاور أو من مترجمة الحوار الكاتبة العراقيّة المعروفة لطفيّة الدّليميّ التي كنت قد التقيتها في عمّان في أثناء مشاركتنا في مهرجان جرش في العام 1995 في فترة حكم صدّام حسين للعراق والحصار الاقتصاديّ الاميركيّ الوحشيّ على الشّعب العراقيّ، وحدّثتني بأسى عن معاناة شعبها البطل.
وفي أثناء الصّمود الأسطوريّ للمقاومة الفلسطينيّة الباسلة في مخيّم تلّ الزّعتر في لبنان كنت عائدا في الحافلة العموميّة من عملي في مدينة حيفا إلى بيتي في قرية كابول الجليليّة وفجأة كانت "النّقرة في الرأس" وبدأت أردد أغنية طفل فلسطينيّ في المخيم المحاصر شطرة وراء شطرة، ورقص فرح ولادة القصّة على وجهي، وانتبهت إلى أنّني أجلس في حافلة عموميّة ويرى أحد الرّكاب رقصة الفرح على وجهي ويسمع أحدهم صوتي فيظنّ بي الظّنون فتصنّعت الرّزانة, ولكن اللقطة, الومضة, النّقرة أخذت تزّن وتطنّ لأيّام حتّى كانت قصّتي "عائد الميعاريّ يبيع المناقيش في تلّ الزّعتر".