سمك في جنين
عدلي صادق
كتبت ميساء بشارات من جنين، لتبلغنا أن شابين صديقين، هما ناصر العزب وتوفيق الحسن، أعدا بركتين متواضعتين لزراعة الأسماك. ولما كانت بلادنا، نصف عطشى، إذ تعز المياه ويعلو ثمنها إن استهلكت بكميات كبيرة؛ فقد وجدا الجدوى في تلازم تربية الأسماك مع زرع الخُضر في جوار البركتين، لكي يبتاع الفلسطيني ما يرغب فيه من الأسماك، مع معظم مواد التتبيلة والسلطات المرافقة. فمن جهة، تَسقي المياه القديمة زرعهما، وهي مياه تكون قد اختلطت بسماد عضوي زاخر بجميع الفيتامينات، ومن جهة ثانية لا تضيع المياه هدراً، حين تُستكمل الفائدة منها بالسقاية، مع توفير كُلفة تسميد الزرع. وبغير هذا التلازم بين زرع السمك وزرع الأشتال، لكي تُستخدم المياه مرتين، ستكون الخسارة مؤكدة، لذا يصح القول إن مشروعهما الاقتصادي رائد وخلاّق، وينبغي أن يحتذى، من حيث هو منهج لتلافي الهدر والمثابرة، والانزراع في الأرض، والاعتماد على النفس، وترشيد الإنفاق والسعي فيما يفيد الناس!
مثل هذه المشروعات الصغيرة، هي عناوين الاستنكاف عن السؤال، أما العرض الدائم، لسمات الفاقة وطلب الغوث، فهي من جنس الخيبة، لا سيما في عالم بدأ يضجر من الشعوب التي يأخذها حاكموها الى حال بائسة. فقد أدهشتنا، من بين ما شاهدناه في الكثير من أوطان الآخرين، مشروعات سياحية، توافرت فيها حدائق التنزه، على برك من مستطيلات متوازية، زُرعت فيها أنواع جيدة من الأسمال التي تضاهي مثيلاتها في البحر. فقد شاهدتُ ذلك في كازخستان، وهي بلد شاسع غني بكل أنواع الثروات، بما فيها البترول والمعادن والمياه. وفي بعض بلدان الجنوب، أو العالم الثالث، التي تفتقر الى التخطيط الشامل، وذات المسار الاقتصادي العشوائي، كانت المبادرات الانتاجية، التي يضطلع بها أذكياء من ذوي الهمم والمروءة، تلبي الكثير من حاجات الأسواق والشعوب. وبئس الطبقات السياسية، في مثل هذه البلدان، التي تخيلت أن المجد سيتأسس لها من خلال السيارات الفارهة، والعطور والنظارات الشمسية باهظة الأثمان، والعمائر المنيفة، واستهلاك الوقود على مشاوير فارغة، فيما الشعوب تعاني من شظف العيش.
في بلادنا، يبدو أن وزارة الزراعة الفلسطينية، كانت رمت فكرة زراعة الأسماك، في مرحلة التفاؤل. لكن الشابين في جنين، بالتأمل وبالدراسة، عندما أرادا إخراج الفكرة الى حيز التنفيذ، تغلبا على عقبة الكُلفة العالية، فأرفقا الجهد الزراعي المعلومة نجاحاته في فلسطين، بالجهد المستحدث لإنتاج أسماك. وعليه يمكن القول، إن دواعي البقاء على هذه الأرض، بالكيفية التي تلائم الوطنيين، تتطلب روحاً خلاقة، أو روحاً أخرى. ولمن لا يعرف، إننا في الآونة الأخيرة، أصبحنا نتلقى من الداعمين الأوروبيين، تقارير نقدية تتبرم من رفع معدلات الصرف على قطاعات غير منتجة. ولكي نظل في موضوع بركتي جنين، نقول إننا، في حال إغلاق غزة، ما زلنا نستورد الأسماك من إسرائيل، ومعظمها من انتاج مزارع ذات مياه مالحة، تنتج أسماكاً أقرب في مذاقها الى اسماك البحر. أحد الشابين صاحبي البركتين، يقول إن التسويق لا يزال صعباً من حيث تقصير العرض عن تلبية الطلب. أما الخاملون في الإدارة والقطاعات الخدمية، وهم أنفسهم الميسورون في الأجور؛ فلا زالوا يزرعون سمكاً في البحر الميت!