حسين جميل البرغوثي ما زال حيا ,,,, ما زال ميتا
محمد زقزوق

بدأتُ القراءة لحسين البرغوثي متأخراً حين دعاني أحد الأصدقاء لقراءة نتاجه ، حينها شرعت في قراءة سأكون بين اللوز وهو الكتاب الاخير لحسين البرغوثي ، بالأحرى هو الكتاب الذي صدرَ فعليا بعد وفاته بالسرطان في 1 / ايار من عام 2002 إلا أن الكتاب كان دعوة عارمة للغوص في نتاج حسين البرغوثي الأدبي و الفكري و الفلسفي .
الكتاب خلق لدي حالة غير اعتيادية أو يُمكن القول ايقظ لديّ جوقة متعالية و متصاعدة من سيان فكري و شعوري جرفني نحو القراءة المتكررة و المتعمقة في نتاجات البرغوثي القليلة.
الكتاب الذي يسرد فيه حسين البرغوثي أحداث نهايته بالعودة إلى البداية إلى الجمال الذي سبق و أن خانه إلى ريف رام الله المختلف حيث الدير الجواني و بدايات القصص و الحكايات و المثلوجيا الفلسطينية في أقصى درجات تجليها و نضوجها الفكري ، شكل لديّ رغبة متأججة نحو قراءته أكثر من مرة و في كل مرة تتجدد الحالة و يرتفع الايقاع و يعلو الصوت في أعماقي ،الصوت الذي يمتلك طاقة خارقة تتجاوز ثقل الوجود الفيزيائي و المحسوس و يجدر الاشارة هنا إلى أن هذه الطاقة الغير موصوفة كانت قادرة على تجاوز ايقاعات القذائف و صوت الحرب بعد أن فشلت كافة الوسائل و الطرق التقليدية في تجاوزها .
ليس هنا أصدق ممن يكتب على بعد امتار من النهاية ، عدى كون حسين البرغوثي شخصا صادقا إلى أبعد الصور و هذا الصدق المهول ينسكب في القلب بطريقة لا يمكن معها سوى الصمت و التناهي مع الحالة و تتبع ايقاعها بدقة متناهية .
تتابعت القراءة في نتاجات البرغوثي قرأت الضوء الأزرق بعدها و سقوط الجدار السابع و الضفة الثالثة لنهر الأرض و حجر الورد و مرايا سائلة و لم تنفك حالة الدهشة في كل كتاب عقب كل جملة و في كل طريقة جديدة يصنع بواسطتها حسين البرغوثي بعدا جديدا بلغة سهلة و موضوع يغوص حتى الأعماق في النضوج .
ومن يقرأ حسين البرغوثي لا يُمكن له أن ينفصل بالمادة المكتوبة عن صوت الكاتب و شخصه ذلك كون كتابي حسين البرغوثي الأكثر صيتا _سأكون بين اللوز و الضوء الأزرق_ هما سير ذاتية و هذا بطبيعة الحالة ينقل القرّاء بطريقة أبو بأخرى إلى حسين البرغوثي الشخص المختلف بالضرورة .
لم يكن حسين البرغوثي كاتبا عاديا على الاطلاق فهو في حالة دائمة من قلق وجودي مذهل وُلد معه و تنامى بصورة مبكرة و كبيرة و تشعب في أكبر من اتجاه فحسين المصاب بلعنة الأسئلة و التوق الكبير إلى المعرفة و امتلاك الحقيقة إن وجدت ، قرأ حتى أصبح كاتبا موسوعيا فمن الماركسية التي تدعي أن لديها طريقة لتغير العالم و هيكل ونظرة الكلية و الشمولية و نتيشة و الذات العليا القوية التي لا تضعف إلى لمسة صوفية تتخذ من اللغة طريقة و غاية في الوقت ذاته وحسين البرغوثي مر بكافة المراحل و لامس كافة الاتجاهات و اختلط بالمنبوذين و الصوفيين و المختلين و الفلاسفة و المتشردين عايش التجارب و كان جزءا منها و نضجت لديه المعرفة بالتجربة و الاحتكاك الحي و المباشر إلى جانب القراءة المُكثفة وحالات التأمل الطويلة أو قد تكون الدائمة .
من وجة نظري كان حسين البرغوثي فيلسوفا بالدرجة الأولى و من الفلسفة بدأ يكتب فأصبح الفيسلوف الكاتب وإن كان بلا شك وجود اقتران إلى حد كبير بين العملين إلى أن حسين أرتكز على الفلسفة و بدأ يكتب وليس العكس بمعني أنه اراد أن يكون فيلسوفا متأدبا وهذا ما حدث فعلا فكل أعمال حسين البرغوثي تعكس ارادة و نفس فلسفي واضح بفجاجة مكتوب بطريقة أدبية . و المتتبع لمسيرة حسين البرغوثي الشخصية يُمكنه ملامسة نزعته الفلسفية العالية فهو كاتب مفلس على الهامش أو على حد قوله على الهامش الكبير من الحياة غير مهتم بالنشر أو الأضواء ، مشغول بطاقة ذهنية متقدة و مستمرة تجعله طول الوقت في حالة هذيان و تأمل و جنوح نحو الصمت و الانعزال و يجعل حتى من عمل الكتابة الاعتيادية شئ لا يمكن فعله نظرا لعمق الفكرة التي تضيق بها العبارة كلما اتسعت , وعندما قرر حسين البرغوثي الكتابة كان السرطان قد جاء في الوقت الغلط , في أوج عطاءه و نضوجه الفكري و طاقته الكتابيه و شغفه المتسع جاء السرطان لينهي القصة سريعا وما زال لدى حسين البرغوثي الكاتب الأكثر تهميشا من قبل المؤسسة الرسمية الفلسطينية الكثير ليقوله و الكثير لنتمتع به .
ذهب حسين مبكرا وما زال محشو بالرؤى و النضوج و الفكر تاركا وراءه حيزا قصيرا من الفعل الكتابي الغني و الناضج و قبرا هناك بين اللوز
مواضيع ذات صلة
الشعراء ودمار المدن بين الحداثة والخراب
حسين البرغوثي في الضفة الثالثة للمدن الخائفة.. الابن يترجم اباه بعد اكثر من ربع قرن على رحيله
المقاطعة الفنية تعزّز حراكها في أوروبا ضد مُموّلي الاحتلال
فوتوغرافيا رندا شعث .. يوميات فلسطينية بصيغة محمود درويش
مقهى الشعراء
سفارتنا بمصر تكرم أبطال العرض المسرحي "على باب النكبة 48"
"صنع في العراق".. سيرة لأربعة أجيال من النساء