عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 10 أيار 2016

حسين جميل البرغوثي ما زال حيا ,,,, ما زال ميتا

محمد زقزوق

بدأتُ القراءة لحسين البرغوثي متأخراً حين دعاني أحد الأصدقاء لقراءة نتاجه ، حينها شرعت في قراءة سأكون بين اللوز وهو الكتاب الاخير لحسين البرغوثي ، بالأحرى هو الكتاب الذي صدرَ فعليا بعد وفاته بالسرطان في 1 / ايار من عام 2002 إلا أن الكتاب كان دعوة عارمة للغوص في نتاج حسين البرغوثي الأدبي و الفكري و الفلسفي .

الكتاب خلق لدي حالة غير اعتيادية أو يُمكن القول ايقظ لديّ جوقة متعالية و متصاعدة من سيان فكري و شعوري جرفني نحو القراءة المتكررة و المتعمقة في نتاجات البرغوثي القليلة.

 الكتاب الذي يسرد فيه حسين البرغوثي أحداث نهايته بالعودة إلى البداية إلى الجمال الذي سبق و أن خانه إلى ريف رام الله المختلف حيث الدير الجواني و بدايات القصص و الحكايات و المثلوجيا الفلسطينية في أقصى درجات تجليها و نضوجها الفكري ، شكل لديّ رغبة متأججة نحو قراءته أكثر من مرة و في كل مرة تتجدد الحالة و يرتفع الايقاع و يعلو الصوت في أعماقي ،الصوت الذي يمتلك طاقة خارقة تتجاوز ثقل الوجود الفيزيائي و المحسوس و يجدر الاشارة هنا إلى أن هذه الطاقة الغير موصوفة كانت قادرة على تجاوز ايقاعات القذائف و صوت الحرب بعد أن فشلت كافة الوسائل و الطرق التقليدية في تجاوزها .

ليس هنا أصدق ممن يكتب على بعد امتار من النهاية ، عدى كون حسين البرغوثي شخصا صادقا إلى أبعد الصور و هذا الصدق المهول ينسكب في القلب بطريقة لا يمكن معها سوى الصمت و التناهي مع الحالة و تتبع ايقاعها بدقة متناهية .

تتابعت القراءة في نتاجات البرغوثي قرأت الضوء الأزرق بعدها و سقوط الجدار السابع و الضفة الثالثة لنهر الأرض و حجر الورد و مرايا سائلة و لم تنفك حالة الدهشة في كل كتاب عقب كل جملة و في كل طريقة جديدة يصنع بواسطتها حسين البرغوثي بعدا جديدا بلغة سهلة و موضوع يغوص حتى الأعماق في النضوج .

ومن يقرأ حسين البرغوثي لا يُمكن له أن ينفصل بالمادة المكتوبة عن صوت الكاتب و شخصه ذلك كون كتابي حسين البرغوثي الأكثر صيتا _سأكون بين اللوز و الضوء الأزرق_ هما سير ذاتية و هذا بطبيعة الحالة ينقل القرّاء بطريقة أبو بأخرى إلى حسين البرغوثي الشخص المختلف بالضرورة .

لم يكن حسين البرغوثي كاتبا عاديا على الاطلاق فهو في حالة دائمة من قلق وجودي مذهل وُلد معه و تنامى بصورة مبكرة و كبيرة و تشعب في أكبر من اتجاه  فحسين المصاب بلعنة الأسئلة و التوق الكبير إلى المعرفة و امتلاك الحقيقة إن وجدت ، قرأ حتى أصبح كاتبا موسوعيا فمن الماركسية التي تدعي أن لديها طريقة لتغير العالم و هيكل ونظرة الكلية و الشمولية و نتيشة و الذات العليا القوية التي لا تضعف إلى لمسة صوفية تتخذ من اللغة طريقة و غاية في الوقت ذاته وحسين البرغوثي مر بكافة المراحل و لامس كافة الاتجاهات و اختلط بالمنبوذين و الصوفيين و المختلين و الفلاسفة و المتشردين عايش التجارب و كان جزءا منها و نضجت لديه المعرفة بالتجربة و الاحتكاك الحي و المباشر إلى جانب القراءة المُكثفة وحالات التأمل الطويلة أو قد تكون الدائمة .
من وجة نظري كان حسين البرغوثي فيلسوفا بالدرجة الأولى و من الفلسفة بدأ يكتب فأصبح الفيسلوف الكاتب وإن كان بلا شك وجود اقتران إلى حد كبير بين العملين إلى أن حسين أرتكز على الفلسفة و بدأ يكتب وليس العكس بمعني أنه اراد أن يكون فيلسوفا متأدبا وهذا ما حدث فعلا فكل أعمال حسين البرغوثي تعكس ارادة و نفس فلسفي واضح بفجاجة مكتوب بطريقة أدبية . و المتتبع  لمسيرة حسين البرغوثي الشخصية يُمكنه ملامسة نزعته الفلسفية العالية فهو كاتب مفلس على الهامش أو على حد قوله على الهامش الكبير من الحياة غير مهتم بالنشر أو الأضواء ، مشغول بطاقة ذهنية متقدة و مستمرة تجعله طول الوقت في حالة هذيان و تأمل و جنوح نحو الصمت و الانعزال و يجعل حتى من عمل الكتابة الاعتيادية شئ لا يمكن فعله نظرا لعمق الفكرة التي تضيق بها العبارة كلما اتسعت , وعندما قرر حسين البرغوثي الكتابة كان السرطان قد جاء في الوقت الغلط , في أوج عطاءه و نضوجه الفكري و طاقته الكتابيه و شغفه المتسع جاء السرطان لينهي القصة سريعا وما زال لدى حسين البرغوثي الكاتب الأكثر تهميشا من قبل المؤسسة الرسمية الفلسطينية الكثير ليقوله و الكثير لنتمتع به   .

ذهب حسين مبكرا وما زال محشو بالرؤى و النضوج و الفكر تاركا وراءه حيزا قصيرا من الفعل الكتابي الغني و الناضج و قبرا هناك بين اللوز