عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 02 أيار 2016

تحذير من مستقبل محتمل

بقلم: سيفر بلوتسكر

لا. بالطبع لا. مفهوم من تلقاء ذاته أن لا. تماما لا. عندنا لا يمكن لهذا أن يحصل. هذا لن يحصل بأي حال من الاحوال. نحن لسنا كذلك. وأبدا لن نكون كذلك. عندنا هذا شيء آخر. واقعنا مختلف جوهريا. والاسقاط لذاك المكان والزمان على الان وهنا هو فرية مغرضة، تشويه مطلق، لاسامية. يمكنني أن اعود لانام. لا شيء يجعلني أقلق من هذا الفيلم الذي شاهدته لتوي في التلفزيون.
أقنعت نفسي بان هذا لن يحصل عندنا، لا يحصل ولن يحصل بأي حال من الاحوال. فهذا يتناقض تماما وقيمنا الاساس. ومع ذلك، لم يأتِ النوم. شيء ما في فضاء البطن تقلب. شيء ما في اعصاب الدماغ اشتعل. شيء ما في الكلى يضغط. ألم؟ لا، ليس ألما. خوف، غامض، غير محدد، غير واقعي. ورغم كل ذلك واقعي جدا. الخوف من أن نكون مثلهم.
"موسم جفاف ابيض"، هو فيلم انتجته المخرجة السوداء أزهان بالسي في 1989 على اساس قصة اندري برينك، كاتب جنوب افريقي ابيض توفي قبل نحو سنة. قناة التلفزيون بثته في وقت متأخر من الليل، بين الجمعة والسبت، لسد ثقب في البث. وقعت عليه بالصدفة؛ شاهدته في الماضي البعيد ونسيته.
حبكة الفيلم، تجري في جنوب افريقيا في ظل نظام الابرتهايد. قبل 40 سنة، في صيف 1976، تبدأ بسويتو، حي السود المجاور لـ يوهانسبورغ، موجة التظاهرات ضد جهاز التعليم المحلي الذي ميز ضد التلاميذ السود، والتي تحولت الى احتجاج ضد سياسة الابرتهايد بعمومها. وفي قمع التظاهرات على أيدي شرطة الامن الحكومية اطلقت النار في ظهور الناس فقتلت بضع عشرات من التلميذات والتلاميذ السود.
"موسم جفاف أبيض" يروي القصة المأساوية لمعلم ابيض، رجل عائلة لطيف المعشر ومعتدل في ارائه، يؤيد الحكومة ويبرر أفعالها الى أن تصل هذه الى حافة بيته وتدخل الى ساحته. ابن عامل الحدائق الاسود الذي يشتغل عنده (البيض في يوهانسبورغ يسكنون في فيلل رحبة محوطة باسوار محصنة؛ زرت هناك في حينه) قتل في التظاهرة. وبعد ذلك قتل بالتعذيب عامل الحدائق نفسه.
المعلم الابيض، الذي اصيب بالصدمة، يتجند لاكتشاف الحقيقة، لتحقيق العدل ومحاسبة مطلقي النار والمعذبين، رجال شرطة الامن. "بالنسبة للسكان السود عندنا"، يحذره مسبقا محام ابيض، مقاتل حقوق انسان، الدور الذي يمثله في الفيلم مارلون براندو، "القانون والعدل لا يلتقيان ابدا". وبسرعة ووحشية يتعرف على فظائع القمع، التي غابت حتى الآن عن ناظريه. والتي اختار أن يتجاهلها. ولكن، على حد قوله، "بعد أن ترى الجانب المظلم من القمر، الجانب الذي لم ترغب في أن تعرف عن وجوده، وان كنت تشك بوجوده، لا يعد بوسعك أن تتظاهر بانه غير موجود".
حياته تتدهور، عائلته ومحيطه الاجتماعي يتنكران له. يريان فيه خائنا. اما السكينة الزائفة، الفقاعية، التي كان يغلق على نفسه فيها فتتمزق إربا. وعندما يبدأ عمله لكشف الحقيقة بتعريض شرطة الامن نفسها للخطر، فانه يقتل في حادثة طرق مفتعلة.
واضح أن الفيلم ليس عنا. لا بالتلميح ولا بالاستعارة، قلت لنفسي في ظلمة الليل، وانا ملتصق بالشاشة. واضح لكل ذي عقل، كما شرحت لنفسي، بانه لا يوجد أي وجه شبه قابل للتشبيه بين جنوب افريقيا 1976 وبين اسرائيل 2016، مثلما لا يوجد أي وجه شبه بين الابرتهايد الاجرامي في حينه وبين العلاقات المركبة بيننا، نحن اليهود في بلاد اسرائيل، وبين الفلسطينيين اليوم. واضح ان الفيلم يجري في بلاد اخرى ويصف نظاما آخر يقمع بوحشية قسما من السكان باسم صراع عديم الرحمة ضد التآمر والارهاب.
يمكنني أن انام بهدوء، هدأت نفسي وحاولت أن اغفو. عبثا؛ كنت خائفا جدا. فلقدر كبير من الاقوال في هذا الفيلم رنة معروفة جدا. صور عديدة جدا من الفيلم جرت امام ناظري وكأني رأيتها منذ زمن غير بعيد. وبالاساس، عدم الاكتراث الظاهر من جانب البيض الطيبين، الذين ينشغلون في حياتهم اليومية، اشعل في جسدي قشعريرة لا تهدأ. "موسم جفاف ابيض"، قلت في النهاية لزوجتي، هو فيلم ليس مرغوبا فيه أن يبث عندنا الان. انت مخطئ، اجابت. مرغوب فيه جدا أن يبث – كتحذير من مستقبل محتمل.