جيمس فري: لماذا أكتب؟

سأغادر في وقتٍ ما بخفّة، لن يشعر بي أحد، ولن يسمعني حينها أحد.
الكتابةُ جزءٌ كبيرٌ من حياتي، إلى حد أنني لا أستطيع ألا أكتب. إذا لم أكتب سأُجنّ.
لماذا أكتب؟
لستُ مؤهّلاً حقّاً لفعل أيّ شيءٍ آخر. في هذه المرحلة، الكتابةُ جزءٌ كبيرٌ من حياتي، إلى حد أنني لا أستطيع ألا أكتب. إذا لم أكتب سأُجنّ. وبصراحة: لديّ عائلة وأحتاجُ إلى النقود.
حين كنتُ طفلاً صغيراً، أحببتُ الضياع في الكتب. لم أفكر في أن أكون كاتباً حتى صار عمري واحداً وعشرين عاماً وقرأت رواية (مدار السرطان[i]). قليلةٌ هي الأشياء التي تكلمت معي في حياتي كما تكّلم معي ذاك الكتاب. لم أصادف أبداً شيئاً حدّثني بكل ذاك الصفاء والمواجهة والعُمق. كان نصف الكتاب غضباً ونصفه الآخر مُتعة، وكان يصوّر تماماً ما أشعر به نحو العالم.
الفُسحةُ الوحيدةُ الأخرى التي كان من المُمكن لي أن أرى فيها تعبيراً شديد الجمال والجُرأة، هي رسومات جاكسون بولوك[ii]. تكلمت معي تلك اللوحات بنفس الطريقة لأنها خُلِقت بيدي الفنّان الذي قالَ يوماً: اللعنة، لستُ مُهتمّاً البتّة، ما أصنعه هو هذا، وهكذا سأفعله لاحقاً، وهذا هو ما هو عليه. تستطيع أن تحبه أو أن تكرهه.. فهو لا يخصّك أبداً.
كنتُ أُسِرُّ في نفسي: هذا ما أريدُ أن أكون عليه. وبعدها بستة أشهر انتقلت إلى باريس لأن (مدار السرطان) كانت عن معيشة هنري ميللر هناك. ذهابي لباريس كان عن البحثِ والتحديق والعيش، ومحاولة أن أكون كاتبًا، ومحاولة اكتشاف ما يعنيه ذلك، إن كان ذلك ممكنا. لأعيش بجرأة، بتهوّر، بغباءٍ وجمالٍ معاً.
الدافع التاريخي
أحاول كتابةَ كُتبٍ كنت أتمنى لو أن غيري قد كتبها، كتب تمنّيتُ أن أقرأها. دائماً ما يقول الناس بأنني متعجرف عندما أتحدث هكذا، لكن أظن بأنني من القلائل الصادقين بخصوص ما دعاه أورويل: الدافع التاريخي. أريدُ كتابة ما يُمكن أن يعتبره التاريخُ مهماً، كُتُب لها معنىً يغيّر العالم وطرائق الكتابة والنشر.
أَنظُرُ إلى مسيرة الأدب في التاريخ وأفكّر: بلى، أستطيع أن أضع نفسي هناك، لديّ القدرة لأقف بين هؤلاء الناس: الكتّاب الذين أحبهم، الكتّاب الذين صنعوا التاريخ. أريدُ أن أضع نفسي في القائمة.
أكيدٌ أن الكثير مما قلته يمتلئ بالأنا والغرور، إذا لم أقُل بأنه هُراء. ولكنني تنافسيٌّ بشأنه. أجلسُ الآن إلى طاولتي، وليس على جداري -بجانب رسومات لأطفالي -سوى غلاف مجلةّ للمُلاكم هاغلر، بطل العالم خلال الثمانينيات كلها في الوزن المتوسّط. كان مانشيت الغلاف هو: الأفضل والأقوى. إنه يتحدّث إلي. أريدُ أن أكون الأفضل والأقوى.
في وقتي.
أن تضيع
أحاول كتابةَ كُتبٍ كنت أتمنى لو أن غيري قد كتبها، كتب تمنّيتُ أن أقرأها.
أكثر ما أحبه في ممارسة الكتابة هو اختفائي. أن أتوه في محاولة أن أجعل كل كلمة هي الكلمة الصحيحة، في محاولة أن أقول حكاية.
لديّ سيطرةٌ مطلقة عندما أكتب، لن يجري شيءٌ على الورقة ما دمتُ لم أضعه هناك، ولن يبقى شيءٌ عليها إذا لم أُرِد له أن يبقى. عندما تجلسُ إلى الآلة الكاتبة، فأنت تخلق ذلك العالم، تحيا فيه، تتحكّمُ به، سيكون – فقط – كما تريده أنت. لا أعرفُ وقتاً أكونُ فيه ممتلئاً ومُنقاداً، سهلَ الطّباع، أكثر مما أكونه وحيداً في غرفتي لثماني ساعات.
استغرقتني سنواتٌ للوصول إلى تلك الحالة التي أجلسُ فيها للكتابة عارفاً أنني سأكتب بطريقتي الخاصة، وأن كتابتي ستكون جيدة. لا أكتُبُ بشكلٍ عادي، لا أهتم بالنحو المتعارف عليه ولا أستخدمُ علامات الترقيم، لا أكتب بشكلٍ صحيحٍ أبداً. تعمّدتُ ذلك في الحقيقة لأصل بعد وقتٍ طويلٍ إلى الثقة التي تمكنُني من اختراق كل قانون في الوجود.
لا يُخالجني شكٌّ في نفسي عندما أجلسُ إلى الآلة الكاتبة. مخاوفي العظيمة تجيئني عندما أفكّر بها وأنا بعيدٌ عنها. لكنني عندما أجلسُ إلى الكومبيوتر، أعرفُ أنني سأُنجزُ ما أردتُ كما أردت. قد يستغرق ذلك وقتاً أطول، قد يكون صعباً ووحيداً جداً، لكنني مؤمنٌ دائماً بأن الكتاب الذي أُشرعُ فيه سيخرُجُ للوجود كما تخيّلته. لماذا؟ لأن لديّ لعنة السّيطرة عليه! عندما تملك تلك اللعنة في حياتك لن تستطيع أن تدعها تذهب، أبداً.
أعملُ كثيراً في مجالَي الأفلام والتلفزيون، وهذا أحد الإحباطات التي أعاني منها. إذ يجب أن تكون لديك حالة عقلية مختلفة، لأنك لست الطرف المسيطر بعد الآن.
أن تعثر عليك
كنت لا أزالُ أحاول إيجاد طريقة معقولة في الكتابة ولها مغزىً بالنسبة لي بعد قراءتي لمدار السرطان، ولكنني لم أستطع ذلك، كتبتُ أنواعاً كثيرةً من التفاهة، كانت كلها قمامة.
بعدها، كتبتُ أوّل ثلاثين صفحة من كتابي (مليون قطعة صغيرة) في جلسةٍ واحدة لمدة أربع ساعاتٍ متواصلة، لم أكتب بهذه السرعة قبل ذلك ولا بعده. تنهّدتُ بعمق وأسندتُ ظهري للوراء ونظرتُ إلى ما كتبت وهمست: بلى، بلى.
في الصفحة الأولى من مدار السرطان، كتب ميلر: أظن أنني لستُ فنّاناً بعد الآن، أنا إنسان. رأيتُ تلك الصفحات الثلاثين وتنفّست: ما أردتَهُ صارَ هنا يا رجُل، هنا.
الثري يهزم الفقير
عشتُ فقيراً، وكان ذلك مقرفًا، ولم أُرِد لنفسي عملاً قذرا في حانة أو في محل ملابس. لذا، بدأتُ بكتابة الأفلام عندما كنتُ في الخامسة والعشرين. تنتهي لعبة الكتابة دائماً إلى إصدار الكتب، لكن عدداً كبيراً من زملائي وقتها كانوا يعملون في عجن نصوصٍ تصنعُ أفلاماً سيئة، فقلتُ في نفسي: ولمَ لا، أستطيع فعل ذلك!
كتبتُ بما استطعته من ابتذالٍ وتجاريّة قصة رومانسية كوميدية، بصفاءٍ واستعطافٍ كبيرين، ثم انتقلت من شيكاغو إلى لوس أنجلوس وبعتها هناك. بين الخامسة والعشرين من عمري والواحد والثلاثين، كنت كاتب سيناريو بارع، حصلتُ على وظيفة كاتب، وهذا شيءٌ يختلفُ تماماً عن أن أكون كاتباً حقاً.
بعد كتابتي لذلك الانفجار الصغير من (مليون قطعة صغيرة)، عرفتُ بأنني أستطيع فعل ما أردتُ فعله. كل ما احتجته هو الوقت. رهنتُ منزلي للمرّة الثانية، وصار لديّ مالٌ يكفيني للعيش لثمانية عشرَ شهراً. جلستُ سنةً كاملةً أكتب حتى انتهيتُ منها، ثم بعتها.. وصار هذا ما أفعله منذ ذلك الوقت.
ما زلت أشتغلُ في الأفلام، كان لي فيلمٌ عُرِضَ عام 2011م، وهو مبتذلٌ لدرجةٍ لا تُصدّق لصالح شركة دريم-ووركس، فيلم آكشن للمراهقين بعنوان: أنا رقم أربعة، وقد نشرته باسم مُستعار!
شخصيّة مثيرة
لديّ سيطرةٌ مطلقة عندما أكتب، لن يجري شيءٌ على الورقة ما دمتُ لم أضعه هناك، ولن يبقى شيءٌ عليها إذا لم أُرِد له أن يبقى.
لديّ سيطرةٌ مطلقة عندما أكتب.
يبدو مضحكاً استخدامي لأسماءٍ مستعارة بالنسبة لي، فأن تكون كاتباً يعني أن تصنع أسطورةً عامّة، أن تكون قابلا لأن يكتب عنك، ولأن يكتب عما تكتبه.
هناك جيمس فري الذي يذهب إلى عائلته، وهناك جيمس فري المشهور. أُنظُر إلى رجالٍ مثل همنغواي وكيرواك وبوكوسكي أو نورمان ميلر أو هونتر تومسون.
أنا مستعدٌّ للمُراهنة على أن الشخص الذي كان في بيته منهم، لم يكن يتصرّف مع عائلته كما ارتسم في أذهان العامّة، لم يحيَ هناك كما تصوّروه. لدى الناس شخصيات عامّة كبيرة قامت بتدميرهم، لقد ضاعوا، لقد نسوا أن هناك خطّاً رفيعاً بين ما تكونه في المنزل وما تكونه في السّاحات العامّة.
في هذه الفترة من مهنتي، هناك ما أستطيع تسميته بجيمس فري العام! جيمس كريه، جيمس سيّء السمعة، ممتلئ بذاته ومتكبّر. ما أنا عليه في البيت شيء مختلفٌ تماماً. لا أحتاج أن أختال وأتبجح عند دخول الشقة بقولي إنني الأفضل والأقوى. عندما أذهب للمنزل فأنا أبٌ فقط، أنا جيمس، زوج زوجتي!
في حياتي الخاصة، هناك الكثير من الأمور التي لا أشعر بالأمان بشأنها. أنا مرعوبٌ من أن أستيقظ يوماً من دون مالٍ يكفي لتسديد فواتيري. أقلقُ وأتوتّرُ في الحفلات، لا أحب أن أقف وسط أربعين شخصاً مرّةً واحدة. تلك مقاساتُ متفقٌ عليها لتفاهة الآدمي.
ما أرعبني بشكلٍ أفظع هو إمكانية أن يحدث شيء لأطفالي، أنجبت مع زوجتي طفلاً ثانياً لكنه توفي، كان صبيّاً. تلك هي التجربة الأقسى على الإطلاق.
كل ذاك يتبخّر عندما أكون جيمس فري الجالس إلى الآلة الكاتبة. لا أشك. لا أخاف. لا أحد يستطيع إيذائي. لا أحد يستطيع أن يقول هراءً يعني شيئا بالنسبة لي. أن أكون في الكتابة ليس غروراً، بل عمل، إنه نضالٌ وتحدٍّ، لذلك أرفعُ جداراً سميكاً يفصل بين هذه الأشياء، وسيتضرر الناس لو سقط هذا الجدار!
كتابتي، أنا، كل هذا، هي قطعة فنيّة أدائيّة طويلة ومستمرةٌ في العرض. سبق السيفُ العذل! وُجدت الأسطورة، وسواء استمرّت أم لا، سيحدد هذا جودة ما أكتبه وأنشره. هنا يكمن جمال الكتابة: كل التفاهات في العالم، وكل ما هو حقيقي ويهمني ويهم القُرّاء والتاريخ هو: هل كتبي هذه جيّدة بما يكفي؟ لا أريد منها سوى أن تفعل في قارئها ما فعله هنري ميللر بي.
راديكالية
في طريقي لتعليم نفسي بأن أكتب بالطريقة التي أريد، بحثت كثيراً في تاريخ الأدب. حاولتُ اكتشاف ما الذي يشترك فيه الكُتّاب الذين أقدّرهم.
قرأتُ كُتّاباً مثل بودلير، فيتزجيرالد، هنري ميللر، جون دوس، همنغواي، كيرواك، تومبسون، غينسبرغ، بريت إيستون. عندما ظهرت كتاباتهم، لم يكن أحدٌ قد رأى مثلها من قبل. خُذ على سبيل المثال كتاب (على الطريق)، كم من كُتُب الطريق التي طُبعت قبله؟ مليارات! رواية دون كيشوت هي رواية طريق، شابّان ذاهبان في رحلة.
نفكّر بهمنغواي الآن على أنه مُجرّد همنغواي! ولكن عندما نُشرَت كتبه للمرّة الأولى، قصيرة، بجُمَلٍ مُعبّرةٍ و مُحكمة، كتابٌ ضئيلٌ يُمكنُ قراءته بسهولة، كان كتابه مكثّفاً وأصيلاً. ولو فكرت في كيرواك، ستجده غير مسبوق. هنري ميلر أيضاً وغينسبرغ.. راديكاليون في كتاباتهم.
لا قواعد في الفن الحقيقي.
سأغادر في وقتٍ ما بخفّة، لن يشعر بي أحد، ولن يسمعني حينها أحد.
ت - أحمد العلي
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين