شيرين مطاوع .. كفيفة غزية قهرت العمى وتسلقت سلم التفوق

غزة- الحياة الجديدة- نور توفيق الحج- فقدت بصرها ، لكنها لم تفقد الأمل ، بل انطلقت كطائر الفينيق من رماد المعاناة، وكقبس من نور المعرفة يصارع لجة العتمة والظلام ، لتقتحم عالم التفوق بقوة ، وتبحر بقاربها تجاه النور ، متجاهلة كلمات المثبطين من عزيمتها.
"شيرين مطاوع" فتاة في شرخ الشباب لا تتجاوز 25 ربيعا ، فقدت بصرها خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2008 ، توقفت عن الدراسة فترة من الزمن ، كأنها استراحة محارب ، لتعود إلى مقاعد الدراسة أقوى من ذي قبل ، فتابعت بكل عزيمة وإصرار ، لتلتحق بجامعة فلسطين وتتخصص في مجال الترجمة الإعلامية ، وتحقق نجاحا باهرا أذهل كل من رآها أو سمع عنها ، وتأمل شيرين أن تحقق هدفها في فضح جرائم المحتل أمام المجتمع الدولي .
ذكرى مؤلمة
بكثير من الألم ، تسترجع شيرين ذكرى ما حدث معها منذ ثماني سنوات، حين كانت في سنتها الجامعية الأولى في جامعة الأزهر ، ونتيجة الرعب الشديد أصيبت بارتفاع في الصفائح الدموية ، وكان لزاما عليها أن تأخذ مادة "الهيبارين" التي تعمل على إنزال هذه الصفائح ، ولكن بسبب استمرار العدوان لم تتلق العلاج المناسب ، وتم علاجها في مستوصف قريب من منزلها ، حيث كان العلاج عبارة عن مسكنات والتي أثرت سلبا على حالتها ، وأدت إلى تجلط الدم في العصب البصري ما أدى إلى حالة عمى وفقدان للبصر.
تقول شيرين " أصبت بالصداع (الشقيقة ) مدة أسبوعين كاملين ، ثم عقب أسبوع أصبح نظري يخف تدريجيا ، إلى أن وصل إلى العمى التام ".
وعن حالتها النفسية وقتذاك ، فقد وصفتها شيرين بالمدمرة جدا ، وأنها كانت تموت ببطء ، لدرجة أنها اعتبرت أن حياتها انتهت في سن 18 .
رحلة علاج
بعد انحسار رياح العدوان، قدمت الوفود العربية الطبية لقطاع غزة ، فتم عرض شيرين على أكثر من وفد (مصري ، بحريني ، سوداني ) وكلهم أجمعوا أنها بحاجة لعملية جراحية خارج قطاع غزة ، وكان يجب أن تحصل على تحويلة طبية في ذلك الوقت ، لكنها تأخرت مدة تسعة شهور، وتم تحويلها للقدس لكن هناك كانت الصدمة ، حيث تم إبلاغها أنه لم يعد هناك أمل لشفائها ، إذ أنه كان يجب إجراء العملية منذ تعرضها للإصابة ، لكنها لم تيأس وسافرت عدة مرات للقدس ومصر وكانت الإجابة واحدة ...لا يوجد أمل !!
بصيص أمل
تقول شيرين " لم أفقد الأمل ، فأرسلت أوراقي لطبيب في ألمانيا ، فأخبرنا أن هناك عينا فيها ضمور شديد ، والأخرى فيها ضمور جزئي ، و هي التي يمكن إجراء عملية لها إما في ألمانيا أو تركيا ، لكن بتكلفة باهظة جدا ، إلا إذا تم الحصول على تحويلة طبية فسوف تكون التكلفة أقل، فتوجهت إلى الجهات المختصة، وعلمت أنه لا توجد تحويلات طبية لدول أوروبية ، " وأضافت بأسى : "أعيش حاليا على أمل أن يتحسن الوضع المالي لأهلي، كي أتمكن من السفر لألمانيا وإجراء العملية.
انقطاع ثم عودة قوية
أما بالنسبة لدراستها ، فقد انقطعت شيرين عن الدراسة مدة أربع سنوات نظرا لحالتها النفسية المدمرة ، وعدم استطاعتها التعامل مع الناس المحيطين بها ، وايضا كانت هذه الفترة عبارة عن رحلة علاج من وإلى القدس ومصر ، وحاولت في هذه الفترة إعادة بناء شخصيتها ، فكانت بمجرد خروجها من المنزل تلاحقها نظرات الفضول وعبارات مدمرة ، فتعود أدراجها للمنزل وتبقى حبيسة به .
بعد هذه المدة أيقنت شيرين أن هناك أملا في علاجها ، فقررت تغيير مجرى حياتها ، وكلها أمل ان تحظى بوظيفة تمكنها من السفر والعلاج ، فقامت بالتسجيل في جامعة فلسطين ، لأنها لم تستطع العودة لجامعة الأزهر نتيجة لسببين : أحدهما أن إخوتها يدرسون في جامعة فلسطين ، فكان بإمكانها الحضور للجامعة والعودة معهم ، أما الآخر هو أن جامعة الأزهر شهدتها وهي مبصرة ، فكان يصعب عليها العودة إليها وهي كفيفة ، فقررت التسجيل بجامعة لا يعرفها فيها أحد .
تعامل الاهل
تضيف شيرين بكثير من السعادة " بعد فضل الله عز وجل فإن اهلي هم من وقفوا بجانبي وساندوني ، ووجدت الدعم الدائم لأصل إلى ما انا عليه الآن ، ففي فترة علاجي كان وضعي المادي سيئا جدا لكن اهلي قاموا بالاستدانة من المعارف لتوفير أموال العلاج ، اما على صعيد الدراسة ، فنظرا لأنني اصبحت كفيفة في سن كبيرة ، لم أتعلم لغة برايل ، فكان اهلي هم الوسيلة الوحيدة كي ادرس وأتفوق ، فقد كانوا يقسمون الوقت فيما بينهم ليقوموا بتلقيني الدروس والمواد ، فكل ما أنا فيه من تفوق يرجع لفضل الله ثم أهلي ودعمهم لي .
تطلق شيرين العنان لمخيلتها ، وترسم لنفسها طموحا وأحلاما ترغب بتحقيقها ، فكل ما تحلم به هو إنهاء تعليمها والحصول على وظيفة تمكنها من العلاج ، فكل ما تفعله فقط لعلمها أن هناك املا لو كان بسيطا في علاجها ، ايضا تتمنى شيرين ان تصبح صحفية مشهورة في يوم من الأيام ، فهي شغوفة جدا بمجال الصحافة ، وقد تخطت عقبة التعليم وهي كفيفة ، فكيف لو كانت مبصرة ، مؤكد انها ستتفتح امامها مجالات أوسع .
هوايات ومواهب
تستعيد شيرين ذكرى المواهب العديدة التي كانت تمتلكها , لكن على حد وصفها فإنها اندثرت منذ ان اصبحت كفيفة ، فقد كانت موهبتها الأولى القراءة ، فلطالما كانت شغوفة بقراءة كتب الادب والشعر الجاهلي ، وأيضا تهوى الرسم وتبدع في تنسيق الألوان بشكل رائع ، هذا بالإضافة لحبها الشديد للعزف على البيانو ، لكن ومنذ أن أصبحت كفيفة ابتعدت عن كل هذا ، إلا أنها أصبحت تقرأ الكتب إلكترونيا ، فهي تمتلك على هاتفها برنامجا ناطقا ، تستطيع من خلاله تصفح الإنترنت وقراءة الكتب الإلكترونية ، لكن الشيء الذي تفتقده الرسم والألوان .
من جهتها أكدت اختها "ياسمين" أن مشاعرهم لا توصف حين علموا بأن شيرين اصبحت كفيفة ، فلم تكن وحدها المنهارة ، فكل من بالمنزل كان يشعر بالأسف والحزن عليها ، ولم يستطيعوا تقبل الأمر بسهولة ، فقد كانت شيرين تذبل امامهم ولا يستطيعون فعل شيء لها ، وتصف حالة شيرين وقتها " كانت طيلة اليوم حبيسة غرفتها تبكي بشدة ولم يكن باستطاعتنا تهدئتها " .
وفي المنزل يحرص الجميع علبها ، ولا يتركونها وحدها ، فكل خطواتها مراقبة ، وتتم مساعدتها في كل شيء تريده ، فكلهم يخافون عليها جدا .
وتضيف ياسمين بسعادة ، " لم نشعر بالملل إطلاقا من جراء مساعدتها ، فقد كانت شيرين دوما معطاءة جدا ، ولم يكن يمر عليها يوم دوم مساعدة أحد سواء داخل المنزل أو خارجه ، ولم نعتد على جلوسها في مكان واحد لأكثر من خمس دقائق "، وختمت ياسمين حديثها بأمل كبير أن تستعيد شقيقتها بصرها يوما ما .
مواضيع ذات صلة
دوما.. حياة على حافة الخطر
قوات الاحتلال تنصب حاجزا عسكريا غرب بيت لحم
الاحتلال يعتقل شابين من عقابا شمال طوباس
مسؤولة بريطانية تطلع على معاناة المواطنين في قرى شرق رام الله نتيجة جرائم المستعمرين
مصطفى يبحث مع نائب مستشار الأمن القومي البريطاني آخر التطورات
مستعمرون يهاجمون المواطنين ويصيبون مواطنا ونجله بجروح جنوب الخليل