عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 09 نيسان 2016

الاحتلال يفسد

هآرتس – أمير أورن

توجد للمادة في الطبيعة أربعة اشكال هي الغازي والسائل والصلب وعقل موشيه يعلون. فحينما يثبت موقف يعلون فليس هناك قوة في العالم يمكنها أن تغيره. فهو يتحصن ويجمع المعطيات، حقيقية أو كاذبة، لاثبات صحة موقفه ويرفض الاعتراف بامكانية أنه قد اخطأ. هذا عناد يمكن تحمله، يعلون يتمسك بموقفه لكنه لا يناضل من اجله في وجه رؤسائه. لذلك، عندما دافع عن موقفه بشدة في موضوع الجندي من حادثة الرميدة قبل اسبوعين، ذهل من نتائج الانتقادات العلنية لبنيامين نتنياهو الذي موقفه معاكسا. وقال إن اقواله لرئيس الحكومة ستبقى "بينهما".

هذه الظاهرة للموقف الاساسي الايجابي والسلوك الفعلي السلبي، ميزت يعلون منذ اصبح رئيسا للاركان. "الاحتلال مفسد"، وافق في حينه، "لا شك أن حقيقة أنك تفرض على شعب آخر مقدار حركته وكيفية كسب رزقه، هي مفسدة. الجيش لا يمكنه أن يتملص من الحديث عن ذلك أمام الجنود. وهناك حاجة الى اكسابهم المصداقية لأنهم يناضلون على شيء عادل. نحن شعب له قيم ومجتمع له قانون". هذه الاقوال تلائم الاقوال التي جاءت في  افتتاحية "هآرتس"، لكن يعلون لا يكرر هذه الاقوال. وقد وفر بحث داخلي أجراه في الجيش بعنوان "النقاش القيمي الاخلاقي في الجيش حول المواجهة مع الفلسطينيين في مرآة التحقيقات العملياتية"، برهانا آخر حول تلون الضباط رفيعي المستوى في الزي العسكري وفي السياسة.

في الاسبوعين الأخيرين، منذ اطلاق تلك الرصاصة القاتلة، لم يتم اطلاق الرصاص على أي حامل سكين. طريقة التنديد واعطاء الغطاء ليعلون، التنديد الفوري بالجندي الذي اخطأ والغطاء الدائم لرئيس الأركان غادي آيزنكوت، دفعا يعلون نحو اليسار في النقاش الداخلي في الليكود وفي التنافس بين اليهود والبيت اليهودي. إن ما حدث له حدث مع أسلافه الذين جاءوا من جهاز الأمن والذين أدركوا أن المستوطنين يريدون منهم التنفيذ فقط وليس اتخاذ القرارات. عيزر وايزمن الذي تصادم مع مناحيم بيغن، اسحق مردخاي الذي تجادل مع نتنياهو، اريئيل شارون الذي دفع الى تفكيك الائتلاف واقامة حزب منافس للسلطة، شاؤول موفاز الذي غادر الليكود، الليكود يريد جنرالات ينفذون الأوامر لا أن يعطوها.

كثيرون يتمنون الآن سقوط يعلون. مثلا المحامي ايلان كاتس، أحد المدافعين عن الجندي من الخليل. كاتس كان نائب المدعي العام العسكري في 2003. والمدعي العام العسكري في حينه مناحيم فنكلشتاين قام بمنح رتبة جنرال لنفسه، لأول مرة في تاريخ الجيش الاسرائيلي. كان المهم بالنسبة لفنكلشتاين الاقناع أن هذه الرتبة ليست شخصية بل هي تعكس الوزن الجديد للقضاء العسكري داخل الجيش وخارجه (المستشار القانوني للحكومة، المحكمة والعالم). لذلك طلب فنكلشتاين ترفيع رتبة نائبه كاتس. وفي الوقت الذي كان فيه طلب ترفيع كاتس على طاولة رئيس الأركان يعلون، تحطمت مركبة الفضاء "كولومبيا" وقتل العقيد ايلان رامون. وأراد سلاح الجو منح رامون رتبة نائب جنرال بعد موته، لكن يعلون رفض حتى لا تصبح هذه سابقة. لأنه مع كل سقوط لعالم فضاء اسرائيلي سيطلب ترفيعه رتبة.

في 2004، في ذروة السنوات الثلاثة ليعلون كرئيس للاركان، كتب العقيد عتار دغان، كطالب في معهد الأمن القومي، بحثا سنويا حول "النقاش القيمي الاخلاقي" في الجيش حول المواجهة مع الفلسطينيين. دغان هو من مواليد كيبوتس مرحافيا وقد كان من أبرز قادة سلاح المدرعات مثله مثل الكثير من الطيارين الذين شاركوا في الدورة. وكان منهم قائد وحدة النخبة في سلاح الجو. وبعد أن أنهى تعليمه أصبح ضابطا في القيادة الوسطى. وكان آيزنكوت في حينه قائدا لفرقة 877 (أيوش).

بحث دغان أثار اعجاب قائد الكلية، الجنرال ايلان بن رؤوفين (الآن هو عضو كنيست في المعسكر الصهيوني). وقد قام بن رؤوفين بتوزيع البحث على جميع الجنرالات وقادة الألوية والمعاهد العسكرية والوحدات الخاصة. ولكن بسبب حساسية هذا الموضوع حذر قائلا: "يجب عدم وصول هذا البحث الى جهات اخرى خارج نطاق الجيش".

وحسب ما جاء في البحث، "النقاش القيمي الاخلاقي كان دائما عاملا مهما في حياة الجيش الاسرائيلي. وكجيش في دولة ديمقراطية أنشئ على خراب وذكرى الكارثة، فان اخلاق الحرب مهمة جدا في تربية الجنود. ولكن بعد حرب يوم الغفران حدث تغيير في سلوك العدو الذي نواجهه. وأصبحت الحرب في مناطق مأهولة بالمدنيين الأبرياء تنشئ وضعا معقدا فيما يتعلق باخلاق الحرب وطهارة السلاح. فاحيانا يقوم العدو بحمل السلاح ويظهر كأنه مواطن ساذج وبسيط". وهذا الامر خشي منه دغان، وأكد عليه في بحثه.

وقد كتب دغان أن الحالات الشاذة كانت طرف جبل الجليد. "هناك مشكلة حقيقية"، قال له دافيد مناحيم، قائد كتيبة في حينه وقبل وقت قصير كان رئيسا للادارة المدنية.

رئيسة قسم التعليم في الجيش الاسرائيلي، ياعيل هاس، قالت الأربعاء في محاضرة لها في جامعة تل ابيب إن رئيس الأركان "يلاحظ وجود ضبابية في فهم القيم" في اوساط الجنود الذين يجدون صعوبة في ابقاء مواقفهم السياسية في البيت. وأشارت هاس الى مشكلة تمت الكتابة عنها هنا في تشرين الأول 2015 وهي "حقيقة أن الجنود يتعرضون باستمرار الى تأثير مواقع اليمين المتطرف في  الانترنت مثل موقع "0404". والمفارقة هي أنه قبل المحاضرة بيوم بث في هذا الموقع خطاب رئيس الأركان أمام عدد من الضباط حيث تطرق بشكل معمق الى قضية الخليل. وببكلمات اخرى، مثلما أن الموقع وأشباهه يلتفون على القيادة العسكرية ويصلون الى الجنود، هم ايضا يحصلون على المعلومات من هؤلاء الجنود.