شو قصة خلافة الرئيس
حسن سليم
ليس عفويا ان يتم البحث في حلقات السياسة، واحيانا استكتاب بعض الساسة, لدفعهم لتناول ونقاش خلافة الرئيس رغم وجوده على رأس منصبه, ودعوته المستمرة لاجراء انتخابات تشريعية ورئاسية وعد ان لا يترشح لها، فيما يعتقد مراقبون ان النقاش هو تمهيد للجمهور لتقبل فكرة الخلاص منه، وبالطبع كثيرة هي الأسباب التي تدفع بأصحاب المصلحة لتنفيذ هذا المخطط، لإزاحة من يقول " لا "، باغتياله سياسيا، وإسرائيل التي قال رئيس حكومتها ارئيل شارون عن الرئيس الشهيد ياسر عرفات انه ارهابي، وبأن اسرائيل تراهن على تدخل رباني للخلاص منه، حتى تم قتله، هي ذاتها إسرائيل التي وصف وزير خارجيتها ليبرمان الرئيس أبو مازن بأنه يمارس الإرهاب السياسي ضد إسرائيل، ويجب التخلص منه، وفي الحالتين الفاعل واحد هي إسرائيل، والأسباب ذاتها هي الرفض للدخول في بيت الطاعة، نحو إنهاء المشروع الوطني، والقضاء على الحلم بإقامة الدولة المستقلة.
السؤال عن القادم بعد الرئيس، يكون مشروعا لو كان نظام الحكم قائم على الوصاية، او الملكية, لكن نظام الحكم في فلسطين وفقا للقانون الأساسي، هو نظام ديمقراطي نيابي يعتمد على التعددية السياسية والحزبية وينتخب فيه رئيس السلطة الوطنية انتخابا مباشرا من قـبل الشعب، لاربع سنوات، ويجوز للرئيس الترشح لولاية ثانية كحد اقصى، وكان من المفترض ان تتم في العام 2010 تزامنا مع انتخابات تشريعية، ولكن الحالة المعاشة هي استثنائية، بحكم حالة الانقسام وعدم التوافق حتى اللحظة، ورفض حركة حماس لتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية تخلصنا من جدل المشروعية للشرعيات، وهذا ما يتطلب الدفع والضغط لإعادة الحق الى أصحابه، وهم الناخبون، لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وليفوز من يفوز، فلا صوت يعلو فوق صوت الناخبين.
الرئيس أبو مازن ومنذ زمن بعيد رمى الكرة في ملعب حماس، بطلبه منها موافقة رسمية من طرفها لإجراء الانتخابات، والتعهد بقبول نتائجها أي كانت، لتكون الانتخابات وفق توافق وطني، ضمانا للالتزام بنتائجها، إلا انه رغم تدخل العشرات من الوسطاء من نواب وسياسيين، فان جميع محاولاتهم باءت بالفشل، وذلك يعود لرغبة حماس في أن تبقي فقط على شرعية المجلس التشريعي الذي تمثل فيه أغلبية، وتسعى لعقد ولو جلسة واحدة يتم فيها انتخاب هيئة المكتب ورئاسة المجلس، لتنتظر وتراهن على شغور منصب الرئيس قبل إجراء الانتخابات، وكانت أعدت لهذا الشغور نصا تشريعيا من خلال قانون الانتخابات الذي عدلته كتلتها المكونة من " 25 " نائبا المقيمين في غزة ويحمل رقم ( 5 ) لسنة 2008، ونشروه في العدد (75) من صحيفتهم في آب 2009، والذي من خلاله عدلوا قانون الانتخابات، بما يلغي شرط التزامن بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وكذلك إلغاء المادة المتعلقة بتحديد فترة بقاء رئيس المجلس التشريعي رئيسا للسلطة الوطنية في حال شغور المنصب، لتكون مفتوحة الى ما شاء الله، وذلك بما يخالف المادة (37 ) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل، التي نصت على "تولى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني مهام رئاسة السلطة الوطنية مؤقتاً لمـدة لا تزيد عن ستين يوماً تجرى خلالها انتخابات حرة ومباشرة لانتخاب رئيس جديد وفقاً لقانون الانتخابات الفلسطيني"، وهذا ما حدث في فترة ولاية الرئيس السابق روحي فتوح.
ولهذا السبب تصر حماس على تفعيل المجلس التشريعي، ليس حبا فيه، فهي تشرع القوانين من خلال كتلتها في غزة، بل سعيا لاضفاء الشرعية على رئيس للمجلس التشريعي، والمتوقع ان يكون إسماعيل هنية، وحتى يتحقق لها ذلك، ووفقا للمادة (2) من قانون المجلس التشريعي، فان ذلك يتطلب عقد دورة برلمانية لها شروطها الموضحة قانونا، تبدأ بدعوة الرئيس لانعقاد المجلس، ولكن حماس تريدها لمرة واحدة وعلى طريقة التحكيم بين معاوية بين أبي سفيان وعلي بن أبي طالب، والتي مثّل الإمام عليًّاً أبو موسى الأشعري الذي كان شيخاً طاعناً في السن، أما معاوية فمثّله عمرو بن العاص الملقب بداهية العرب، وكان القرار معروفاً لمن عرف الحكمين، فأبو موسى الأشعري أراد حقن دماء المسلمين ووقف القتال، لذا رأى انه يجب عزل علي ومعاوية، ويرجع هذا القرار لعمرو بن العاص الذي اقنع أبا موسى الأشعري بذلك، والذي لجأ إلى هذه الحيلة لإرضاء صاحبه معاوية، وأراد أبو موسى الأشعري تولية عبد الله بن عمر خليفة, وأراد عمرو بن العاص تولية ابنه عبد الله، وكاد أبو موسى الأشعريّ يوافقه ولذا قررا خلع الاثنين دون الاتفاق على غيرهما، حيث تقدّم أبو موسى الأشعري وقال " نخلع عليا ومعاوية ونستقبل الأمة بهذا الأمر فيولّوا منهم من أحبّوا عليهم، وتلاه عمرو فقال: إن هذا قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا اخلع صاحبه كما خلعه، واثبِّت صاحبي معاوية فإنّه وليّ عثمان بن عفّان رضي الله عنه, والمطالب بدمه أحقّ الناس بمقامه".
وفيما يتعلق بمنصب نائب الرئيس، فلم يرد على ذكره نص في القانون الأساسي في أي من مواده، وإنشاء مركز قانوني له يحتاج لنص قانوني من الهيئة صاحبة الولاية وهي المجلس التشريعي بأغلبية الثلثين، وليس من اختصاص فتح أو حماس أو أي فصيل أن يدعي حقا بفرض أو تحديد هوية نائب الرئيس، لكون المنصب أصلا غير قائم، اما التخوف في حالة الشغور لمنصب الرئيس، غير مبرر لوجود صاحب الولاية بإنشاء السلطة وهو المجلس المركزي، وفق لقرار رقم ( 8 ) الصادر عن المجلس المركزي في دورته المنعقدة بتاريخ 10-12/10/1993 في تونس، والذي كلف اللجنة التنفيذية في حينه بتشكيل مجلس السلطة الوطنية، وتعيين الرئيس الشهيد ياسر عرفات رئيسا للسلطة الوطنية، وهو صاحب الحق بتعيين رئيسها لحين انتخابه إذا لم يكن من أعطاه القانون حق أن يكون رئيسا، كحالتنا المعطل فيها المجلس التشريعي، وذلك على قاعدة " من يملك الأكثر يملك الأقل "، او يمكن اللجوء توافقا للمجلس التشريعي بعقد جلسة له، يتم فيها انتخاب رئيسا له من غير الاشكاليين، والطامعين بالسلطة، ليكون رئيسا مؤقتا للسلطة الوطنية، ليدعو لانتخابات ديمقراطية الحكم فيها صوت المواطن.
ما تقدم ليس من باب رسم صورة وردية عن حالنا السياسي، وسهولة فك اي اشتباك فيه، فهو بلا شك صعب وبائس، ويمر بالأصعب، حيث الاحتلال المتغول، والأفق السياسي المغلق معه، وإدارة الظهر من قبل المجتمع الدولي لحقوقنا رغم وضوح مشروعيته وما تم تحقيقه من انتصارات في مؤسساته، والعرب المنشغلين بهمومهم والدم النازف في عواصمهم بفعل جماعات الإرهاب التي حولت استقرارها إلى جحيم، لكن إدراك خطورة الحالة تستوجب علاجا مؤسساتيا، يليق بنظام دولة، وبدولة مدنية نطمح لها، وليس على طريقة الترقيع، أو المجاملة، أو تحت ضغط الفزاعات الوهمية، كما لن يفيدها الإطالة بالتشخيص، والتفنن بالتوصيف، فلم يبق من الجسد الكثير ليتحمل المزيد من النزف.