عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 22 آذار 2016

علي فوده: خبأ القنابل في دمه

جهاد أحمد صالح

علي فوده شاعر الألم الفلسطيني، تغنى بالرحيل الهاجس والوطن والغياب، منذ ان غادر قريته "قنّير" بجانب حيفا، حتى موته الفاجع الذي ما زال يبوؤه مكانة عالية في قلوبنا، الذين عرفناه والذين سمعنا عنه.

سكن مخيم "نور شمس" حاملاً منذ صغره معنى التشرد واللجوء، حتى إذا توفت والدته وهو صغير أضافت لعالمه حالة "اليتم" فعاش وحيداً بلا أسرة ولا أهل. ومن عرفه في ذلك الوقت، عرفه طفولي النزق، ولد بشعر أشيب، حاداً عنيداً وصاخباً، لا يعرف الحقد على أحد، مندفع الحركة كأنه مقبل دائم على مشروع ما.

عرفته، عندما كنت قائداً لمحور "رأس النبع" في بيروت، بيده اليمنى رشاش المقاتلين، وفي اليد الأخرى مجلة "الرصيف" يوزّعها على المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين، وكان يُكثر من ذكر مخيم "نور شمس" والمخيمات الأخرى، والتقيته في مطعم "ام نبيل" في الفاكهاني وعندما اعلنت له عن تحفظى عن "فكرة المخيم" الذي بدأ يتصاعد في ظل بروز الهوية الفلسطينية النضالية، ضحك كثيراً، وقال: لا أعتبر المخيم سوى عنوان للتشرد والمنفى. ولا يمكن أن يكون وطناً لنا. وأهداني كتابه الأول الذي طبعه في عمان عام 1969، وعنوانه "فلسطيني كحد السيف" تعمّقت علاقتنا، واعترف انني اخذت في كتابتي عنواناً من نظرته إلى المخيم، يقول: "ليس في وسع المخيم ان يكون وطناً"، وعرفت عنه، انه كان شاعراً ملتزماً بهموم شعبه، ملتحماً بقواه الداعية للثورة والمقاومة والتحرير، وعرفت عنه آيضاً، انه كان شاعر القلق والتسكع والأرصفة الباردة. عاش حياته في حالتين: الرصاصة والقصيدة، ثم جاءت الرصيف لتشكل له رافداً آخر في حياته.

ظلّت شموخ وعناد قريته "قنّبر" وجمال حيفا منقوشة في ذاكرة وعيه، وذاكرة حافظة بقوة ما يجب أن يكون عليه ابناء فلسطين من حيفا حتى سواحل غزة، ومن أريحا إلى يافا، وخاصة اولئك الشعراء منهم. يقول في أول قصيدة في ديوانه الأول "فلسطيني كحد السيف":

فلسطيني..

فلسطيني ...

أقول لكم بأني مثل جدّي

مثل زيتوني: فلسطيني

فلسطيني على مرّ الدهور... أنا

فلسطيني ...

فلا شرقٌ ولا غربٌ

ولا الأيام تشفيني

إذا ما الكرب عشّش في شراييني

فلسطيني...

ولن انسى بأني عاشق أبداً "فلسطيني"

وأني قد ولدتُ،

درجتُ،

ثم خلقت أن أفنى فلسطيني

ويقول فيها آيضاً:

فلسطيني كحد السيف كالمنجلْ

أصولُ، أجولُ، لا أسألْ

ومثل الشمس قد أرحلْ

لدينا الغرب ... للأجداد والمنجلْ

وأصرخ في الوجود: أنا

فلسطيني

فلسطيني

أقول أقول لا أخجل

ومما أذكره، وأعتز به آيضاً، أنه في صيف عام 1977 اتصل بي الأخ هادي حاوي، وكان مديراً عاماً لصحيفة "النداء" الناطقة بلسان الحزب الشيوعي اللبناني، وأخبرني أنه سيزورني مع المطرب "مارسيل خليفه" رحبت بهما، وطلبا الاجتماع مع علي فوده، لأن مارسيل قد وقع اختياره على نص في قصيدة علي فوده "الغضب" في ديوانه "عواء الذئب".

حضر علي فوده، وتم الاتفاق على اختيار مقطع:

إني اخترتك يا وطني

حباً وطواعية

        إني اخترتك يا وطني

سراً وعلانية

        إني اخترتك يا وطني

فليتنكر لي زمني

ما دمت ستذكرني

يا وطني الرائع ... يا وطني

كان علي فوده في غاية السعادة والابتهاج، معتبراً أن رصيده الشعري قد أصبح في دائرة الشعراء الكبار الذين يتهافت الملحنون والمغنيون على اختيار بعضً منها.

وما أن غناها "مارسيل خليفة" حتى ارتفع صيت علي فوده، خاصة بعد أن غنّاها مارسيل في قاعة جمال عبد الناصر، في الجامعة العربية ببيروت، وعندما علا  تصفيق الحاضرين ما دفع بمارسيل أن ينزل إلى القاعة، ويصطحب معه علي فوده ليعلن أنه صاحب هذا النص، فعلا التصفيق مرة أخرى.

وبعد صدور ديوانه "عواء الذئب" شاعت في تلك الفترة مشاغبات وتنكيتات حول الظاهرة "الذئبية" والشعر الذئبي والمرأة الذئبية وغيرها، وأصبحت مادة يستغلها علي فوده ضد الشاعر "رسمي أبو علي" شريكه بتحرير "الرصيف" الذي كان مشغولاً بمجموعته "القط الريس" لتضيف صعلكة جديدة، وتمرد ثوري في المشهد الثقافي الدارج.

وبعد الخلاف بينهما، استمر علي فوده، وبعد توقف لعدة أشهر، من إصدار مجلة "الرصيف" فكان يحررها ويصححها، ويتابع المطبعة ويقوم بتوزيعها بنفسه على المواقع والمتاريس.

كتبت شخصياً في مجلته "الرصيف" أكثر من مرة، وفي إحدى المواقف المثيرة للضحك، أنه في احد الأعداد نشر لمسؤول إعلامي قصة بعنوان "الجاسوس" ووضع اسم الكاتب مباشرة أسفل العنوان، فجاءت "الجاسوس... فلان".

انتاب علي فوده القلق من فداحه غلطته، فقلت له: وزع العدد بأقصى سرعة وسوف احضر لك تكاليف الطباعة، وذهبت إلى الزميل كاتب المقال، واخبرته أن ذلك سيكون مدعاة للتعليق والضحك، واقترحت عليه تغطية تكلفة الطباعة، ويجمع "علي" العدد قبل توزيعه، فوافق على الاقتراح، دفع التكلفة ووزع العدد في نفس الوقت. وفي إحدى المرات، استدعاني الشهيد "ماجد أبو شرار" وكنت قد قدّمت فاتورة مقابل شراء كتب، فطلب مني ايضاج الكتب التي اشتريتها، ضحكت كثيراً، واخبرته انها ثمن لمجلة "الرصيف" ولا نريد ان نحرج علي فوده انه يتعامل مع المؤسسات الرسمية، ضحك هو الآخر، وبدّل الفاتورة مضاعفاً قيمتها، قائلاً: علي فوده من أكثر الشعراء الملتزمين بقضية فلسطين". كتب علي فوده قصائد ممهورة بالدم، والاستشهاد عن قادة سقطوا في مسيرة الثورة، وعن مقاتلين وفقراء، يقول لهم: بأمثالكم سننمو، سنتكاثر، سنتضاعف فوق الأرض"، ومنهم: أبو علي اياد، كمال ناصر، أبو يوسف النجار، كمال عدوان، محمود صالح، باجس أبو عطوان، المطران كبوجي، باسل كبيسي، جيفارا غزة، لينا النابلسي، غسان كنفاني، حمادة فراعنة، سرحان بشارة، اوكوموتو، كمال جنبلاط، طلال رحمة، دلال المغربي.

وعندما حلّ عام 1982، أصبحنا مشغولين في جدل يومي عن فلسطين، والثورة والكتابة في حياة دموية صاخبة، في ظروف أهلية تدمّر ما تجده امامها، وغارات وانفجارات سيارات ملغومة، وصخب خلاف سياسي لا يتوقف عند حد، فجاء الاجتياح الاسرائيلي ليحصد كل شيء، فتحوّل حتى الشعراء إلى مقاتلين لا يهمهم سوى انجاح الثورة، وكان علي فوده من بينهم، امتشق سلاحه وصحيفته داعياً للثورة، واتجه مقاتلاً في محور "عين المريسة" واستأثرت به الأرصفة حد تقاسم الهموم، واستنزفته روح الثورة حتى الموت، فسقطت قذيفة اسرائيلية بالقرب منه، اجتاحت بعض جمجمته ارسل إلى المستشفى وجرى نعيه، نعاه كل، اصدقاءه والذين اختلفوا معه، كانت فجيعة الموت والاستشهاد تسيطر على الجميع...

لكن الخبر لم يكن دقيقاً، إذ صحا في اليوم التالي، وقرأ نعيه وكلمات محبيه، لا نعرف إذا كان قد ابتسم او فرح لكنه اصيب بغيبوبة أخرى. استمرت عشرة أيام توفي بعدها في 20/8/1962.

هكذا، رحل الصعلوك الغناء المشاء المشاغب، حتى في ممارسته للقصيدة، رحل عن أرصفته الباردة ومقاهيه الحارة، مترجلاً عن صهوة الحياة، راسماً صورته في البرزخ الخانق بين الحياة والموت، في صورة فردية، مكنته من أن يكون حراً وحاداً في سلوكه وشعره ورصيفياته التي يقول فيها كل شيء دون ان يمنعه أحد... وكأننا نسمع صوته وهو يقاتل:

دائم الخضرة يا قلبي

وإن بان بعينيّ الأسى

دائم الثورة يا قلبي

وإن صارت صباحاتي مسا

ما تروّضت، ولم أعرف سوى الرفض، ولكن اذكروا

انني الخارج تواً من زنازين الدموع

ان تاريخاً من الخزن،

وتاريخاً من الجوعْ

وتاريخاً من الدمّ

ظل كالصخرة في بابي الوحيد