هويات صغرى واستفحال نزعات
عدلي صادق
ثمة من يهوّنون خطر داعش على المسلمين السُنّة قبل خطرها على المسلمين والمسيحيين جميعاً وعلى المذاهب قاطبةً. هؤلاء يرفقون ذمها ــ إن ذموّها ــ ببعض التشفي في ضحاياها، وإن اضطروا لأن يسجلوا استنكارهم لجزّ الرؤوس وتصوير الذبائح البشرية؛ تراهم يستنكرون فيما يشبه العتب أو الدعابة مع طلب تعديلات طفيفة على الأساليب. وفي الحقيقة ليس هذا الاختلال في البوصلة التي تُقاس بها الأمور؛ إلا لكون مجتمعات الإقليم أو شعوبها، تشهد في هذه المرحلة انفلاتاً للنزعات الطائفية والعشائرية والمناطقية، التي تقطع مع كل قيمة وطنية وقومية وإنسانية، وتلح في طلب هوياتها الصغرى، التي تظنها خشبات الخلاص والطريق الى الغلبة ثم الى الفردوس. وللأسف، كان عجز مشروع الدولة الوطنية، الذي وضعت القوى الاستعمارية أسسه الأولى قبل أن تخلع، وتعمدت جعله ذا طبيعة إقصائية لا تُقر مبدأ المواطنة المتساوية؛ قد انعكس فشلاً ذريعاً في قدرة الأوطان، أو بالأحرى الأنظمة السياسية فيها؛ على توفير الهوية الجاذبة الجامعة للمواطنين من كافة مكونات المجتمع. ولا يخفى على أحد، أن الديكتاتوريات العربية وبعدها الجموح الإمبراطوري الفارسي، هي التي وفرت الشروط الموضوعية لانفجار النزاع السُني الشيعي، بهذا القبح الراهن. فهذه الثنائية، هي جذر النزاعات الراهنة وخطه العريض، الذي تفرعت عنه كائنات خرجت علناً وبدون مواربة، على كل أعراف الاجتماع والإخوة في الأوطان، وتوغلت في الجريمة وفارقت الإحساس بالعدالة. فقد كان هناك مفسرون طائفيون رديئون، للظاهرة الدكتاتورية، جعلوها وكأنها نتاج نزعات طائفية، وكأن الديكتاتور، المتلطي بالعلمانية والحداثة، الذي يسانده جلادون وأتباع من كل الطوائف، يستقي توجهاته من فقهاء طائفة محددة. وللإنصاف، لم تكن الديكتاتوريات، على مساوئها، تضع من ضمن أولوياتها، لعبة الصراع الطائفي، لأنها أصلاً كانت ترى "الجماهير" ولا ترى المواطنين. فلو كانت ترى مواطنين وتتحسس قضاياهم لما كانت هناك ديكتاتورية دائمة الإلحاح على زعامتها و"جماهيريتها"!
لعل ما حدث في سجن روميّة اللبناني الأشهر، فَضَحَ الطائفيين اللئام الكامنين في الثنايا. فقد استطاب لهؤلاء، من الخلفية الطائفية للجلادين؛ أنهم يجلدون متشددين سُنة، موقوفين على ذمة قضايا عنف، تماماً مثلما تُستطاب لدى أمثالهم من السنة سفالات داعش وجرائمها وعنفها. نحن هنا، بصدد هويات صغرى ونزعات كراهية مستفحلة، تصَّعب مهمة الوطنيين التوافقيين الذين يعرفون معنى الشعب والهوية الكبرى والمصير الواحد!
كأنما هؤلاء، من الفريقين، ينذرون بمرحلة نزاع أهلي مفتوح ومديد، لا ينتهي إلا بتبعثر الشعوب وخراب الأوطان، لكي يدخل اللاعب الاستعماري المتربص والمُحرّك، في اللحظة المناسبة، لكي يعيد صياغة المنطقة، بأنظمتها ومجتمعاتها، على النحو الذي يجعلنا جميعاً، عبيداً بلهاء وفاقدي الإرادة!
إن الهويات الصغرى، والجموح الطائفي، تنزع جميعها عن الإنسان المسكون بها، كل حسّ بالعدالة والنُبل. وفي هذه اللُجة، تتكيف مشاعره ومواقفه، في سياق وعيه الثأري، وتنتفي كراهية هذا الإنسان، الفطرية، للتعذيب من حيث المبدأ، وأياً كان من يعذب، وأياً كان مذهبه، ومن حيث انه إيلام عميق لكينونة الإنسان، أياً كان الإنسان. فالطائفي والثأري، في هذه اللُجة المريرة، يسأل أولاً عن الهوية الطائفية لمن يتعذب، فتصبح إدانة التعذيب، موصلة بهوية الضحية لا بغلاظة الجلاد. من هذه المعادلة، نشأ من يُستطاب له فجور داعش. أما داعش نفسها، فقد تلذذت بنفسها في هذا المناخ الموبوء، ونزعت من عقلها ووجدانها إي حسّ بالعدالة، فأخذت نساء الوطن، الأزيديات الحُرات، الى سوق النخاسة. ومن هنا أيضاً، يُستطاب لمن يقذفون الحمم ويحرسون وضعية عذاب الشعب السوري؛ عملهم الذي يلقى تأييد مؤديهم!