عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 15 آذار 2016

الفلسطيني سعيد الشيخ يطرح أسئلة الشتات في «تغريبة حارس المخيم»

ستوكهولم  -  سمر الصالح - في «تغريبة حارس المخيم»؛ الرواية الصادرة حديثاً للكاتب الفلسطيني سعيد الشيخ، كل الطرق تؤدي إلى السرد بحرفية الكتابة الدرامية، مهما اقترب النص من التوثيق واتكأ على مفاصل تاريخية حفرت آثاراً فجائعية في الحياة الفلسطينية.

هي «غربة أخرى» كما يقول الشاعر محمود درويش في إحدى قصائده، يستحضرها سعيد الشيخ في كتابة، هي مزيج من الواقع والخيال ضمتها أربعة فصول متلازمة بين السرد الأدبي والتاريخي، وعلى مدى زمني يمتد إلى ثلاثين سنة مشحونة بذاكرة من الأهوال التي تعود إلى أحداث النكبة الأولى عام 1948. وإن بدأ تاريخ الرواية من عند الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 الذي أفضى إلى خروج الفدائيين الفلسطينيين من المدينة وركوبهم البحر وما تبعه من أحداث مجزرة «صبرا وشاتيلا»، فإن التاريخ لن ينتهي إلا عند النهايات العميقة، عند يوم القيامة الذي يشهده «يوسف سعد الدين» بطل الرواية وزوجته «أمينة»، وهما في زيارة لربوع الوطن المغتصب، إذ يشهدا بأم أعينهما كيف دولة الاحتلال تتفسخ بتدخل من السماء، ولكن حتى ذلك التاريخ الذي يبقيه الكاتب غامضا ومتأرجحاً بحدوثة أو باحتمالية حدوثه، فإن الرواية تحفل بالشقاء الفلسطيني وتحديات الوجود.

المجزرة .. نياماً جاءتنا الفؤوس وكأن الرواية هي حياة ثانية لأبطال تخطاهم الموت؛ وأي حياة؟ يوسف سعد الدين وزوجته أمينة وابنهما عمر وزهرة التي ستصبح ابنتهما بالتبني بعدما انتشلتها أمينة من فم الموت وهي على صدر زوجة أخيها المقتولة، هؤلاء جميعا كُتب مصيرهم على غير مصير الآلاف من أهل المخيّميْن الذين حصدت المجزرة أرواحهم.

وليس المهم هنا إن جاء بهم الكاتب من الواقع أو أوجدهم من خياله، المهم في السرد هو الضوء الذي سيُسلّط على حياتهم بعد المجزرة لتصبح الكتابة بمجملها كتابة درامية مكثفة تحمل دلالات عن أهوال لا تنفك عن السيرة الفلسطينية.

يغوص الكاتب في أدق التفاصيل وإلى أعماق الكائن الإنساني المفجوع وهو أمام الهزيمة والخسارة، ويصف ما غفل عنه التوثيق كشرط أساسي يقوم عليه العمل الروائي بارتباطه بالهمّ الإنساني: «لا لوعة في هذا الكون تضاهي لوعة امرئ بأمه وأبيه وهما يُذبحان مع إخوته أمام نظره، وهو لا يدري أيضا في أي لحظة يأتي عليه الدور. لا أستطيع أن أصف كيف هو الشعور، أحتاج إلى كل لغات الأرض وقد لا تفي في وصف شعور فقدان الوالديْن والاخوة بضربة واحدة وبظروف غير طبيعية. لا أتخيّل جحيماً فوق هذا الكوكب يماثل هذا الجحيم». وجحيم البطل الذي تمنى الموت بين من ماتوا يجد له الكاتب مبررا لنجاته التي تسعد الأموات في ألا يندثروا وتندثر قضيتهم مع مواراتهم في المقابر الجماعية. « كم مقبرة جماعية أيها الجسد، يا جسد الفلسطيني المقطّع.. شريدا تمضي في الحياة واللحد لا يلمّ مماتك كما هيّأك الخالق، كأنك مختبر للوحشية، مسيح العصر؛ من سلالة النور منذورا للشقاء والآلام».

لا يغلق الكاتب هذا الفصل إلا مع حضور بعثة أممية إلى مسرح المذبحة، جاءت تبحث عن ناجين لإخراجهم من الجحيم ولتخفيف الآلام والمخاطر التي لا زالت تحوطهم، فيهاجر بطل الرواية غير مقتنع مع عائلته الصغيرة إلى السويد.

أيها الثلج، كيف الشقاء في بياضك؟

في هذا الفصل يقترب السرد من الكتابة التسجيلية، بعدما تخفت أصوات الدراما التي رافقت فصل المجزرة، هنا يسجل الكاتب بدايات نشوء الوجود العربي في السويد خلال ثمانينيات القرن الماضي. الحفاوة السويدية تجعل بطل الرواية مع زوجته يشعران بأنهما قد انتقلا إلى عالم مختلف عن العالم الذي غادروه. كانا يحتاجان إلى كثير من الوقت ليفهما البوْن الشاسع ما بين أدوات المجزرة التي عبثت بجسديهما وروحيهما، وبين الأدوات الطبية بأيدي الأطباء السويديين التي راحت ترمم روحيهما من ندوب المجزرة. وليقررا أن الإنسانية لم تغادر الكوكب بعد. أحداث كثيرة يشهدها هذا الفصل، نظرا لمرور سنوات عديدة على وجود العائلة في منفاها السويدي. وكان على العائلة أن تواجه تحديات كثيرة في الصقيع السويدي إن بدأت من الاختلاف الثقافي، فإنها لن تنتهي عند سؤال الهوية وسؤال الوجود برمّته «هل من وجود طبيعي خارج وطن الأجداد؟ وهل من وطن طبيعي خارج اللغة؟ .. كانت العائلة، كلما انخرطت أكثر في المجتمع السويدي تشعر بأن شيئاً ينقص من ذاتها، حتى عندما حصلت العائلة على الجنسية السويدية، في وقت كانت فيه السلطة الفلسطينية تبني مؤسساتها على أجزاء من الوطن المغتصب، حسب اتفاقيات أوسلو التي غبنت الحقوق الفلسطينية حسب بطل الرواية ما جعله يشعر بالقلق على مكوّنه وكينونته ويطلق سؤاله الذي يشبه الصرخة في ليل الشتات: «هل يصير سياج الوطن أعلى من سياج الاحتلال؟ وهل تصير هذه السلطة الناشئة مقبرة تضم رفات أحلام الفلسطيني بالحرية وتقرير المصير؟».

يصير الشقاء في حياة العائلة هنا مضاعفاً، فندوب المجزرة لا تنمحي سريعاً، وشروط الاندماج التي تضعها الحكومة السويدية لا تتوفر لدى أفراد ما زالت ذاكرتهم تحمل أهوال الاقتلاع وأهوال الحروب التي لاحقتهم إلى المخيم، وفي أعماقهم يشعرون بأن المخيم مازال يشكل شخصيتهم وهويتهم. والقول هنا لبطل الرواية الذي يروي الكاتب على لسانه: «ما معنى أن أكون هنا وسط هذه القيمة الإنسانية التي يمنحني إياها القانون السويدي، وجذوري هناك تجتث وترسل إلى المحرقة كي تتم الإبادة التي رسمت لنا منذ قرن من الزمن»